غادر محافظو بنوك مركزية أوروبية اجتماعاتهم السنوية في مؤتمر جاكسون هول في الولايات المتحدة وسط مخاوف من مزيد من الاضطراب في العلاقات المالية مع الولايات المتحدة، بعد تدخلات أمريكية أثارت تساؤلات بشأن الأعراف الراسخة في التعاون النقدي العالمي.
وقالت مصادر مطلعة لوكالة رويترز إن صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفدرالي ( البنك المركزي) حاولوا خلال الأسبوع تهدئة نظرائهم الأوروبيين، وتعهدوا باحترام جميع الالتزامات، لكن أكثر من 6 مسؤولين قالوا إنه لا يمكن تقديم ضمانات تحول دون أي تغيير مفاجئ في السياسة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وتأتي المخاوف الأوروبية في ظل توتر قائم بين الولايات المتحدة وشركائها، في حين أثارت تدخلات وزارة الخزانة الأمريكية الأخيرة لدعم الين الياباني وخفض تكاليف الاقتراض الطويل الأجل قلقا خاصا لدى المسؤولين الأوروبيين، خشية أن تمثل مقدمة لمزيد من الإجراءات غير المعتادة، والخروج عن الأعراف المالية.
وفي مطلع أغسطس/آب الجاري، تدخلت الخزانة الأمريكية في سوق العملات ضمن صفقة مرتبطة بالعملة اليابانية، وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لاحقا إن الوزارة باعت اليورو مقابل الين، وطمأن البنوك المركزية في المنطقة بأن الخطوة كانت "مجرد إعادة تخصيص للموارد".
وقال بيسنت -يوم الجمعة الماضي- إن أصول النقد الأجنبي المستخدمة لشراء العملة اليابانية جاءت من صندوق استقرار الصرف التابع للوزارة.
لكن المصادر قالت إن ما أثار انزعاج المسؤولين الأوروبيين هو عدم إبلاغهم مسبقا بأن بيع اليورو كان جزءا من الصفقة، وقال أحد المسؤولين "أثار ذلك الغضب. دائما تتصل (وزارة الخزانة) هاتفيا وتخبرهم مسبقا. أرى أن الرسالة التي وصلت هي أن الولايات المتحدة تفعل ما يحلو لها".
وفي المقابل، رأى مسؤولون آخرون أن عدم الإبلاغ ربما كان سهوا غير مقصود، نظرا إلى أن الصفقة كانت غير معتادة.
وقال مسؤول أمريكي إن تدخل واشنطن بالتعاون مع طوكيو جاء لمواجهة تحركات فوضوية في سوق صرف الين ودعم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية، مضيفا "لم يكن الأمر موجها إلى أي طرف آخر. تحافظ وزارة الخزانة على تواصل وثيق ومستمر مع نظرائنا الدوليين، لكننا لا نعلق على التفاصيل الفعلية لتلك المناقشات".
وتشمل المخاوف الأوروبية أيضا خطة بيسنت لزيادة عمليات إعادة شراء السندات الأمريكية الطويلة الأجل، وهي معاملات قد يجري تمويلها بإصدار مزيد من السندات القصيرة الأجل.
ويرى المسؤولون الأوروبيون أن هذه الخطوة، إلى جانب التدخل لدعم الين، قد تعكس استعداد الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات غير تقليدية للحد من تكاليف الاقتراض.
وقال مصدر ثانٍ "عادة ما توفر هذه التدخلات حلا مؤقتا فقط، لكن من الواضح أنهم قلقون، فماذا بعد؟ هل سيضغطون على مجلس الاحتياطي الفدرالي لبدء شراء السندات من السوق؟".
وأكد مسؤول أمريكي أن إعادة شراء السندات الطويلة الأجل تستهدف توفير سيولة أكبر للأصول الطويلة الأجل التي تتلقى وزارة الخزانة عروض إعادة شراء عالية الجودة، وقال "إنها ليست سياسة نقدية أو محاولة لفرض سقف على أسعار الفائدة".
لكن مسؤولا في وزارة الخزانة الأمريكية قال للصحفيين -الخميس الماضي- إن الوزارة "تركز حقا على خفض عوائد السندات الطويلة الأجل"، لأنها تجاوزت ما تعده الوزارة "قيمة عادلة".
ويمتد القلق الأوروبي إلى احتمال أن يصل التدخل السياسي مستقبلا إلى خطوط مبادلة العملات التي يوفرها مجلس الاحتياطي الفدرالي لأكبر البنوك المركزية في العالم، والتي تُعد إحدى ركائز الاستقرار المالي العالمي.
وتتيح خطوط مبادلة العملات للبنوك المركزية الأجنبية الحصول على الدولار عند الحاجة، بما يساعد البنوك التجارية في العالم على الوصول إلى الدولار خلال فترات الضغوط المالية.
ويجدد الاحتياطي الفدرالي هذه الخطوط سنويا، انطلاقا من أن توفير السيولة الدولارية يحمي أيضا المصالح والأسواق الأمريكية، إذ قد تضطر البنوك الأجنبية خلال الأزمات إلى بيع حيازاتها من السندات الأمريكية بكثافة إذا لم تتوفر لها الدولارات.
وقال مصدر ثالث "لكن العقلانية لا تسود دائما مع هذه الإدارة (إدارة ترمب)، فعندما يتبعون سياسات تجارية انتقامية مع أقرب حلفائهم، قد يقول ترمب ببساطة: إنهم يستغلوننا، وقد تختفي خطوط مبادلة العملات بين عشية وضحاها".
ومع ذلك، قالت المصادر إنه لا يوجد حتى الآن أي مؤشر على أن هذه الضمانات معرضة للخطر، وإنها ما زالت تتوقع استمرار خطوط مبادلة العملات دون تغيير.
وتجيز لجنة السوق المفتوحة التابعة للبنك المركزي الأمريكي هذه الخطوط، ومن ثم فاللجنة ليست تابعة للإدارة الأمريكية.
وأكد مسؤول في وزارة الخزانة أن "القرارات المتعلقة بما يقدمه مجلس الاحتياطي الفدرالي وترتيبات خطوط مبادلة العملات من اختصاص المجلس، ولا يوجد ما يشير إلى خلاف ذلك في أي من إعلانات وزارة الخزانة بشأن عمليات الين أو عمليات إعادة شراء الديون".
وتعكس هذه المخاوف حساسية العلاقة بين البنوك المركزية والأسواق العالمية، خصوصا في ظل استقلال الاحتياطي الفدرالي عن الإدارة الأمريكية في وضع السياسة النقدية، في وقت يخشى فيه مسؤولون أوروبيون من أن تؤدي تدخلات استثنائية إلى اضطرابات تتجاوز الأسواق الأمريكية إلى النظام المالي العالمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة