الدم ليس مجرد سائل أحمر يجري داخل الأوعية، بل هو نسيج حي شديد التعقيد، يحمل الأكسجين والمغذيات والهرمونات إلى أنحاء الجسم، ويساعد في التخلص من الفضلات، ويشارك في الدفاع ضد العدوى ووقف النزف والحفاظ على التوازن الداخلي للجسم.
ويبلغ حجم الدم لدى الشخص البالغ في المتوسط نحو 5 لترات، مع اختلاف الكمية تبعا لحجم الجسم والجنس وعوامل أخرى. والمثير أن القلب في حالة الراحة يضخ في المتوسط نحو 5 إلى 6 لترات من الدم كل دقيقة، أي ما يعادل تقريبا حجم الدم الموجود بالجسم خلال دقيقة واحدة، قبل أن تستمر الدورة مرارا بلا توقف.
فكيف تستطيع هذه الكمية المحدودة أداء كل تلك الوظائف؟ ويكمن الجواب في تركيب الدم نفسه، وفي منظومة القلب والأوعية التي تبقي مكوناته في حركة مستمرة بين الرئتين والأنسجة والأعضاء.
يتكون الدم من جزء سائل هو البلازما، ومن كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية، ولكل مكون منها وظيفة محددة لا يمكن الاستغناء عنها.
تشكل البلازما نحو 55% من حجم الدم، وهي سائل يميل إلى الصفرة يتكون من الماء بنسبة تقارب 90% إلى 92%.
لكنها ليست ماء فقط، فهي تحمل البروتينات والأملاح والمغذيات والهرمونات ومواد أخرى تنتقل بين أعضاء الجسم، كما تسهم البلازما في المحافظة على توازن السوائل والضغط الأسموزي ودرجة الحموضة.
ويأتي الألبومين في مقدمة بروتينات البلازما، إذ يؤدي دورا مهما في الحفاظ على الضغط الأونكوتي الذي يساعد على إبقاء قدر مناسب من السوائل داخل الأوعية الدموية، كما يعمل ناقلا لعدد من المواد في الدم.
تتميز كريات الدم الحمراء بتصميم يتلاءم بصورة لافتة مع وظيفتها. فالكرية الناضجة تأخذ شكل قرص مقعر من الجانبين، وتفقد خلال نضجها نواتها ومعظم عضياتها الخلوية، مما يتيح مساحة أكبر للهيموغلوبين ويمنحها مرونة تساعدها على المرور عبر الشعيرات الدموية الدقيقة.
والهيموغلوبين هو البروتين الغني بالحديد المسؤول بصورة أساسية عن الارتباط بالأكسجين في الرئتين ونقله إلى أنسجة الجسم. كما يسمح شكل الكرية ومرونة غشائها لها بالتشوه مؤقتا للعبور في أوعية قد تكون أضيق من قطرها وهي في وضعها الطبيعي.
تمثل خلايا الدم البيضاء أحد المكونات الأساسية للجهاز المناعي، لكنها ليست نوعا واحدا، بل تضم مجموعات متخصصة تؤدي وظائف مختلفة.
فهناك خلايا تبتلع الكائنات الغريبة والخلايا التالفة، وأخرى تشارك في الاستجابة الالتهابية، بينما تستطيع بعض الخلايا الليمفاوية إنتاج الأجسام المضادة، وتقوم أنواع أخرى بالتعرف على الخلايا المصابة أو غير الطبيعية والتعامل معها.
الصفائح الدموية أجزاء خلوية صغيرة لها دور أساسي عند إصابة أحد الأوعية الدموية. فعند حدوث الجرح تلتصق بمكان الإصابة وتتجمع لتشكيل سدادة أولية، ثم تعمل منظومة التخثر على تثبيت الخثرة والحد من فقدان الدم.
وهنا ينبغي التفريق بين دور الصفائح في إيقاف النزف وبين عملية ترميم الأنسجة نفسها، التي تشارك فيها منظومات وخلايا متعددة.
يعد فقر الدم من أهم المشكلات الصحية المرتبطة بالدم وأكثرها انتشارا عالميا. وتعرفه منظمة الصحة العالمية بأنه حالة يكون فيها عدد كريات الدم الحمراء أو تركيز الهيموغلوبين أقل من المعدل الطبيعي، بما يقلل قدرة الدم على توصيل الأكسجين إلى الأنسجة.
ولا يمثل فقر الدم مرضا واحدا له سبب واحد، وإنما قد ينتج عن نقص المغذيات أو فقدان الدم أو العدوى والالتهابات والأمراض المزمنة أو اضطرابات وراثية.
ومن أبرز أنواعه وأسبابه:
وتؤكد منظمة الصحة أن أسباب فقر الدم متعددة، وأن نقص الحديد لا يمثل كل حالات الأنيميا، رغم كونه أحد أبرز أسبابها عالميا.
قد يكون فقر الدم في مراحله الأولى خفيفا ولا يسبب أعراضا واضحة، ثم تبدأ العلامات في الظهور مع زيادة شدته.
ومن أبرز الأعراض التعب والضعف والدوخة أو الشعور بخفة الرأس والصداع وضيق التنفس، خاصة مع المجهود، وبرودة اليدين والقدمين. وفي الحالات الأشد قد يظهر شحوب الجلد والأغشية المخاطية وتسارع ضربات القلب والتنفس.
ولا تكفي هذه الأعراض وحدها لتشخيص الأنيميا لأنها قد تظهر في أمراض أخرى، ولذلك يعتمد التشخيص على فحوص الدم وتقييم السبب المحتمل.
من أكثر الأخطاء شيوعا التعامل مع نقص الحديد وفقر الدم على أنهما الحالة نفسها. فقد يبدأ نقص الحديد بانخفاض مخزون الجسم، ويمكن أن ينخفض مستوى الفيريتين بينما يظل الهيموغلوبين ضمن الحدود الطبيعية. وإذا استمر النقص إلى درجة تعيق إنتاج كمية كافية من الهيموغلوبين، عندها قد يتطور الأمر إلى فقر دم بنقص الحديد.
ولهذا لا ينبغي تناول مكملات الحديد تلقائيا عند الشعور بالإرهاق أو الدوخة، فالعلاج يعتمد على إثبات النقص وتحديد سببه ودرجة شدته، وقد يكون فقدان الدم أو مشكلة في الامتصاص وراء الحالة.
كما أن تناول الحديد دون حاجة ليس وسيلة لزيادة النشاط، ويمكن أن يسبب آثارا جانبية، وقد يؤدي الإفراط فيه لدى بعض الأشخاص إلى تراكم الحديد ومضاعفات صحية.
يمكن للتغذية المتوازنة أن تساعد في الوقاية من بعض أنواع فقر الدم المرتبطة بنقص المغذيات. وتشمل مصادر الحديد اللحوم والدواجن والأسماك والبقوليات مثل العدس والفول، والحبوب المدعمة والخضراوات الورقية الداكنة. كما يساعد تناول مصادر فيتامين "ج " مثل الحمضيات والفلفل، مع الأغذية النباتية الغنية بالحديد على تعزيز امتصاص الحديد غير الهيمي.
أما الشاي والقهوة فيحتويان مركبات يمكن أن تقلل امتصاص الحديد غير الهيمي عند تناولهما مع الوجبة. وأظهرت دراسة أن تأخير تناول الشاي ساعة واحدة بعد وجبة تحتوي على الحديد خفف بدرجة ملحوظة تأثيره المثبط للامتصاص. ولذلك قد يكون من المفيد، خصوصا لمن يعانون نقص الحديد أو المعرضين له، عدم تناول الشاي بالتزامن مع الوجبات الغنية بالحديد.
أما فيتامين "بي 12" فيوجد خصوصا في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان، بينما تعد الخضراوات الورقية والبقوليات من المصادر المهمة للفولات.
في بعض الحالات لا تكون هي المشكلة الأصلية، بل إشارة إلى اضطراب آخر. ففقدان الدم الخفي من الجهاز الهضمي، أو النزف الغزير، أو بعض أمراض الأمعاء والكلى والالتهابات المزمنة، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الهيموغلوبين.
ولهذا فإن علاج فقر الدم لا يقتصر دائما على إعطاء الحديد أو الفيتامينات، بل يتطلب البحث عن السبب وعلاجه.
وفي المقابل، لا توجد قاعدة طبية تفرض إجراء صورة دم كاملة سنويا لكل شخص سليم بلا أعراض أو عوامل خطورة، إذ ينبغي أن تحدد الحاجة إلى الفحوص وتوقيتها وفقا للعمر والأعراض والتاريخ الصحي وعوامل الخطورة وتقييم الطبيب.
ولا تقتصر اضطرابات الدم على الأنيميا، إذ يمكن أن تصيب الأمراض خلايا الدم البيضاء فتؤثر في المناعة، أو الصفائح وعوامل التخثر فتزيد الميل إلى النزف أو تكون الجلطات.
كما توجد أمراض تنشأ في نخاع العظم، ومنها اللوكيميا وأنواع أخرى من سرطانات الدم، إضافة إلى اضطرابات وراثية تغير شكل خلايا الدم أو تركيب الهيموغلوبين ووظيفته.
لا يوجد غذاء أو مشروب "ينقي الدم" بالمعنى الطبي، لكن نمط الحياة يؤثر بصورة مباشرة في صحة الأوعية والقلب ومكونات الدم.
وتعد الحركة المنتظمة مهمة للدورة الدموية، في حين يؤدي البقاء بلا حركة لفترات طويلة إلى بطء تدفق الدم في أوردة الساقين، وقد يزيد خطر الإصابة بالجلطات الوريدية لدى الأشخاص المعرضين لها.
وتوصي المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها بكسر فترات عدم الحركة خلال الرحلات الطويلة، وتحريك الساقين والمشي كل ساعة إلى ساعتين تقريبا، خاصة عند استمرار السفر أكثر من 4 ساعات.
كما ينبغي الانتباه إلى التورم المفاجئ أو الألم غير المفسر أو السخونة والاحمرار في ساق واحدة، إذ قد تكون من علامات الخثار الوريدي العميق وتستدعي تقييما طبيا. أما ضيق التنفس المفاجئ أو ألم الصدر أو السعال المصحوب بالدم فقد يشير إلى انتقال جلطة إلى الرئتين ويحتاج إلى رعاية طبية عاجلة.
تمثل المياه أكثر من 90% من البلازما، ولذلك فإن الحفاظ على ترطيب الجسم ضروري لدعم حجم الدم ووظائف الجسم المختلفة.
لكن القول إن على كل شخص شرب 2 أو 3 لترات من الماء يوميا ليس دقيقا، إذ تختلف الاحتياجات بحسب الجنس وحجم الجسم والنشاط والحرارة والحالة الصحية والحمل والرضاعة.
وتشير تقديرات شائعة إلى أن إجمالي السوائل اليومية من الطعام والشراب لدى البالغين الأصحاء قد يبلغ نحو 2.7 إلى 3.7 لترات، لكن ذلك يشمل الماء الموجود في الأطعمة والمشروبات المختلفة، وليس ماء الشرب وحده.
لا يقتصر ضرر التدخين على الرئتين، فأول أكسيد الكربون الموجود في دخان السجائر يرتبط بالهيموغلوبين ويقلل قدرته على نقل الأكسجين بكفاءة.
ولدى بعض المدخنين يؤدي نقص الأكسجين المزمن إلى تحفيز الجسم لإنتاج مزيد من كريات الدم الحمراء، فيما يعرف بكثرة الكريات الحمراء الثانوية، وهي حالة قد تتراجع بعد الإقلاع عن التدخين.
التبرع بالدم في المقام الأول عمل إنساني يوفر الدم ومكوناته للمرضى الذين يحتاجون إليه، وليس إجراء مطلوبا لتحسين صحة كل شخص أو "تنقية الدم".
ويُسحب في التبرع بالدم الكامل عادة ما يقارب نصف لتر. وبعد التبرع يبدأ الجسم عملية التعويض، إذ يمكن تعويض البلازما خلال نحو 24 ساعة، بينما تحتاج كريات الدم الحمراء إلى نحو 4 إلى 6 أسابيع حتى تستبدل بالكامل.
لكن مخزون الحديد يحتاج إلى وقت أطول، فالتبرع بالدم يزيل نحو 220 إلى 250 مليغراما من الحديد، وقد يستغرق تعويضه عدة أشهر لدى بعض الأشخاص، ولا سيما المتبرعين المتكررين.
ولهذا تخضع عملية التبرع لمعايير تتعلق بمستوى الهيموغلوبين والحالة الصحية والفواصل الزمنية بين التبرعات، وتختلف بعض التفاصيل بحسب الدولة ومركز التبرع.
وهكذا، فإن قدرة الجسم على تعويض مكونات الدم تكشف عن نظام حيوي شديد الدقة، لكن أفضل طريقة لحمايته لا تكمن في وصفات لـ"تنقية الدم" وإنما في التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، وتجنب التدخين، والانتباه إلى أعراض الأنيميا والجلطات، والبحث عن السبب الحقيقي لأي اضطراب بدلا من علاجه عشوائيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة