آخر الأخبار

مسجد تسينغوني في مايوت.. عراقة معمارية توثق أقدم حضور إسلامي في الأراضي الفرنسية

شارك

بعيدا عن البر الأوروبي بآلاف الكيلومترات، وتحديدا على الساحل الغربي لجزيرة مايوت في المحيط الهندي، يشمخ "مسجد تسينغوني" كأقدم مسجد في فرنسا لا يزال قائما ويُستخدم للصلاة حتى اليوم.

ولا تقتصر أهمية هذا المعلم على وظيفته الروحية، بل تحولت جدرانه وطبقاته المعمارية إلى وثيقة حجرية تكشف عن تاريخ طويل وعميق من الاستيطان والتبادل الثقافي في أرخبيل جزر القمر.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 معارض بلا أبواب.. جداريات تروي تاريخ الأردن وهويته
* list 2 of 2 حياة الجنود خلف الأسوار.. أسرار من عوالم الطبخ والعبادة والزينة داخل حصن “الأبقعين” end of list

في مسعى لتوثيق هذا الإرث، نفذ المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الأثرية الوقائية (Inrap) عام 2023 حفريات دقيقة داخل المسجد، وذلك ضمن مشروع شامل لترميمه إثر تصنيفه رسميا كـ"معلم تاريخي" عام 2015.

وتأتي نتائج هذه الحفريات لتتوج وتدعم تشخيصا أثريا سابقا، أزاح الستار عن التسلسل الزمني الدقيق للموقع؛ حيث أثبتت الأدلة أن جذور الاستيطان فيه تعود إلى القرن الثاني عشر.

إسلام ما قبل السلاطين

طالما روجت الروايات المتوارثة أن السلاطين هم من جلبوا الإسلام والحضارة إلى مايوت في القرن السادس عشر، عندما جعلوا من مدينة "تسينغوني" عاصمة لحكمهم. لكن معاول علماء الآثار روت قصة مختلفة تماما؛ إذ أثبتت أن المسجد، والإسلام معه، كان حاضرا قبل ظهور حكم السلاطين بقرون.

يوضح المؤرخ مارسيال بولي، الباحث في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (Inalco)، أن الإسلام تسلل إلى مايوت تدريجيا خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر عبر الشرايين التجارية البحرية، مرجحا أن بحارة من عُمان، وربما من بلاد فارس، هم من حملوا معهم الدين الجديد، في وقت كانت فيه المعتقدات "الأرواحية" التقليدية تسيطر على المنطقة.

عمارة المرجان.. ذاكرة المحيط

ومع مرور الزمن، تطورت البنية المعمارية للمكان لتواكب هذا التحول الديني والاجتماعي. فبعد الاستيطان المبكر في القرن الثاني عشر، شهد الموقع تشييد مسجد حجري تعود بقاياه المكتشفة إلى القرن الرابع عشر، واستخدمت في بنائه مواد مثل الحجر الرملي الساحلي، والبازلت، و"المرجان" الذي يعتبره علماء الآثار "مؤشرا زمنيا إقليميا"، لتشابه استخدامه مع مساجد الساحل الشرقي لأفريقيا في الحقبة ذاتها.

إعلان

وفي القرن السادس عشر، بالتزامن مع التحولات السياسية والاقتصادية والازدهار الذي جلبته السلطنة، بلغ المعلم ذروة توسعاته المعمارية الكبرى وتضاعفت مساحته، وشُيّد فيه "محراب" تاريخي عام 1538م يحمل نقشا باسم حاكم تلك الحقبة، السلطان علي محمد.

مصحف ومسمار.. تعايش العقائد

استشف الباحثون من تحليل الآثار أن سكان الجزيرة اتبعوا المذهب "الشافعي". وظل المسجد ومدينة تسينغوني مركزين رئيسيين حتى القرن الثامن عشر، قبل أن تتراجع مكانتهما إثر التوترات الإقليمية مع جزيرة أنجوان المجاورة، ثم انتقال مايوت إلى السيادة الفرنسية إثر بيعها عام 1841.

لكن الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة من الناحية الأنثروبولوجية، هو ما كشفته جوستين سعدي، المسؤولة العلمية عن المشروع، حول طبيعة "التعايش الثقافي" بين الإسلام والمعتقدات المحلية؛ إذ عثر الباحثون داخل أحد جدران المسجد على "صفحة من القرآن الكريم" دُفنت جنبا إلى جنب مع "مسمار خشبي" من هيكل البناء، في ممارسة يُرجح أنها تمت أثناء إحدى عمليات الترميم القديمة.

هذا الدمج الفريد بين عادة ترجع لمعتقد سحري أو شعبي محلي للحماية، وبين الاعتقاد الإسلامي المتمثل في النص القرآني، يُلخص عبقرية المكان.

وتؤكد سعدي أن هذا المزيج المتناغم بين الأصول الأسترونيزية، والبانتوية, والسواحلية، هو بالضبط ما يشكل الهوية العميقة لسكان مايوت، ويجعل من مسجدهم العتيق خزانة حية لثراء المحيط الهندي وتنوعه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار