تشهد مستشفى بيشا في العاصمة الفرنسية باريس حالة من التوتر والقلق داخل قسم الأمراض المعدية، في ظل متابعة حالات مرتبطة بفيروس الهانتا، بينما تسعى السلطات الصحية إلى طمأنة الرأي العام والتأكيد على عدم وجود أي "انتشار واسع" للفيروس على المستوى الوطني.
وكانت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست قد شددت، يوم الثلاثاء، على استبعاد فرضية انتشار كبير للفيروس داخل البلاد، في محاولة لتهدئة المخاوف المتصاعدة. غير أن المشهد داخل المستشفى يظهر حالة من الارتباك والحذر بين الطواقم الطبية.
أمس، الثلاثاء 12 مايو، شهد محيط قسم الأمراض المعدية في مستشفى بيشا نشاطًا غير مألوف، إذ كانت النقالات تدخل وتخرج بشكل متواصل، فيما ظهر الطاقم الطبي مرتديًا الكمامات والملابس الواقية بشكل كامل.
وتستقبل المستشفى حاليًا مريضة فرنسية أُصيبت بالفيروس على متن سفينة الرحلات "MV Hondius"، وهي في قسم الإنعاش في حالة وُصفت بالحرجة منذ الأحد 10 مايو. كما يتكفل القسم نفسه برعاية أربعة مواطنين فرنسيين آخرين تم نقلهم بعد إجلائهم في اليوم ذاته، وقد جاءت نتائج فحوصاتهم حتى الآن سلبية.
وبالتوازي، تم تحديد 22 شخصًا كمخالطين محتملين بعد أن كانوا على متن رحلة جوية عائدة بتاريخ 25 أبريل، إلى جانب مريضة هولندية توفيت لاحقًا. وقد تم توزيع هؤلاء المخالطين على مستشفيات مختلفة في فرنسا، حيث يخضع بعضهم للمراقبة الطبية أو للعلاج الوقائي.
وداخل المستشفى، تتباين مواقف العاملين بين القلق الشديد ومحاولات التهدئة. فإحدى الممرضات، التي نقلت عنها "فرانس إنفو" وطلبت عدم الكشف عن هويتها، وصفت الوضع بقولها: "نحن خائفون جدًا.. لسنا مطمئنين إطلاقًا". وأضافت أنها ومنذ يوم الأحد ناقشت مع زملائها الوضع، مشيرة إلى أن بعضهم عبّر عن رفضه العمل داخل القسم في حال تم تكليفه بذلك.
كما أشارت إلى أن إدارة المستشفى، وفق قولها، لم تقدم معلومات كافية للطواقم الطبية منذ بداية الأزمة، وهو ما نفته الإدارة في تصريح لـ"فرانس إنفو"، مؤكدة أنها قامت بإبلاغ الموظفين بشكل متكرر وواضح حول تطورات الوضع وحالات المخالطين.
في المقابل، قدّم أحد أطباء التخدير داخل القسم قراءة أكثر هدوءًا للوضع، معتبرًا أن توفر معدات الحماية يقلل من مستوى الخطر. وقال: "لدينا كمامات FFP2 وملابس واقية، وأنا أظل حذرًا، لكن ذلك لا يمنعني من مواصلة العمل". وأضاف متسائلًا: "إذا غادر جميع العاملين، فمن سيُبقي المستشفى يعمل؟".
امتد القلق إلى مركز التبرع بالدم التابع للمستشفى، حيث سجّلت مؤسسة الدم الفرنسية انخفاضًا في عدد المتبرعين.
وأعربت ممرضة تعمل في المركز عن أسفها لما وصفته بـ"الخوف غير المبرر" لدى بعض المواطنين، موضحة أن حالات الإلغاء ازدادت بعد التغطية الإعلامية الواسعة للموضوع. وقالت: "تلقينا اتصالات من متبرعين قالوا إنهم خائفون من القدوم، وبالأمس استقبلنا 10 متبرعين فقط، بينما العدد المعتاد يتراوح بين 30 و40".
وشددت على أن الوضع لا يشكل خطرًا على المتبرعين، قائلة: "صحة المتبرعين ليست مهددة، لذا نرجو منهم العودة إذا أمكن".
كما أكدت أن الأشخاص الخاضعين للعزل ليسوا قريبين من مركز التبرع بالدم، وأن إجراءات السلامة داخل القسم مشددة، بما في ذلك بوابات دخول وخروج ونظام عزل صارم.
وبحسب المعطيات الميدانية، تخضع المنطقة المحيطة بقسم الأمراض المعدية لإجراءات أمنية مشددة، حيث يتولى عناصر الأمن منع أي دخول غير مصرح به عند الاقتراب من القسم.
يوضح الخبير جان-كلود مانغيرا، وفقًا لـ''راديو فرنسا/ Radio France ''، أن الهانتا فيروس ليس فيروسًا واحدًا، بل مجموعة من الفيروسات تنتمي إلى عائلة Hantaviridae.
ويشير إلى وجود تمييز بين فيروسات "العالم القديم" و"العالم الجديد"، موضحًا أن الأخيرة قد تكون مسؤولة عن متلازمات قلبية رئوية أكثر شدة.
كما يلفت إلى أن معدلات الوفيات قد تتراوح بين 40 و60%، مع التأكيد على أن هذه النسب تبقى تقديرية وقابلة للتغير مع توسع رصد الحالات وتشخيصها.
ويؤكد أن هناك أسئلة علمية لا تزال غير محسومة، من بينها نسبة الإصابات غير المصحوبة بأعراض، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مباشر للفيروس، وأن التدخل الطبي يركز على دعم الوظائف الحيوية ومعالجة المضاعفات التنفسية الحادة.
أما بشأن اللقاحات، فيوضح أن تطويرها ما يزال معقدًا ويتطلب وقتًا طويلًا وتجارب سريرية دقيقة قبل الوصول إلى نتائج مؤكدة حول الفعالية والسلامة.
المصدر:
يورو نيوز