بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم الأربعاء زيارة دولة للصين لعقد قمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ تمتد يومين، ويتم خلالها مناقشة مجموعة من القضايا الاقتصادية والسياسية بين البلدين اللذين يمتلكان أكبر اقتصادين في العالم.
ووفق آخر الأرقام المتاحة من البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 28.75 تريليون دولار في عام 2024، فيما كان حجم الاقتصاد الصيني في العام نفسه 18.74 تريليون دولار.
ويمثل الاقتصادان الأمريكي والصيني معا قرابة 40% من حجم الاقتصاد العالمي، كما يوضح المتخصص في الاقتصاد الدولي نوار السعدي للجزيرة نت، مضيفا أن هذا الحجم الاقتصادي الهائل يوضح تأثير البلدين -على كل سوق وكل مصنع وكل مستهلك في العالم-.
يأتي اللقاء بين ترمب وشي، بعد آخر مباحثات مباشرة بينهما في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في ظل مشهد مختلف للاقتصاد العالمي عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي تسببت في إغلاق مضيق هرمز، ونقص المعروض من النفط والغاز في الأسواق العالمية، وارتفاع كبير في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، الأمر الذي يضيف أهمية خاصة للقاء الزعيمين.
وقبيل القمة اختتم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت وخه لي فنغ نائب رئيس الوزراء الصيني محادثات استمرت ثلاث ساعات في كوريا الجنوبية حول القضايا التجارية والاقتصادية بين البلدين.
ومن مقرر أن ينضم بيسنت لاحقا إلى الوفد المرافق لترمب في بكين لمواصلة بحث القضايا العالقة بين البلدين، خاصة الرسوم الجمركية والتبادل التجاري بينهما.
وفيما يلي أهم القضايا الاقتصادية المطروحة في القمة التي ستجمع ترمب وشي غدا في بكين:
فرض ترمب رسوما جمركية على الواردات الصينية تصل إلى 145% العام الماضي، وردت الصين بفرض قيود على صادراتها من المعادن النادرة للولايات المتحدة، حيث تسيطر بكين على الجانب الأكبر من صادراتها عالميا، فيما يحتاجها قطاع التكنولوجيا الأمريكي بشدة، كما رفعت الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية إلى 125%.
ومن المنتظر أن يتفق ترمب وشي على تمديد الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية عند مستواها الحالي، عند 30%، بينما تفرض الصين 10% على الواردات الأمريكية، وهو ما تم الاتفاق عليه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي في آخر لقاء بين الزعيمين.
ومن بين القضايا المرتبطة بالرسوم تجارة مخدر الفنتانيل، حيث تتهم واشنطن الصين بتسهيل وصول هذا المخدر لعصابات تهريب المخدرات في المكسيك، والتي تقوم بدورها بنقله للولايات المتحدة.
وفرض ترمب العام الماضي تعريفة جمركية بنسبة 10% على البضائع الصينية تحديداً للضغط على بكين للقضاء على إنتاج هذا المخدر، وتم رفع التعريفة الجمركية إلى 20%، وخُفضت لاحقاً، قبل أن تلغيها المحكمة الأمريكية العليا. وتسعى إدارة ترمب إلى استبدال رسوم جديدة بها.
يسعى ترمب إلى زيادة الصادرات الأمريكية للصين، ومن بينها طائرات بوينغ وسلع أمريكية زراعية وغاز طبيعي مسال. وفي المقابل تطالب بكين بتخفيف القيود الأمريكية على الصادرات من أشباه الموصلات المتقدمة والحد من العوائق أمام الاستثمارات الصينية في السوق الأمريكي.
ودعا ترمب رؤساء شركات أمريكية كبرى لمرافقته في زيارته للصين، من بينهم إيلون ماسك رئيس شركة تسلا للسيارات الكهربائية وتيم كوك رئيس شركة أبل ، وجنسن هوانغ رئيس شركة إنفيديا .
من المرجح أن تسفر القمة عن صفقات تجارية والتزامات شراء من قبل الصين، بما في ذلك شراء طائرات بوينغ، وفق رويترز. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي للصحفيين قبل القمة، حسب ما نقلته رويترز، إن الاتفاقيات المتعلقة بالزراعة والفضاء والطاقة مطروحة للنقاش أيضاً.
يذكر أن الميزان التجاري الأمريكي حقق عجزاً مع الصين بلغ 202 مليار دولار في عام 2025، وفق بيانات الممثل التجاري الأمريكي، الأمر الذي دفع ترمب لاستخدام التعريفات الجمركية للحد من الواردات الأمريكية من الصين.
ونقلت بلومبيرغ عن سكوت كينيدي، كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن الولايات المتحدة تتجه إلى القمة مركزة على خمسة محاور رئيسية: طائرات بوينغ والفاصوليا ولحم البقر ومجلس التجارة ومجلس الاستثمار. ويهدف المجلسان لتنظيم التجارة والاستثمار بين الصين والولايات المتحدة.
يشار إلى أن الصين هي أكبر مستورد لفول الصويا في العالم، لكنها توقفت عن شرائه من السوق الأمريكية نتيجة المواجهة التجارية مع واشنطن بسبب الرسوم الجمركية، ثم عادت للشراء من المنتجين الأمريكيين بعد الاتفاق على تخفيض الرسوم الجمركية بين الجانبين في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويؤكد السعدي أهمية "ما لا يقال على الملأ في هذه القمة"، موضحاً أن "الاتفاقيات الضمنية والتفاهمات غير المعلنة حول التبادل التجاري والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، وأسواق الطاقة، وسياسات الصرف هي التي ستحدد فعلياً شكل الاقتصاد العالمي وموازين القوى للعقد القادم".
ويشير السعدي إلى أن "العالم اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما تسوية براغماتية تنقذ النظام التجاري العالمي من الانهيار وتعيد الاستقرار لأسواق الطاقة والسلع، وإما تصعيد متبادل سيدفع ثمنه المواطن العادي في كل العالم"، مشدداً على أن "العالم بعد هذه الزيارة لن يكون كما كان قبلها".
دخلت الولايات المتحدة والصين في سباق محموم لتحقيق السبق في قطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفته صحيفة الغارديان بأنه "حرب باردة تكنولوجية".
واتهم البيت الأبيض الصين بسرقة الملكية الفكرية لمختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية في أبريل/نيسان الماضي، وفق ما ذكرته الغارديان، وهو ما نفته بكين حينها.
ومن جانبها تطالب بكين إدارة ترمب بالسماح لشركة إنفيديا بتصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الشركات الصينية.
كما تحركت السلطات الصينية لمنع شركة ميتا الأمريكية، التي تمتلك منصتي فيسبوك وإنستغرام، من الاستحواذ على شركة "مانوس"، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي أسسها صينيون ومقرها الآن في سنغافورة.
ويأمل محللون ومهتمون بجانب الأخلاقيات في استخدام التكنولوجيا، وفق ما ذكرته الغارديان، أن يناقش ترمب وشي مبادئ تمنع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة مع ظهور أسلحة تعتمد على تطبيقاته التي تتطور بسرعة فائقة.
وأشارت وكالة الأنباء الفرنسية إلى أن المخاوف من أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تصميم أسلحة بيولوجية أو اختراق البنى التحتية تمثل قلقاً مشتركاً لكل من ترمب وشي، هذا على الرغم من التنافس الحاد بين بلديهما على هذه التكنولوجيا، على ما يرى محللون.
وأضافت أن هناك مقترحات من خبراء حول خطوات احتواء المخاطر، مثل إنشاء خط ساخن لخفض التصعيد عند وقوع أزمة تتعلق بالذكاء الاصطناعي.
تعد الصين أكبر المشترين للنفط الإيراني، وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات على مجموعة من الشركات الصينية لقيامها بشراء النفط من طهران.
وأشارت وكالة بلومبيرغ إلى أن ترمب حاول قبل زيارته للصين التخفيف من أثر حرب إيران على العلاقات بين واشنطن وبكين، وأكد أنه تربطه "علاقة ممتازة" مع الرئيس الصيني.
غير أن مسؤولين أمريكيين قالوا، وفق بلومبيرغ، إن الإيرادات التي تحصل عليها طهران من مبيعاتها من النفط للشركات الصينية، واحتمال حصول طهران على صادرات من الأسلحة الصينية، سوف يتم مناقشتها خلال القمة.
وأضافت بلومبيرغ أن وزارة الخارجية الصينية عبرت مراراً عن معارضتها لما وصفته "بالعقوبات غير القانونية والأحادية الجانب" التي تستهدف الشركات الصينية، وطالبت واشنطن تجنب انهيار وقف إطلاق النار مع طهران بدلاً من "توجيه الاتهامات للصين".
ويتوقع السعدي في مقابلته مع الجزيرة نت أن تفضي هذه القمة إلى "هدنة تجارية براغماتية لا إلى تسوية شاملة"، وذلك لسبب جوهري، في رأيه، وهو أن "كل من الطرفين يحتاج الآخر أكثر مما يعلن على الملأ".
ويضيف السعدي: "واشنطن تحتاج بكين لاحتواء أزمة الطاقة والضغط على إيران لفتح مضيق هرمز وتخفيف وطأة التضخم على المواطن الأمريكي. فيما تحتاج بكين من واشنطن إجراءات تساعد على زيادة صادراتها الصناعية، وكسر العزلة التكنولوجية التي تعيق نموها".
في ديسمبر/كانون الأول الماضي وافق ترمب على صفقة أسلحة ضخمة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ علاقتها بالولايات المتحدة، لكن الأسلحة لم تشحن بعد إلى تايوان، وفق ما ذكرته صحيفة الغارديان البريطانية.
وتعارض الصين تزويد تايوان بالأسلحة، وذلك في إطار سياسة "صين واحدة" التي تتبعها بكين، حيث ترى أن تايوان جزء من أراضي الصين وترفض استقلالها.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال الأسبوع الماضي "لسنا بحاجة إلى أي أحداث مزعزعة للاستقرار فيما يتعلق بتايوان أو أي مكان في المحيطين الهندي والهادئ"، موضحاً أن هذا "يحقق مصلحة الولايات المتحدة والصين".
ورغم أن هذا الملف هو سياسي أمني بامتياز، ولكنه ينطوي على آثار اقتصادية كبيرة، ومنها أن هذه الصفقة الضخمة ليست مجرد بيع وشراء أسلحة عسكرية، بل تعني ضخ مليارات الدولارات في الآلة الإنتاجية لكبريات شركات الدفاع الأمريكية، والتي يرافق بعض كبار مسؤوليها ترمب في زيارته الحالية للصين، وسيشاركون في المفاوضات بين المسؤولين الصينيين والأمريكيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة