آخر الأخبار

“الكتابة لا تشفي الجرح لكنها تمنحه اسمه”.. علي محمود عن السجن ودمشق التي ترفض غياب الجغرافيا

شارك

حين تصبح الذاكرة أثقل من أن تُحمل، قد لا يبقى أمام الكاتب سوى أن يحوّلها إلى كتابة، لا ليشفى منها، بل ليعيد النظر في جراحها، ويمنحها أسماءها الحقيقية.

هكذا تبدو الكتابة في تجربة الروائي السوري علي محمود، محاولة لإعادة ترتيب ما تتركه الحياة في الروح، وتحويل التجربة إلى أسئلة عن الذات والخوف والإنسان في عالم تتعدد فيه أشكال القهر والاغتراب.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "ورق الكافور" لعبد الله العرفج.. بين رهان الذات والهجرة والانفتاح على الآخر
* list 2 of 2 “بأفكارنا نبني”.. قصص صناع التغيير العرب في ملتقى “بالعربي” بالدوحة end of list

ولعل هذا الالتباس بين الحياة والكتابة هو ما يمنح تجربة علي محمود خصوصيتها، فهو لا يرى الرواية بيانا أو موقفا جاهزا بقدر ما يراها مساحة لإعادة ترتيب العوالم الداخلية ومساءلة ما يبدو مستقراً في الوعي. في كتابته، لا تقف الديكتاتورية عند حدود سلطتها الظاهرة، بل تتسلل إلى الداخل حتى يتحول الخوف إلى رقيب يسكن الإنسان.

وفي هذا المعنى تبدو مقولة حنا مينه، الذي ترك أثرا خاصا في تجربته، قريبة من جوهرها: "الأدب صورة الأديب، والإبداع انعكاس أصيل وصادق عن أعمال الأديب وهواجسه".

منذ "سماء زرقاء واحدة لا تكفي"، وصولا إلى "الظل المكسور للياسمينة العرجاء"، ثم "هوة في باب عتيق"، و"عرف الديك"، و"بيت بنافذة حولاء"، وصولا إلى روايته الأحدث "ختان الزهور"، راكم محمود المقيم في باريس متفرغا للكتابة مشروعا روائيا تتعدد فيه الأصوات وتتسع عوالمه من الحرب والسلطة إلى قضايا المرأة والحرية، ليجعل من الكتابة فعل مقاومة لا يَعِد بالشفاء، بقدر ما يمنع الجرح من التحول إلى نسيان.

مصدر الصورة أغلفة روايتي «سماء زرقاء واحدة لا تكفي» و«هوة في باب عتيق».. محطات أسست للمشروع الروائي لعلي محمود (الجزيرة)

الرواية كفعل مقاومة وانقلاب


* قبل أن تصبح روائيا، عشت تجارب إنسانية ومهنية وسياسية متعددة. متى شعرت أن الحياة لم تعد تكفي، وأن عليك تحويلها إلى كتابة لفهم العالم ومقاومته؟

الحياة دائما أكثر اتساعا وتفعيلا للدهشة، لكنني شعرت رويدا رويدا بأن الزمن سيخطف لهفتي المتقدة للأمدية الوارفة، فقررت أن أحوّل ما أراه إلى تدوين يرصف تداعيات روحي ومفاعيل ذكرياتي على الورق. الكتابة برأيي حالة تحول وعبور؛ عندما يبدأ جسدي بالتملص من ضجيج روحي، أو أرواح تسكنني، أهرب قدما إلى التدوين لأحاول تدوير التجربة وإلباسها حلة أخرى.

في البداية لم أفكر في السرد كرد فعل على البشاعة، بقدر ما كان تحديدا لما أريده أنا من هذا العالم المتوحش الذي يريد فرض أوهامه وترهاته عليّ. فرأيت ببساطة أن الوصول إلى الذات هو فعل مقاوم وجليل في هذا الزمن الذي يستخدمك ويستبيحك بأساليبه العصرية.

في الروي أعيد ترتيب عوالمي الداخلية المشكوك في واقعيتها، وأعيد رسم الأشياء بصورة قد تجعل المتلقي شريكا في الصراع. الرواية صراع كامل بين كل عناصر الحياة، عدوها الطمأنينة الخانعة وصديقها النبل. ليست بيانا انقلابيا، لكنها انقلاب كامل لفهم آلية هذه الضوضاء المريبة التي تدير العالم.

مصدر الصورة علي محمود في المنفى الباريسي برفقة قامات أدبية.. حراك ثقافي لم يقطع صلة الروح بذاكرة دمشق. (الجزيرة)

تأنيث السرد وتفكيك الهشاشة


* في روايتك الأحدث "ختان الزهور"، تتولى "زهور" السرد وتتصدى للسلطة الذكورية عبر تداعي الذاكرة والتشظي. ما الذي أردت قوله عبر هذا الصوت؟
إعلان

ربما هناك امرأة بشخصها تحكم تجربة زهور، وقد تكون عدة نساء تلبسنني حتى غدا تأنيثي جاهزا للانفجار. أخذت صوت زهور وغيرها وتأنثت (ليس بالمعنى البيولوجي حتما) بغية التسلل إلى ميدان الصراع الحقيقي الذي تعيشه المرأة في زمن سلب كيانها وأراد لها ما لم ترده.

رغبت كمؤنث في رواية عابرة أن أكون صوتا لمن يؤكل لحم أصواتهن، وأن أحترف الرفض من قاع القيد، وأفرق بين الرغبة والحاجة. زهور ليست امرأة واحدة، إنها الإدانة الكاملة لهذا التحول نحو الهشاشة والضآلة.

أما التشظي، فلم يكن من باب الزخرفة المهنية بقدر ما كان احتياجا تقنيا. في يومياتنا التي تمضي تحت نير التسلط، كيف ستنتج الذكريات؟ هل ستأتي على شكل خوارزمية مفهرسة ومبوبة، أم على شكل انفجارات عشوائية؟ الذاكرة عضلة غير إرادية ولئيمة للغاية ومنحازة للقتامة والنواح. الفرح عندها جزيء ضئيل، لذلك تركت زهور تنبش كل شيء في داخلها.

أنا لست وكيلا عن زهور أو يوسفية، ولست روحها المرتبكة. أنا من استعرت ذكرياتها التي استعرضتها هي أمامي بأسلوبها العابث المتهكم، انقضاضية حينا ومكلومة أحيانا كثيرة. ذاكرة المجروح لا تخرج أنيقة كدوقة في بلاط ملكي؛ بل هي أقرب إلى سباب ونشيج فلاحة جرف السيل زرعها.

مصدر الصورة غلاف رواية «ختان الزهور» لـ علي محمود.. صوت المرأة في مواجهة سلطة الأعراف وقيد الاستبداد الاجتماعي. (الجزيرة)

الكتابة.. ثأر وتوازن رعب


* تنتهي "زهور" إلى الكتابة بوصفها انتقاما. هل تمتلك الكتابة قدرة على الشفاء، أم أنها تبقي الجرح مفتوحا كي لا ننسى؟

ما من كتابة تشفي جرحا. هي أشبه بحالة إعادة تقطيبه من جديد. المطلوب من الكاتب الابتعاد عن الجراحة التجميلية، بل التوغل في فيزياء الألم والتشوه ليعطي كل جرح اسمه الحقيقي. الكتابة قد تكون مقياسا ميكانيكيا وروحيا لعدد الصفعات التي نتلقاها، لكنها تعيد تشكيلها باسم جديد وصورة جديدة حتى لا تبتلعنا. أما أن تكون حالة ثأرية فهذا يقترب من الحقيقة.

إنها ثأر من الوهم والدجل والظلم، والأهم أنها قاضٍ عادل أمام ادعاء من طرف واحد. الكتابة فعل تصدٍ للقوة المفرطة، ومحاولة اختراع توازن إستراتيجي للرعب الذي يغلفنا جميعا.

تاريخ البسطاء وتشريح المستبد


* في "بيت بنافذة حولاء" تعود إلى ذاكرة القمع السورية، وتستحضر المستبد عبر شخصية "رأفت سبع الليل". كيف توازن بين التاريخ والخيال لتوثيق الديكتاتورية؟

أنا لست مؤرخا، أنا مدوّن لتاريخ البسطاء الذين أفتخر بانتمائي إليهم. التاريخ مصاب دائما بلوثة القوي، ومن جهتي قررت أن أوثق ما لا يوثقه المؤرخ: البكاء، والدمع الذي ينتصب كشاهدة على كراسي الوجنات، وكيف تستقبل العين هبوط السوط على الخاصرة.

الطغيان لا تحده السجون، إنما يدخل إلى مشيمة الأجنة وينمو معهم ليبتلعهم، وخاصة في شرقنا النرجسي حيث تجد الطاغية يجالسك في طعامك ونزهتك وحتى أحلامك.

لهذا ستقدر الرواية أن تقدم التاريخ بطريقة أخرى، وكما قال حنا مينه: "الرواية ديوان العرب الجديد". أما أن تكتب عن شخصية تاريخية محددة كرأفت سبع الليل فهذا مفيد في حالتين: نسف المتداول عنها بإخراجها إلى العلن فلا تبقى حبيسة الثرثرة، وكشف الحقيقي منها ووضعه على طاولة التشريح. في الحالتين ستفقد الشخصية الكثير من وجودها كوثيقة، وتتحول روائيا إلى كتلة بشرية تتنقل وتتكلم تحت ضوء باهر فيراها الجميع.

مصدر الصورة غلاف رواية «بيت بنافذة حولاء».. توثيق لتسلل الاستبداد إلى يوميات السوريين وأحلامهم (الجزيرة)

استبطان الخوف وتجربة السجن


* يتكرر حضور الخوف في أعمالك كقوة تتسلل إلى الداخل حتى يتحول الخوف إلى رقيب على النفس. كيف عشت ذلك، خاصة مع تجربتك في السجن؟
إعلان

أكثر ما يدهشني في الديكتاتوريات قدرتها على إقناعنا بضرورة وجودها وبحاجتنا الماسة إليها. هناك متلازمة القدرة والخوف، التي تجعل الخوف مسكنا متنقلا لنا لا يغادرنا حتى نظنه من يوميات حياتنا. وقد نجح الاستبداد في هذا، فجعلنا مخبرين على أنفسنا قبل عسسه، وقامعا لرؤيتنا وحلمنا قبل سجنهما.

وهناك أيضاً المعايير الجمالية التي تثبتها الديكتاتورية في عقلنا اللاواعي؛ فبيوتها أجمل وأولادها أوسم، بل أكثر ذكاء. ما حاولت فعله هو تفنيد هذه النقاط، وركل الخوف وإظهار قبح الديكتاتورية المستتر خلف شعارات جوفاء.

أما تجربة الاعتقال، فلم أحظ باعتقال طويل، لحسن حظي ربما، لكن السلطة بدأت بأسلوب أكثر حداثة هو التوقيف المتكرر، الذي كان أسوأ من حيث بلبلة الجو العائلي والأذى النفسي الهائل، خاصة أنك معتقل في منزلك وحيك ولا تستطيع المغادرة.

كان الأمن يلجأ إلى توقيف أمثالي مع الجناة والمتطرفين والشاذين لسحق كبريائي، لكنني استطعت أن أفوت الفرصة عليهم بالاستماع إلى قصص هؤلاء المجرمين، والتي أثرت مخيلتي كثيرا. في السجن لكل شيء روايته حتى الجدران وما علينا سوى الإصغاء حتى لا نبقى حبيسها، والكتابة خلاص من الأسر.

الكاتب والنص.. ضبابية ورفض للوصاية


* تكتب في قضايا مشحونة أيديولوجيا. كيف تحمي روايتك من مباشرتك ككاتب ووصايتك على القارئ؟

أنا لا أملك شخصيات رواياتي، بل على العكس، إنها أقرب إلى امتلاكي هي. لا أكتب نصا بل أدعه يكتبني ويجرفني معه. فلا شروط عندي أمليها على الشخصيات، إلا ما أود أن أظهره من موقف سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي. بين الراوي وشخصياته منطقة ضبابية قد يكشفها المتلقي فقط. فأنا مهذب أحيانا والشخصيات في قمة البذاءة، وقد أكون كاذبا عندما يصدقون.

أنا مع الناس في المقاهي والشوارع، مع صخبهم ونواحهم، مع جدالهم وبصاقهم. لست وصيا على المتلقي، لكنني سأقدم له بكل تواضع وشرف تجارب أخرى قد تجعله أكثر بياضا.

مصدر الصورة الروائي السوري علي محمود (يسار) مع الشاعر أدونيس (الجزيرة)

المنفى ودمشق.. الحاكم المطلق للذاكرة


* كيف تنظر إلى الجوائز الأدبية بعد فوزك بـ "جائزة حنا مينه"، وكيف أثّر المنفى الباريسي على علاقتك بدمشق وذاكرة المكان

الرواة كالأطفال، تفرحهم الحلوى ولو كانت متواضعة. بالنسبة لجائزة حنا مينه تفاجأت بها وأبهجتني بسبب حبي للحلوى، ولأن حنا مينه له إرث كبير في تجربتي الحياتية. لكن اليوم تشهد ساحة الجوائز تجاذبات كبيرة، وهناك الكثير من الجدل حول الشللية وتدخل دور النشر العملاقة. الجائزة ليست إلا محطة في الحياة الأدبية، بينما الكتابة لها أنفاسي وما تبقى من عمري كله.

أما المنفى، فالجغرافيا المتحركة لا توقف القلب عن العمل، لكنها تثقل الروح. أسوأ ما في المنفى أنه يربك حواسنا؛ نستيقظ صباحا لنرى أشجارا لا تشبه أشجار خاطرتنا، وأرصفة لا ترجع صدى خطواتنا.

المنفى أناني ومغرور، ينشر أفخاخا كثيرة أمامك لتنسى أمكنتك وروائحك. في تجربتي الذاكرة هي الحاكم المطلق. أنا منفي فيها وحدها، أرصد الزمن لأعود وأرى دمشق الفاتنة، ملاذي الأخير، كتميمة يحملها طفل من أمه.

يقول ابن عربي: "كلُّ مكانٍ لا يُؤنَّث، لا يُعوَّل عليه". تأنيث المكان هو تمدنه. كل مكان مرّ على قلبي سكنته، والألفة والحميمية أساس متين لمكان بجسد حقيقي تحييه الذاكرة لينبض فيك.

مشكلتي أنني أحمل أمكنتي معي في كل عمل أكتبه، نير عظيم لا خلاص منه. وقد ترفضها شخصيات العمل، فألوذ بها بعيدا في غرفة دافئة وعميقة ورطبة من قلبي المتعب الذي أضناه دخان القطارات العابرة وأتعبته حقائب المسافرين في هذا الزحام الكبير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار