دبي، الإمارات العربية المتحدة ( CNN )-- يتسبب سرطان الرئة في وفاة عدد من الأمريكيين يفوق أي نوع آخر من السرطان، ونحو ثلاثة أضعاف عدد الوفيات الناجمة عن سرطان الثدي .
مع ذلك، فإنّ فحوصات سرطان الرئة أقل شيوعاً، حيث أنه غالباً ما يُعتّبَر مرضًا يصيب المدخنين الشرهين بالأساس، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
كما أنّ 20% فقط من الأشخاص المؤهلين للفحص يخضعون له فعلياً. وقد يعود جزء من هذا القصور إلى استمرار انتشار مفاهيم خاطئة حول سرطان الرئة.
علِمت جولييت دوبوا التي تبلغ من العمر 46 عامًا أنّها مصابة بالسرطان بعد خضوعها لجراحة استبدال مفصل الورك قبل عامين.
في الأسابيع التي تلت العملية، أظهر فحص الدم الذي خضعت له مؤشرات تحذيرية لاحتمال وجود جلطة دموية.
توجهت دوبوا إلى قسم الطوارئ، حيث كشف التصوير المقطعي وجود كتلة بحجم 1 سنتيمتر في رئتها.
وقالت: "لو لم أخضع لجراحة في الورك ولم أكن أكثر حذراً بعدها، لما كنت سأعلم بذلك أبداً".
قبل الخضوع للعملية، لاحظت الراقصة السابقة بعض الآلام، لكنها لم تكن تعاني من أي أعراض أخرى سوى الإرهاق المستمر والنوم أكثر من المعتاد.
بعد أربع جلسات من العلاج الكيميائي، تقول حالياً إنّها تشعر بأنّها "بخير إلى حدٍ كبير" ولا توجد أي دلائل على وجود المرض.
وكان والدا دوبوا من المدخنين الشرهين، ما جعلها تنفر من السجائر وتتجنبها تماماً طوال حياتها.
في الواقع، يظهر نحو ربع عدد حالات سرطان الرئة لدى أشخاص "لم يدخنوا مطلقاً"، ويُعرّف هؤلاء بأفراد لم يدخنوا أكثر من مئة سيجارة طوال حياتهم.
كما أنّ سرطان الرئة لدى غير المدخنين أكثر شيوعاً بين النساء مقارنةً بالرجال.
بدأت ألبرثا غيذرز التدخين في المرحلة الإعدادية أثناء قضاء الوقت مع أصدقائها في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، خلال مرحلة الستينيات، عندما كانت تبلغ الـ 12 عامًا من عمرها.
لم تكن غيذرز تدخن أكثر من بضع سجائر يومياً، حتى مع استمرارها في هذه العادة لمدة 56 عاماً أخرى.
وبما أنّ ذلك لم يصل إلى حد تدخين علبة يومياً لمدة 20 عاماً، فلم تكن مؤهلة رسمياً للفحص، ما يعني أنّ برنامج "ميديكير" لم يكن سيغطي تكلفته، ولم يقترح عليها أي طبيب إجراء الفحص.
لكن في عام 2024، أخبرها أحد الأصدقاء عن برنامج بحثي في بوسطن يقدم فحوصات مجانية بالأشعة المقطعية للنساء السود اللواتي تتراوح أعمارهن بين 50 و80 عاماً.
خضعت غيذرز للفحص، الذي كشف وجود ثلاث آفات سرطانية في رئتيها.
وقام الدكتور تشي فو جيفري يانغ، جرّاح الصدر في معهد "ماس جنرال بريغهام" للسرطان، بإزالة الأورام، ما أدى إلى تعافيها.
يتعرض المرضى السود للخطر بشكلٍ خاص، إذ تقل احتمالية خضوعهم للفحص رُغم المعاناة من احتمال أعلى للوفاة بسبب المرض.
بشكلٍ عام، يظهر أكثر من نصف عدد حالات سرطان الرئة لدى أشخاص غير مؤهلين للفحص.
غالباً ما يُكتشف السرطان لديهم بعد ظهور الأعراض، أو بالصدفة أثناء إجراء تصوير مقطعي لأسباب أخرى مثل إصابة في الأضلاع أو فحص قلبي.
رأى يانغ أنّ خطر سرطان الرئة يتأثر بعوامل بيئية مثل تلوث الهواء وغاز الرادون، بالإضافةً إلى عوامل وراثية، والتدخين بالطبع.
يعتمد الفحص المعياري لسرطان الرئة على التصوير المقطعي المحوسب منخفض الجرعة ( LDCT )، وهو نوع من الأشعة السينية يَستخدم جرعة منخفضة من الإشعاع لإنشاء صورة ثلاثية الأبعاد للرئتين.
وبما أنّ تكلفة الفحص تتراوح عادة بين 200 و400 دولار، وقد تؤدي أحياناً إلى إجراءات طبية غير ضرورية، فإنّ المؤسسات الطبية الكبرى لا توصي به لجميع الأشخاص، بل فقط للمعرضين لخطر أكبر.
لكن المشكلة أنّ هذه المعايير قديمة، إذ قالت رئيسة جراحة الصدر في جامعة شيكاغو الدكتورة جيسيكا دونينغتون إن "المعايير ضيقة جداً".
في عام 2022، غيّرت الشبكة الوطنية الشاملة للسرطان معاييرها لتشمل عدداً أكبر من المدخنين الحاليين والسابقين.
كما أوصت بفحص أي شخص دخَّن لمدة تزيد عن 20 عاماً مهما كان عدد السجائر التي استهلكها.
كما قامت جمعية السرطان الأمريكية بتوسيع إرشاداتها، ولم تعد تَعتبر تلقائياً أنّ من أقلع عن التدخين منذ أكثر من 15 عاماً يتعرَّض لخطر أقل.
لكن لم تقم أكبر جهة تأثيراً، وهي فرقة العمل الأمريكية للخدمات الوقائية، بتحديث تقييمها للأدلة منذ عام 2021.
عندما تم اختبار فحوصات " LDCT " لأول مرة في التسعينيات وبداية الألفية، أظهرت الدراسات أنّها تكتشف حالات مبكرة أكثر بكثير مقارنةً بالأشعة المقطعية التقليدية، لكنها لم تُظهر انخفاضاً كبيراً في معدلات الوفيات.
بناءً على ذلك، اعتقد العديد من الأطباء أنّ الفوائد لا تفوق المخاطر، بما في ذلك الأضرار المحتملة الناتجة عن الخضوع لعمليات جراحية.
لكن في عام 2011، أظهرت الدراسة الوطنية لفحص الرئة، التي تابعت أكثر من 50 ألف مريض لعدة سنوات، أنّ فحوصات " LDCT " أدت إلى انخفاض بنسبة 20% في معدلات الوفيات.
وقد أدت هذه النتيجة إلى أولى التوصيات الوطنية للترويج لهذا الفحص، مع توفير تغطية تأمينية واسعة وزيادة استخدامها.
كان الجميع يقول للوريـن فادوس إنّ الشعور بالإرهاق أمر طبيعي، خاصة أنها أم لطفل عمره عامين.
لكن فادوس، البالغة من العمر 34 عاماً، وهي مديرة مشاريع في مجال تكنولوجيا المعلومات في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، لم تستطع تجاهل شعورها بوجود خطب ما.
أثناء محاولتها التعامل مع الإرهاق واشتباهها بالمعاناة من التهاب رئوي، زارت أربعة أطباء من دون أن يذكر أي منهم احتمال الإصابة بالسرطان.
لم يتم طلب فحص " LDCT " إلا بعد أن عانت فادوس من سعال شديد لدرجة أنّها كسرت ضلعاً، وكَشَف الفحص وجود أورام سرطانية في رئتيها، وأضلاعها، وكبدها، وعمودها الفقري.
وقالت فادوس: "كنت مصدومة.. كان سرطان الرئة آخر أمر توقعته".
تُشخّص حوالي 1 من كل 10 حالات جديدة لسرطان الرئة لدى أشخاص دون سن الـ55 عاماً.
رُغم كون المرض أكثر شيوعاً بين الرجال إجمالاً، فإنّ ذلك لا ينطبق على الفئات الأصغر سناً، فبين من هم دون سن الـ 40 عامًا، تشكل النساء 52% من الحالات الجديدة، ونسبة أكبر بين الأشخاص الذين لم يدخنوا مطلقًا.
أفادت دونينغتون أنّ معظم مرضاها الأصغر سناً يُشخّصون في المرحلة الرابعة، ولا يأتون إلا عند ظهور أعراض مثل النوبات أو آلام الأضلاع.
ووفقاً لجمعية جراحي الصدر، فإنّ معدل البقاء على قيد الحياة لمدة 20 عاماً يصل إلى 80% عند اكتشاف المرض مبكراً، مقارنةً بـ 8% فقط عند التشخيص في مراحل متأخرة.
كانت كيلي جونز، وهي مختصة تسويق رقمي من ماساتشوستس، في صالون تجميل الأظافر عندما لاحظت انحناء أظافرها إلى الأسفل، وهي حالة تُعرف باسم "تعجّر الأظافر" غالباً ما ترتبط بأمراض القلب أو الرئة.
وكانت جونز، البالغة من العمر 36 عاماً، تعاني من آلام شديدة في العظام وتورم في الساقين لأشهر، وكانت هذه بمثابة القشة الأخيرة التي دفعتها لزيارة طبيب مختص بالرئة.
أظهر التصوير المقطعي أنّها مصابة بسرطان الرئة في المرحلة الأولى.
وقالت: "هذا أمر نادر جداً، وكنت محظوظة بشكلٍ خاص للتمتع بتأمين صحي جيّد بفضل وظيفتي".
يُعتبر السعال المستمر من الأعراض الشائعة بالفعل، إضافةً لضيق التنفس، وألم الصدر، وفقدان الوزن غير المبرَّر، والتعب المستمر أو السعال المصحوب بخروج الدم.
لكن الالتهابات الشديدة أو الأعراض العصبية قد تكون أيضاً ضمن العلامات المبكرة، خاصةً لدى البالغين الأصغر سناً.
رُغم صعوبة التنبؤ بسرطان الرئة، قال يانغ إنّ النماذج الحاسوبية المتقدمة قد تكون أفضل من الإرشادات الرسمية في تحديد الأشخاص المعرضين للإصابة به.
وأفاد أنّ برنامج الذكاء الاصطناعي التجريبي " Sybil "، الذي طوره علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجي ا ( MIT ) وزميلته الدكتورة ليسيا سيكويست، يستطيع تحليل صورة واحدة من فحص بالتصوير المقطعي وإنتاج "درجة خطورة" تحدِّد احتمال تطور السرطان خلال فترة تصل إلى ست سنوات.
في عام 2023، أفاد مطوروه أنّ دقة النظام تراوحت بين 86% و94% في تحديد المرضى الأكثر والأقل عرضة للإصابة خلال عام واحد.
يُستخدم البرنامج حالياً في 12 مستشفى في الولايات المتحدة لأغراض بحثية، منها " ماس معهد جنرال بريغهام" ، وفي أكثر من 30 دولة حول العالم.
وتأمل سيكويست في النهاية أن يُستخدم النظام لتخصيص برامج الفحص.
وقالت: "يمكننا أن نكون أكثر ذكاءً فيما يتعلق بهذا الأمر إذا لم يكن النظام مرتبطاً بشكلٍ صارم بالتدخين".
المصدر:
سي ان ان