في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تضغط الاحتجاجات التعليمية المتواصلة في فرنسا على خطة خفض عجز الموازنة العامة مع تجدد المظاهرات وإغلاق مدارس، اليوم الخميس، رغم وعود الحكومة بمعالجة الأزمة، وتواجه باريس مطالب بتمويل الخدمات العامة، بينما تستنزف فوائد الديون السيادية مواردها.

وحسب وكالة رويترز، انخفض عدد المدارس المغلقة من 224 صباح اليوم الخميس إلى 157 عند منتصف النهار، وأعلنت وزارة التعليم أن 96% من المدارس مفتوحة، لكن المظاهرات استمرت من مدن ليل ورين ونانت إلى باريس وتولون ومرسيليا، مع دخول الحركة الاحتجاجية أسبوعها الثالث اعتراضا على نقص المعلمين وتدهور المباني.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 غضب مدارس فرنسا يتمدد.. مطالبات باستقالة ماكرون وتأهب لتصعيد نقابي
* list 2 of 2 التجمع الوطني ومعاداة السامية.. من إرث الجبهة الوطنية إلى قضية جوردان بارديلا end of list

وأفادت وكالة الأنباء الفرنسية بتراجع أعداد المحتجين في بعض المدن مقارنة بتحرك أول أمس، فيما دعت قيادات طلابية إلى مواصلة التحرك، ولوّحت بتنظيم مظاهرات أوسع في الأسبوع المقبل.

وتعهد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، مساء أمس الأربعاء، بتقديم استجابات ملموسة وسريعة وممولة بحلول نهاية الشهر الجاري، من دون إعلان تفاصيل كافية، وفق رويترز، وأعلن وزير التعليم إدوار غيفري العمل على خطة طوارئ لتعويض المعلمين الغائبين، ومراجعة الجداول الدراسية، في محاولة لاحتواء حركة احتجاجية، تكشف صعوبة الجمع بين ضبط الإنفاق وتحسين الخدمات.

مصدر الصورة جانب من احتجاجات الطلاب الفرنسيين (الفرنسية)

مطالب جديدة وموازنة مقيدة

تبرز الفجوة بين مطالب المحتجين وإمكانات الحكومة في دعوة المتحدثة باسم الاتحاد الطلابي سابرين خرباش إلى توفير 10 مليارات يورو إضافية ( 11.18 مليار دولار)، حسب وكالة الأنباء الفرنسية، وتشمل مطالب الحركة زيادة المقاعد الجامعية، وترميم المباني وتغيير نظام القبول الجامعي، وهي مطالب تتجاوز معالجة الإغلاق المؤقت للمدارس.

في المقابل، يتضمن مشروع موازنة 2027 إجراءات جديدة لتحسين المالية العامة بقيمة 43 مليار يورو ( 48.06 مليار دولار) وفق وثائق رسمية، وتستهدف الخطة خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي، مقابل 5.4% متوقعة هذا العام، في حين أن السقف الذي يحدده الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء هو 3%.

إعلان

وتجمع خطة الحكومة بين ضبط المصروفات وإجراءات الإيرادات، لكن تمويل استجابة جديدة للاحتجاجات سيضع الحكومة أمام خيارات تشمل إعادة ترتيب الاعتمادات، أو إيجاد إيرادات إضافية، أو قبول عجز أعلى، مع ما يحمله الخيار الأخير من ضغوط على الاقتراض.

وتبلغ الديون العامة الفرنسية 3.6 تريليونات يورو (نحو 4.02 تريليونات دولار)، وهي تعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الثاني من 2026، حسب معهد الإحصاء الفرنسي، وارتفعت الديون في ذلك الربع بمقدار 59.6 مليار يورو ( 66.61 مليار دولار)، بعد زيادة أكبر في الربع الأول، مما يحد من هامش المناورة المالية أمام باريس.

أسباب العجز وضغوط الإنفاق

تكشف حسابات معهد الإحصاء الفرنسي أن الإنفاق العام بلغ 57.3% من الناتج المحلي في 2025، مقابل إيرادات تعادل 52.2%، فبقي العجز عند 5.1% رغم تراجعه من 5.8% في 2024. وتوضح هذه الفجوة أن استمرار الاقتراض يعكس اختلالا أوسع بين موارد الدولة والتزاماتها.

وحسب ديوان المحاسبة الفرنسي، اعتمد تقليص العجز في 2025 أساسا على زيادات ضريبية بقيمة 23 مليار يورو ( 25.71 مليار دولار)، بينما استمر الإنفاق في النمو بوتيرة أعلى قليلا من الاقتصاد.

وتضغط النفقات الاجتماعية على حسابات الموازنة، إذ زادت مدفوعات الصحة 4.9% ومعاشات التقاعد الصادرة عن نظام الضمان الاجتماعي والصناديق التكميلية 3.5% في 2025، وفق معهد الإحصاء، ففي ظل تصاعد شيخوخة السكان تتزايد احتياجات الصحة والتقاعد، فيما يضيف احتياجات الدفاع والتحولان الرقمي والأخضر مطالب إنفاق جديدة، بحسب تقرير مشاورات صندوق النقد الدولي مع السلطات الفرنسية لعام 2026.

وتفاقم صدمة الطاقة وضعف النمو هذه الضغوط، وأوضح صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز الماضي أن حرب إيران بدأت تؤثر في النشاط، وأن ارتفاع أسعار الطاقة زاد التضخم، وأضعف الطلب الداخلي في فرنسا.

ويحد تباطؤ النشاط من نمو الأوعية الضريبية، بينما قد ترفع تدابير دعم الأسر والشركات الإنفاق وتؤخر خفض العجز.

وتضاف إلى ذلك صعوبة تثبيت مسار الإصلاح وسط انقسام البرلمان الفرنسي، وأشار ديوان المحاسبة، في تقرير صدر في يونيو/حزيران الماضي، إلى تخفيف إجراءات التصحيح المقترحة لعام 2026 أثناء مناقشتها في المؤسسة التشريعية، ويعني تأجيل ضبط الموازنة استمرار تراكم الدَّين، في وقت ترتفع فيه كلفة تجديد الاقتراض القديم، فتزداد الفوائد ما يضغط على الخدمات والاستثمار.

فوائد الدَّين تزاحم الخدمات

توضح وثائق الموازنة الفرنسية أنه من المتوقع أن تصل كلفة خدمة دين الدولة، بما يشمل شركة السكك الحديدية، نحو 72.93 مليار يورو ( 81.51 مليار دولار) في 2027، بزيادة 10.32 مليارات يورو ( 11.53 مليار دولار) عن أحدث تقدير لعام 2026، وقد تبلغ 93.4 مليار يورو ( 104.39 مليارات دولار) في 2029.

وترجع الحكومة الفرنسية ارتفاع الفاتورة إلى زيادة حجم الدَّين وانتقال أثر الفوائد الأعلى تدريجيا إلى الاقتراض القائم عند تجديده، وتكشف الأرقام عن أن موارد أكبر ستُخصص لخدمة التزامات سابقة، فتزداد صعوبة تمويل احتياجات جديدة في التعليم والخدمات، حتى وإن لم يتغير الطلب عليها أو تتراجع جودتها.

إعلان

ويربط الخبير الاقتصادي المختص بالشأن الفرنسي كميل الساري، في حديث للجزيرة نت، تقليص وظائف الدولة بضخامة الدَّين وكلفة خدمته، ويوضح أن عدم تعويض بعض المغادرين من الموظفين والمتقاعدين يعود إلى الواجهة مع الضغوط المالية، بينما تترك صعوبة توفير بدلاء بعض الطلاب دون دروس في مواد أساسية لفترات طويلة.

ويضع الساري الجدل في سياق خلاف قديم بشأن حجم الدولة وكفاءة إدارة التعليم؛ فتيار اليمين الفرنسي يدعو إلى تقليص أعداد الموظفين، بينما يدافع اليسار عن المعلمين وأجورهم، ويشير إلى أن أدوات التقليص كانت عدم تعويض المتقاعدين والمغادرين، بما يخفض الوظائف تدريجيا دون تسريح مباشر للعاملين.

وتزامن ذلك مع امتداد القلق المالي إلى القطاع الخاص، وأفادت وكالة بلومبيرغ ، في 7 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بأن المخاوف بشأن العجز والانقسام السياسي والاضطرابات الاجتماعية تجاوزت السندات الحكومية إلى الأسهم والائتمان (التمويل البنكي على رأسه)، وارتفعت كلفة الحماية من التعثر على ديون البنوك الفرنسية مقارنة بنظيراتها الأوروبية، واتسعت هوامش العائد على سندات الشركات الفرنسية.

اعتمادات لا تنهي النقص

ويقترح مشروع موازنة التعليم تخصيص 64 مليار يورو ( 71.53 مليار دولار) في 2027، باستثناء مساهمات المعاشات، بزيادة 1.2 مليار يورو ( 1.34 مليار دولار)، وفق وزارة التعليم، وفي الوقت نفسه، يتضمن خفضا صافيا قدره 1588 وظيفة معلم بدوام كامل، في استمرار للمفارقة التي أججت الاحتجاجات.

وتبرر الوزارة تقليص وظائف التدريس بتوقع انخفاض أعداد الطلاب بنحو 180 ألفا عند بداية العام الدراسي المقبل، لكنها تقترح زيادة إجمالي الوظائف 3257 وظيفة، تشمل المساندة وطلاب برامج إعداد المعلمين والمتدربين؛ ولذلك لا تعني زيادة العدد الإجمالي للوظائف زيادة مماثلة في المعلمين المتاحين لتغطية الحصص الآن.

ويرى الساري أن تراجع أعداد الأطفال في بعض المناطق لا يلغي اختلاف الاحتياجات بين المدارس، مع انتقال الأسر وتغير توزيع السكان. ومن ثم، فإن خفض الوظائف على المستوى الوطني لا يحسم مشكلة فصول تفتقر إلى مدرس، أو مبانٍ تحتاج إلى إصلاح، في مناطق بعينها.

وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الإنفاق العام لكل طالب، من الابتدائي إلى التعليم العالي، بلغ 13 ألفا و787 دولارا في فرنسا عام 2023، مقابل 13 ألفا و601 دولار بمتوسط المنظمة، وفق تعادل القوة الشرائية، وهذه المقارنة تجعل توزيع الموارد وفاعلية استخدامها جزءا أساسيا من تفسير الأزمة.

مصدر الصورة الشرطة الفرنسية استخدمت الغاز المسيل للدموع في نفريق احتجاجات طلابية (الفرنسية)

كلفة التعطيل وحدود تقديرها

في الأجل القصير، قد يضيف استمرار الاحتجاجات كلفة إصلاح ما يتضرر من الممتلكات وتأمين المؤسسات، فضلا عن الوقت المطلوب لتعويض الدروس وتنظيم العودة إلى الدراسة، وأشارت وكالة الأنباء الفرنسية إلى وقوع حرائق وتخريب لمحطات انتظار الحافلات خلال بعض التحركات، رغم سلمية كثير من التجمعات.

لكن الخسائر تبدو أوسع مع أعداد المدارس المغلقة، فالتقدير يتوقف على مدة تعطيل الدراسة، وحجم الأنشطة المتأثرة، والدروس التي أمكن تعويضها، كما أن استمرار فتح غالبية المدارس، حسب أرقام الوزارة التي نقلتها وكالة رويترز، يحد من دقة تصوير الحركة باعتبارها توقفا شاملا للنشاط الاقتصادي.

وكان بنك فرنسا (البنك المركزي) توقع، في سبتمبر/أيلول الماضي، نمو الاقتصاد بـ 0.4% هذا العام، و0.9% في 2027، ثم 1.2% في 2028، مع تحسن الطلب الداخلي.

تتفاوت قدرة الأسر الفرنسية على حماية أبنائها من الفجوات الاجتماعية؛ فالأسر الميسورة تستطيع اللجوء إلى التعليم الخاص والدعم الإضافي، حسب الساري، بينما تضيق الخيارات أمام الفقراء، ويرى أن تعزيز المهارات الأساسية والتعليم المهني وإعداد التقنيين والمهندسين ضروري لربط الدراسة باحتياجات الإنتاج وتحولات سوق العمل.

إعلان

ويضيف الخبير أن الفوارق تتعزز بارتباط المدارس العامة بمناطق السكن، ففي الأحياء الفقيرة يتركز أبناء الأسر الأقل دخلا، بينما تستفيد أسر أخرى من مواردها التعليمية واللغوية لمتابعة الأطفال. ويرى أن قدرة الوالدين على المساعدة في الفرنسية والرياضيات تضيف فارقا إلى تفاوت جودة المؤسسات ومواردها.