أعلنت الحكومة الأسترالية حزمة إجراءات عاجلة لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الوقود، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، مما انعكس مباشرة على كلفة المعيشة والأنشطة الاقتصادية في البلاد.
ولم تعد تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط محصورة في نطاقها الجغرافي، بل امتدت آثارها إلى مناطق بعيدة، لتطال الاقتصاد الأسترالي بشكل مباشر، إذ يواجه المواطنون موجة ارتفاع ملحوظة في أسعار الوقود، انعكست على كلفة المعيشة ومجمل الأنشطة الاقتصادية، وسط مخاوف متصاعدة من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وفي خطاب موجه إلي المواطنين أقر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي بأن بلاده، رغم عدم انخراطها في النزاع، ليست بمنأى عن تبعاته الاقتصادية، مشيرا إلى أن الحكومة بادرت إلى إطلاق حزمة إجراءات عاجلة لاحتواء تداعيات الأزمة والتخفيف من وطأتها على المواطن وقطاعات الإنتاج.
وشملت هذه الإجراءات خفض ضريبة الوقود إلي النصف، إلى جانب إلغاء رسوم الطرق المفروضة على المركبات الثقيلة، في خطوة تهدف إلى تقليص تكاليف النقل والحد من انتقال آثار ارتفاع أسعار الوقود إلى السلع والخدمات.
كما أعلنت الحكومة اعتماد خطة الأمن الوطني للوقود، في مسعى لتعزيز جاهزية البلاد لمواجهة أي تفاقم محتمل في الأزمة، بالتوازي مع جهود لزيادة الإمدادات عبر دعم الإنتاج المحلي وتوسيع الاستيراد من خلال شراكات إقليمية.
ودعت السلطات المواطنين إلى ترشيد استهلاك الوقود وتجنب التخزين غير المبرر، مع تشجيع استخدام وسائل النقل العام، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تتطلب قدرا عاليا من المسؤولية والتضامن المجتمعي.
ويرى خبراء أن هذه التدابير قد لا تكون كافية لمعالجة التداعيات الممتدة للأزمة. وفي هذا السياق، يقول أستاذ الاقتصاد والمختص في السياسات المالية والاقتصاد الكلي الدكتور خالد عثمان، في حديث للجزيرة نت إن خفض ضريبة الوقود يمثل دعما مباشرا ومهما للمواطن، لكنه لا يكفي في ظل التأثير العميق لارتفاع أسعار الطاقة على سلاسل الإمداد، التي تشكل عصب الاقتصاد.
وأضاف أن استمرار الضغوط على أسعار الطاقة قد يدفع بمعدلات التضخم إلى الارتفاع، وهو ما قد يستدعي زيادات في أسعار الفائدة، الأمر الذي سينعكس سلبا على أصحاب القروض العقارية والالتزامات المصرفية، متوقعا أن تمتد تداعيات الأزمة أشهرا ما لم تتوقف الحرب في الشرق الأوسط.
وعلى مستوى الحكومات المحلية، شكلت ولايتا فكتوريا وتازمانيا نموذجا لتدخل مباشر، إذ أعلنت السلطات إتاحة المواصلات العامة مجانا في شهر أبريل لتشمل القطارات والترام والحافلات، في محاولة لتخفيف الأعباء المعيشية وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وقد أسهمت هذه الخطوة في زيادة ملحوظة في أعداد مستخدمي النقل العام، لا سيما في فترات الذروة، مما يعكس استجابة سريعة من المواطنين لهذه المبادرة.
ومن محطة قطارات ملبورن سنترال وسط المدينة تحدث للجزيرة نت أنتوني باليس أحد الركاب متسائلا عن جدوى إجراءات الحكومة الرامية إلى تخفيف أعباء ارتفاع أسعار الوقود في ظل تداعيات الحرب، مشيرا إلى أن هذه الحلول تبدو مؤقتة ومرتبطة بظروف آنية.
ويطرح المتحدث نفسه تساؤلا جوهريا حول ما إذا كانت الحكومة ستواصل تقديم دعم مثل المواصلات المجانية في حال استمرت الحرب فترة أطول، مؤكدا غياب رؤية واضحة للمستقبل، مما يثير القلق بشأن استدامة هذه الإجراءات.
وفي هذا الإطار قال للجزيرة نت أندرو وولش -وهو أحد الركاب- إن مجانية المواصلات مدة شهر توفر دعما مؤقتا للمواطنين في ظل ضغوط المعيشة، إلا أنه يظل حلا مرحليا لا يعالج جذور المشكلة.
ويؤكد أندرو أن البنية التحتية الحالية من حيث عدد القطارات والحافلات لا تواكب الطلب المتزايد، مما يثير تساؤلات حول جدوى استمرار هذه السياسات على المدى البعيد دون استثمارات حقيقية في تطوير شبكة النقل.
غير أن هذه المبادرة رغم أهميتها لا تغطي جميع الفئات، وفقا لخبراء، إذ لا يزال العديد من الأفراد يعتمدون على سياراتهم الخاصة بحكم طبيعة أعمالهم أو إقامتهم في مناطق لا تصلها خدمات النقل العام بشكل كاف، مما يحد من الأثر الشامل لهذه الإجراءات.
وفي ختام تقييمه يرى الدكتور خالد أنه يجب أن تراعي هيئة الضرائب الأسترالية هذه الظروف الاستثنائية عند احتساب الالتزامات المالية الضريبية مع نهاية السنة المالية في يونيو، مما يسهم في تخفيف الضغوط المالية المتزايدة على المواطن.
ويرى مراقبون أن هذه التدابير تعكس تحركا حكوميا متعدد المستويات يهدف إلى احتواء الصدمة الاقتصادية، عبر تحقيق توازن بين الاستجابة الفورية والتخطيط بعيد المدى، في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في السنوات الأخيرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة