أنقرة – شهدت أسواق الذهب في تركيا خلال الأيام القليلة الماضية حركة غير اعتيادية مع اندفاع أعداد كبيرة من المواطنين نحو شراء المعدن النفيس عقب تراجعه المفاجئ.
وتحولت واجهات محلات الصاغة في إسطنبول ومدن أخرى إلى نقاط ازدحام لافتة، حيث اصطف المشترون لاقتناص ما يعتبرونه فرصة سعرية مؤقتة، في وقت تحدث فيه تجار عن نفاد سريع للقطع الذهبية الصغيرة بفعل الطلب المرتفع عليها. ويعكس هذا المشهد سلوكا استثماريا راسخا في المجتمع التركي، يقوم على التعامل مع انخفاض الأسعار بوصفه لحظة شراء مثالية لا سببا للتردد.
ويأتي هذا الإقبال في سياق أوسع يكرس المكانة الاستثنائية للذهب في الاقتصاد التركي، سواء كأداة ادخار أو كملاذ آمن.
فقد دفعت الأسعار القياسية للمعدن الأصفر خلال العام الماضي قيمة حيازات الأتراك إلى مستويات غير مسبوقة، لتتجاوز 750 مليار دولار بعدما سجلت زيادة تقارب 300 مليار دولار العام الماضي، وهو ما يعادل نحو نصف حجم الاقتصاد التركي البالغ قيمته 1.57 تريليون دولار.
رصدت "الجزيرة نت" الأوضاع في مجمع أسواق أولوص للذهب في العاصمة التركية أنقرة، حيث بدت الحركة نشطة بشكل لافت مع تزايد إقبال المواطنين على شراء الذهب عقب تراجعه، في حين اصطدم هذا الطلب المرتفع بندرة واضحة في المعروض.
وبدت محال الصاغة مكتظة بالزبائن الذين يتنقلون بين متجر وآخر بحثا عن غرامات الذهب، إلا أن الغالبية العظمى من التجار كانوا يعتذرون عن عدم توفره، في مشهد يعكس فجوة مؤقتة بين العرض والطلب.
وفي محاولة لفهم أسباب هذا النقص، يقول عمر كارشيجون، صاحب متجر كارديلان للمجوهرات في تصريح للجزيرة نت إن موجة الطلب القوية خلال الأيام القليلة الماضية فرضت ضغطا كبيرا على السوق، لافتا إلى أن الكميات المتوفرة من الذهب، خاصة الغرامات الصغيرة، نفدت سريعا.
وأضاف كارشيجون أن سوق الذهب لا يشهد احتكارا أو تخزينا متعمدا كما يعتقد بعض المواطنين، بل إن التجار يعتمدون على توريد يومي من المصانع وفق الأسعار المحدثة، ويبيعون مباشرة بسعر السوق، ما يعني أنهم لا يحققون مكاسب إضافية من تأخير البيع أو حجب الكميات.
وأشار التاجر إلى أن هذا الظرف المؤقت يفسر حالة الانزعاج التي يبديها بعض الزبائن، لكنه شدد على أن السوق يعمل وفق آليات العرض والطلب الطبيعية.
وفي جولة ميدانية داخل السوق، تحدثت "الجزيرة نت" مع عدد من الأتراك، من بينهم مختار أويسان (62 عاما)، والذي قال إنه دخل عدة متاجر خلال اليوم دون أن يجد الكميات التي يرغب بشرائها.
وأوضح أويسان أن بعض التجار حاولوا توجيهه نحو شراء الذهب المشغول (الحلي)، إلا أنه يفضل الذهب الخام على شكل غرامات أو أونصات، باعتباره أكثر ملاءمة للادخار وأقل خسارة عند إعادة البيع.
وأضاف الرجل الستيني أن ارتفاع المصنعية (أجور الصياغة) في الذهب المشغول يجعله خيارا غير مفضل بالنسبة له خاصة في ظل تقلبات الأسعار، مشيرا إلى أن الكثير من المشترين باتوا يركزون على الذهب الصافي، باعتباره استثمارا مباشرا وأكثر أمانا.
ورغم أن تقديرات البنك المركزي التركي تشير إلى أن نحو 600 مليار دولار من حيازات الأتراك للذهب ما تزال خارج النظام المصرفي، فإن أنماط الشراء تشهد تحولات لافتة مع صعود قوي لقنوات البيع الرقمية. فقد سجلت مبيعات الذهب عبر الإنترنت في فبراير/شباط الماضي مستوى قياسيا بلغ نحو 4.9 مليارات ليرة (110 مليون دولار)، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الشهر الجاري.
وتعكس البيانات تسارع هذا الاتجاه، إذ ارتفع حجم المبيعات الإلكترونية من متوسط شهري عند حدود 2.9 مليار ليرة (65.2 مليون دولار) خلال عام 2025، إلى نحو 4.7 مليارات ليرة (105 مليون دولار) في يناير/كانون الثاني قبل أن يبلغ ذروته في فبراير/شباط، بالتوازي مع زيادة عدد العمليات إلى 146 ألف عملية شراء، مقارنة بمتوسط 116 ألف عملية شهريا في العام الماضي.
وفي هذا السياق، تقول عائشة تالاش، وهي مدرسة رياضيات للجزيرة نت، إنها اتجهت مؤخرا إلى شراء الذهب عبر التطبيقات البنكية الرسمية، معتبرة أن هذه الطريقة أصبحت أكثر سهولة وأمانًا مقارنة بالتوجه إلى الأسواق التقليدية.
وتوضح تالاش أن إمكانية شراء الذهب بشكل فوري والاحتفاظ به إلكترونيا ضمن حساباتها المصرفية، يمنحها مرونة كبيرة في المتابعة والبيع في الوقت المناسب.
وتضيف أن فارق السعر البسيط أحيانا بين السوق والتطبيقات البنكية لا يشكل عاملا حاسما بالنسبة لها، خاصة في ظل الازدحام الذي تشهده محال الصاغة واحتمالات عدم توفر الذهب، فضلا عن تباين الأسعار بين تاجر وآخر.
وتشير إلى أن تجربة البحث عن الذهب في الأسواق مؤخرا كانت مرهقة وغير مضمونة، ما دفعها للاعتماد بشكل أكبر على القنوات الرقمية التي تتيح لها مقارنة الأسعار، واتخاذ قرار الشراء بسرعة دون عناء التنقل.
يرى المحلل الاقتصادي التركي عمر أكوتش أن الإقبال المتزايد على الذهب في تركيا يحد من فعالية السياسة النقدية من أكثر من زاوية، موضحا أن المعدن الأصفر بات يشكل قناة موازية لحفظ القيمة والإنفاق خارج نطاق الأدوات التي يحاول البنك المركزي التأثير من خلالها.
ويضيف أكوتش في تصريح للجزيرة نت أن رفع أسعار الفائدة أو خفضها يفترض نظريا أن يقلص الطلب، غير أن ارتفاع قيمة ما يملكه الأفراد من ذهب يمنح شريحة واسعة شعورا بزيادة الثروة، ما يدفعهم إلى الاستهلاك، أو تسييل جزء من مدخراتهم لشراء العقارات والسيارات، وهو ما يبقي الطلب الداخلي قويا رغم التشديد النقدي للبنك المركزي.
ويشير الاقتصادي التركي إلى أن المشكلة لا تقتصر على ذلك، بل تمتد إلى منافسة الذهب للعملة التركية والودائع المصرفية كأداة ادخار. فمع تزايد توجه المواطنين نحو الذهب تتراجع قدرة أسعار الفائدة على استعادة المدخرات إلى النظام المصرفي، ما يعني أن البنك المركزي لا يواجه فقط ظاهرة الدولرة، بل أيضا ما يمكن وصفه بالتحوط بالذهب، وهو سلوك يضعف انتقال أثر السياسة النقدية (تغيير معدلات الفائدة) إلى قرارات الادخار والتسعير وتوقعات التضخم.
ويضيف أن التحول نحو الشراء الرقمي للذهب زاد من تعقيد المشهد، إذ أصبح الوصول إلى المعدن النفيس أكثر سهولة وسرعة، ما يتيح الانتقال من الليرة إلى الذهب بشكل شبه فوري عند أي اضطراب في الأسواق.
ورغم أن هذه القنوات – يضيف عمر أكوتش – توفر قدرا أعلى من الشفافية مقارنة بالاكتناز التقليدي للذهب، فإنها في الوقت نفسه تسرع وتيرة الطلب وتزيد حساسية السوق تجاه تقلبات الأسعار، ما يجعل إدارة السيولة أكثر صعوبة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة