في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عالم السياسة الأمريكية، يندر أن تجد سياسيا يكتب مؤلفاته بنفسه، كما يقِل المستعدون لقراءة ما يكتبون، غير أن جيه دي فانس -نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب– يمثل استثناء لافتا لهذه القاعدة، إذ برز كاتبا قبل أن يخوض غمار العمل العام، وحمل معه إلى المعترك السياسي عيوب حِرفة الكتابة: "أنا ضخمة ولكنها هشة، إيثارا ذاتيا بلا حدود، عطشا للإطراء، ويقظة لا تنام تجاه أي إهانة".
في مراجعة نقدية نشرتها مجلة " لندن ريفيو أوف بوكس" (London Review of Books)، يتناول الكاتب البريطاني جيمس بتلر التحوّل الديني والسياسي لدي فانس، متوقفا عند كتابه "المناولة" (Communion) الصادر عن دار كولينز، إذ يتتبع التحولات التي يرويها فانس في الكتاب، من خيبة أمله في الأصولية الإنجيلية والليبرتارية الراندية وليبرالية الطبقة المتحدثة، وتحوله إلى الكاثوليكية عام 2019، كما يناقش التحول السياسي الأهم في مسيرته: انتقاله من معارضة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب إلى احتضان الترمبية.
في هذه المراجعة لكتاب دي فانس، لا يخفي بتلر حكمه القاسي، إذ يصفه بأنه "كتاب سيئ، وركيك، وغير مركز، وغير متكافئ أسلوبيا، وفارغ أخلاقيا، ومتحيز فكريا، وساخر سياسيا".
ويقارن بتلر بين الكتاب الجديد وكتاب فانس الأول "مرثاة هيلبيلي" (Hillbilly Elegy)، الصادر عام 2016، ففي الأخير، وجّه فانس اتهاما إلى ثقافة أبالاتشيا التي تدهورت بفعل الإدمان والكسل واليأس.
أما كتاب "المناولة"، فيرى بتلر أنه يشن هجوما أوسع بكثير وأكثر تشتتا على قيم ودوافع أمريكا الليبرالية والمهنية، ممثلة في جامعة ييل ووسائل الإعلام.
ويضيف بتلر أن اعتماد نقد فانس على التصوير الكاريكاتيري والافتراضات لا يجعله نقدا عديم القيمة، وإن كان فانس، بحسب بتلر، ليس أول من اكتشف أن أفراد النخبة يميلون إلى الانغلاق على ذواتهم أو إلى تهنئة أنفسهم ومدحها.
ويرى بتلر أنه من غير اللائق إثارة الشكوك بشأن صدق الشخص الذي اعتنق دينا جديدا، غير أنه يؤكد أن التحولات العقائدية الموصوفة في الكتاب ليست سوى إحلالات مراوغة للتحول الحقيقي والوحيد الذي يتجنب فانس مناقشته، وهو تحوله إلى "الترمبية".
ويستحضر بتلر موقف فانس عام 2016، عندما كان من أشد المناهضين لترمب، فقد وصفه في استعارة مطولة بأنه "هيروين ثقافي" يعد بـ"مَهرب سهل من الألم". آنذاك، قال فانس: "إنه يجعل البعض يشعرون بتحسن لفترة قصيرة. لكنه لا يستطيع علاج ما يؤلمهم، ويوما ما سيدركون ذلك"، بل إن فانس قال في جلسة خاصة إن ترمب يمكن أن يكون "هتلر أمريكا".
ويلفت بتلر إلى أن كل هذا النقد تبخر تماما بحلول الوقت الذي أطلق فيه فانس حملته الانتخابية لعضوية مجلس الشيوخ عام 2022. وبينما يرى بتلر أن تحولا بهذا الحجم كان قد يدفع رجلا أقل منه إلى البحث في الذات والتأمل، فإن فانس يكتفي بإخبار القراء بأن سجل ترمب "أثبت أنه كان مخطئا"، مدعيا أن هذا التغير كان نتيجة إدراكه أن المؤسسات النخبوية أضحت "منكسرة فكريا وروحيا".
ويخلص بتلر إلى أن "تقديم فانس احتضانه لترمب باعتباره مجرد أثر جانبي لتغير أكثر جوهرية في رؤيته للعالم يتيح له التهرب من الأسئلة الصعبة المتعلقة بفساد ترمب وانتهازيته الفاضحة هو نفسه".
يتوقف بتلر خلال مراجعته النقدية، عند استشهاد فانس المتكرر بإنجيل متى: "من ثمارهم تعرفونهم". ويشرح أن فانس يقصد بذلك أن حالة العالم الراهنة تثبت أن تجربة الحداثة العلمانية كانت "كارثة بائسة".
وهو ما دعا بتلر إلى طرح هذه الأسئلة على خلفية هذا التحول: "أي ثمار للولاية الأولى لترمب أقنعت فانس؟ هل كانت الأسر التي تحطمت على الحدود؟ أم التخفيضات الحادة في تمويل الصحة والعلوم؟ أم تقويض الاتفاقيات الدولية بشأن المناخ؟ أم أعمال الشغب العرقية؟ أم صفقات الأسلحة؟ أم الاعتداءات على الديمقراطية؟"، لا يخبرنا فانس بذلك، كما يلاحظ بتلر.
أما ثمار الولاية الثانية لترمب، وقد أصبح فانس الآن إلى جانبه، فقد كانت -في نظر بتلر- أكثر مرارة.
ثم ينتقل بتلر إلى التحول الديني لفانس نحو الكاثوليكية، وهو تحول قد يبدو مفاجئا بالنظر إلى التاريخ الطويل والعنيف لمعاداة الكاثوليكية بين الرجعيين الأمريكيين.
ويشرح بتلر أن هذا التحيز امتزج باللاهوت وكره الأجانب، فجزء منه كان خطابا بيوريتانيا (تطهيريا) لاذعا ضد "بابل" -وهي رمزية كتابية استخدمها البروتستانت للإشارة إلى روما والكنيسة الكاثوليكية- والجزء الآخر كان خوفا من انقسام ولاء المهاجرين بين الولايات المتحدة وبلدانهم الأصلية.
أما روما، أي الكنيسة الكاثوليكية والكرسي الرسولي، فلم تكن دائما محبة للولايات المتحدة، أول جمهورية علمانية راسخة في العالم.
وقد أسهم الاندماج الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ونجاح رئاسة جون كينيدي، والمشاركة الحماسية للكاثوليكية الأمريكية في الحملات المناهضة للإجهاض التي شنها اليمين الديني، في تخفيف تلك التحيزات الطائفية، وإن لم تقض عليها تماما. ومع ذلك، يرى بتلر أن الكاثوليكية قد تبدو خيارا غير منسجم مع هذه البيئة، ومن ثم خيارا صادقا.
وبحسب ما يورده بتلر نقلا عن رواية فانس الشخصية، فإن تحوله الديني كان تحولا فكريا في المقام الأول، فخلال دراسته في كلية القانون بجامعة ييل -التي يصفها فانس بأنها معقلٌ للطموح الفارغ والتفكير الجماعي- استمع إلى كلمة رجل الأعمال والمستثمر بيتر ثيل.
آنذاك، رأى فانس في ثيل "ربما أذكى شخص قابله على الإطلاق"، وقد أربكه كونه مسيحيا يعلن إيمانه بوضوح، مما حطّم انحيازه الفكري المسبق بأن "المسيحيين مغفلون أو سذج".
ويلفت بتلر إلى أن فانس وجد لدى المفكر الفلسفي رينيه جيرارد -المفكر المفضل لدى ثيل- تفسيرا مقنعا لفراغ الطموح لدى النخبة، باعتباره تثاقفا عبر المحاكاة، إذ ينتهي المرء إلى الاعتقاد أنه يريد الحصول على وظيفة كاتب لدى قاض في المحكمة العليا، فقط لأن أشخاصا آخرين يريدونها.
بيد أن بتلر يتوقف عند طبيعة تدين ثيل نفسه، واصفا إياه بأنه نمط غريب من المسيحية، فهو يكنّ عداء تعصبيا للبابا الحالي وسلفه، ويصنف نفسه بأنه "أرثوذكسي" بمعناها اللغوي العام، كما يحمل هوسا بمفهوم "المسيح الدجال"، الذي يسقطه غالبا على "الدولة التنظيمية" ومؤسساتها.
ويكشف بتلر أنه على الرغم من أن ثيل يظهر في كتاب "المناولة" لفترة وجيزة فقط، فإن الشراكة بين الرجلين تتجاوز ذلك بكثير، فقد عمل فانس سابقا في شركة الاستثمار "ميثريل كابيتال" التابعة لثيل، كما استثمر ثيل في شركة فانس "ناريا كابيتال" عام 2019، علما أن اسمي الشركتين مستمدان من روايات الكاتب تولكين، التي تحظى بمكانة شبه مقدسة لدى ثيل.
فضلا عن ذلك، فقد ضخ ثيل 15 مليون دولار في حملة فانس لانتخابات مجلس الشيوخ، وهو أكبر تبرع معلن عنه على الإطلاق لأي مرشح لمجلس الشيوخ، ويخلص بتلر إلى أن شيئا من هذه الحقائق المالية والشخصية لم يُذكر إطلاقا في الكتاب.
يشير بتلر إلى أن ما جذب فانس إلى الكاثوليكية هو رقيّ تقليدها الفكري، إذ إن نهجها الدقيق في تفسير النصوص الدينية يتجاوز الحرفية الأصولية التي طبعت نشأة فانس الإنجيلية، كما أن العقيدة الاجتماعية للكاثوليكية أكثر ثراء، وأكثر اهتماما بحياة الناس العاديين، مقارنة بما يصفه بتلر بـ"الدجل الذي تمارسه الكنائس العملاقة".
ويرى بتلر أن البروتستانتية الأمريكية تعيش حالة من "الانتحار الفكري"، وتغرق في ركام نظريات المؤامرة التي تزخر بها روايات "المتروكون خلفا" (Left Behind) بشأن "الاختطاف" أو "الرفع الإلهي"، وفي "إنجيل الازدهار" القائم على وعود الثراء السريع التي يروج لها خطباء الاستعراض، أمثال باولا وايت، المستشارة الروحية لترمب، وهو ما يجعل الكاثوليكية، في نظر بتلر، واحدة من الخيارات القليلة المتبقية للمسيحي الذي يحترم نفسه.
ولا يقتصر الأمر، بحسب بتلر، على ذلك، فالتيار الرجعي البارز داخل الكاثوليكية الأمريكية يحتضن أيضا مفكرين مناهضين لليبرالية والديمقراطية، مثل باتريك دينين وأدريان فيرميول.
ويوضح بتلر أن نفوذ هذا التيار يتجلى بأقوى صوره في الدوائر القضائية، إذ إن اثنين من القضاة الثلاثة الذين عينهم ترمب في المحكمة العليا كاثوليكيان، هما بريت كافانو وإيمي كوني باريت، في حين نشأ الثالث، نيل غورساتش، كاثوليكيا، إلى جانب القاضيين المحافظين الآخرين الموثوقين في المحكمة، صامويل أليتو وكلارنس توماس، وهما كاثوليكيان أيضا.
كما أن رئيس المحكمة العليا جون روبرتس كاثوليكي، في حين تصف سونيا سوتومايور، التقدمية التي عينها أوباما، نفسها بأنها كاثوليكية منقطعة عن الممارسة.
ويشير بتلر إلى أن معظم هؤلاء القضاة حظوا بتزكية ليونارد ليو، وهو كاثوليكي محافظ وزعيم "الجمعية الفدرالية" (Federalist Society)، التي يدير من خلالها صناديق أموال مجهولة المصدر تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
وبذلك، يرى بتلر أن الكاثوليكية، بعيدا عن كونها عقيدة غريبة، أصبحت الآن دينا يمكن أن يترتب عليه الارتقاء الاجتماعي والسياسي والمهني. وكان من شأن ذكر هذه الحقيقة أن يعقّد الصورة الكاريكاتيرية التي يرسمها فانس للحياة السياسية في حرم جامعة ييل، خاصة أن فانس انضم بنفسه إلى الفرع المزدهر لـ"الجمعية الفدرالية" في الجامعة، واستمع في أحد اجتماعاتها تحديدا إلى بيتر ثيل وهو يتحدث.
وفي هذا الصدد، يلفت جيمس بتلر إلى أن فانس بحاجة إلى الحفاظ على أصوات الناخبين البروتستانت، التي تمثل ضرورة سياسية له، ولذلك يتحدث عن المسيحية أكثر مما يتحدث عن الكاثوليكية، ويفضل الحديث عن "العودة إلى الإيمان" في صورة عامة بدلا من الحديث عن شكلها الديني المحدد.
كما يتحدث فانس بلسان الالتباسات الإنجيلية بشأن الصلاة لـ"أشخاص موتى" وما يرونه غرابة في الأسرار الكنسية، بل إن صورة الكنيسة المطبوعة على غلاف الكتاب هي لكنيسة ميثودية (بروتستانتية).
وكما فعل في كتابه "مرثاة هيلبيلي"، يستحضر فانس بإيجابية الإيمان الشعبي البسيط القائم على الحس السليم لدى جديه، ليقارن في صورة تفضيلية بين الوطنية الأخلاقية البسيطة لعائلته وبين ما يصفه بـ"المعارضة الهستيرية لترمب".
وينقل بتلر عن فانس ما كتبه عن انتخابات عام 2016: لو فازت هيلاري كلينتون، لكان أبي الإنجيلي المحب لترمب قد أطفأ التلفاز، وصلى، وقال: "حسنا، آمل ألا تكون بالسوء الذي كنت أخشاه".
ويرى بتلر أنه لا داعي أصلا لاستحضار افتراضات مضادة للواقع، فقد خسر ترمب انتخابات عام 2020 أمام جو بايدن بالفعل، مشيرا إلى أن أنصار ترمب حاولوا، وإن كان ذلك بأسلوب يفتقر إلى الكفاءة، تدبير انقلاب مناهض للديمقراطية بتشجيع منه، وأمضوا فترة رئاسة بايدن بأكملها وهم يحوّلون تلك الخسارة إلى نظرية مؤامرة بالغة التعقيد، وتُستخدم هذه النظرية الآن ذريعة لتقويض الانتخابات المستقبلية.
ويلفت بتلر إلى أن إنكار نتيجة انتخابات عام 2020 بات شرطا مسبقا للارتقاء داخل إدارة ترمب، أي أن الأمر يتطلب، بحسب تعبيره، "تشويها فكريا للذات لإثبات الولاء". وعلى هذا يخلص بتلر إلى أن كلا من فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو أيدا هذه الكذبة بحماس، وهما يتنافسان على نيل مباركة ترمب ليكون أحدهما خليفته.
ويرى بتلر أنه من المحتمل أن يكون فانس قد أدرج رد والده الافتراضي على فوز هيلاري كلينتون في المسودة الأولى لكتاب "المناولة"، التي يقول إنه أنجزها عام 2019، ثم لم يحدّثها. لكن ذلك لا يهم كثيرا، بحسب بتلر، فالكذب السياسي يفسد الفرد والنظام على حد سواء.
ترمب (في الخلف) ومن أمامه فانس ثم هيغسيث (رويترز)ولعل هذا، في رأي بتلر، يفسر كثرة مغالطات "رجل القش" (تبسيط موقف الخصم وتشويهه بما يسهل مهاجمته) في كتاب "المناولة"، إذ يوضح أن فانس روّج خلال حملته الانتخابية عام 2024 للكذبة العنصرية القائلة إن المهاجرين الهاييتيين كانوا يسرقون الحيوانات الأليفة ويأكلونها في مدينة سبرينغفيلد بولاية أوهايو. وعندما وُوجه بهذه المزاعم، أقر بأنه "يختلق قصصا" لدفع قضيته قدما.
كما يلفت بتلر إلى ميل فانس إلى نظريات المؤامرة، إذ زعم أن حزمة مساعدات لأوكرانيا عام 2024 تضمنت "بندا سريا لعزل ترمب".
ويستعرض بتلر أيضا مواقف فانس في حوادث أخرى، ففي يناير/كانون الثاني 2026، وبعد أن أطلق أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية النار على المحتجة رينيه غود داخل سيارتها في مينيابوليس، وصفها فانس بأنها "مغسولة الدماغ" و"يسارية مختلة" متواطئة في "مأساة من صنعها هي".
وعندما أطلق عملاء إدارة الهجرة والجمارك النار على ممرض وحدة العناية المركزة أليكس بريتي في المدينة نفسها في وقت لاحق من الشهر ذاته، زعم فانس أن الواقعة كانت نتيجة "فوضى مُدبّرة" في أجهزة محلية مخترقة من اليسار المتطرف.
صورة مأخوذة من فيديو، صوره أحد عناصر قوات الجمارك والهجرة، يظهر الناشطة رينيه غود قبيل مقتلها (أسوشيتد برس)يرى بتلر أن العالم الداخلي لفانس لا يُستشف إلا نادرا في كتاب "المناولة"، لكنه يتوقف عند موقف لافت يرويه فانس عن جلسة مع معالج نفسي، إذ يقول إن "مجرد التفكير في أن أكون ضحية يثير غثياني".
وبدلا من ذلك، يجد فانس التحرر في الشعور بالذنب. ويوضح بتلر أن هذا الفهم قد يبدو متناقضا لغير الكاثوليك، فالشعور بالذنب، بالنسبة إلى فانس، يتجنب من جهة حالة السلبية التي يجدها في النماذج النفسية للصدمة، ومن جهة أخرى النموذج البروتستانتي القائم على نعمة الله الخلاصية التي تحدث مرة واحدة وتنتهي.
أما لدى الكاثوليك، فتتكشف النعمة من خلال نسيج حياة الفرد، بما فيها إخفاقاته وتوباته ومحاولاته لإصلاح ما أفسده. ويعلق بتلر بتهكم بأن أجيالا من الكاثوليك المصابين بالعصاب قد تعترض على جدوى الشعور بالذنب، لكن فانس، على الأقل، من غير المرجح أن تنفد لديه "المادة الخام" لهذا الشعور.
بيد أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، في رأي بتلر، هو رد فعل فانس العنيف تجاه أن يُنظر إليه باعتباره ضحية. ويشرح بتلر هذه المفارقة من منظور مسيحي، فـ"فضيحة المسيحية"، التي أثارت سخرية منتقديها الوثنيين وعدم فهمهم لها، تمثلت تحديدا في تقديم الضحية باعتباره منتصرا، أي تقديم "إعدام الله المتجسد" -حسب معتقده- باعتباره إعدام مجرم عادي، مُهان ومتروك.
وبعد ألفي عام، لا تزال الطقوس الدينية التي يسمعها فانس كل يوم أحد تمجّد "هذه الضحية الطاهرة، هذه الضحية المقدسة، هذه الضحية الخالية من العيب".
ويرى بتلر أنه من النادر أن يعيش الإنسان حياته من دون أن يجد نفسه ضحية لقوى تتجاوز سيطرته، وهي حقيقة ينبغي أن تستوقف سياسيا كاثوليكيا يتربع على قمة أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ.
ويرى بتلر أن الخوف هو العاطفة المهيمنة على كتاب "المناولة"، إذ يخشى فانس أن يعرّض علاقته بزوجته أوشا، التي التقى بها في جامعة ييل، للخطر، بسبب انهيار علاقة والديه.
وينقل بتلر عن فانس أنه عندما وُلد ابنه الأول، كتب قائلا: "شعرت بعاطفة واحدة تفوق كل العواطف الأخرى: الخوف". وهو خوف شخصي واجتماعي في آن واحد، فهو يخشى أن يفشل في الأبوة، كما يخشى أن يفشل بلده في حق ابنه.
ويلفت بتلر إلى أن فانس ليس وحده في هذا الشعور، فالخوف من التلوث، والغزو، و"العدو في الداخل"، والحداثة مستشرٍ في الجناح شديد التمسك بالتقاليد داخل الكنيسة الكاثوليكية، كما ينتشر عبر شريحة واسعة من الولايات المتحدة، تقف متحفزة ويقظة خلف أسلحتها.
ويرى بتلر أن الطرفين يريدان أن تتحول مؤسساتهما إلى ثقافات أحادية ذات طابع عقابي، وحصونا في مواجهة العالم الخارجي.
ويشير بتلر إلى أن فانس يخشى أيضا "موت الحضارة"، وينقل عنه قوله: "لقد ورثنا حضارة عظيمة، ونحن نسمح لها ببطء بأن تتداعى" وأنه يخشى ذلك أكثر بكثير من موته الشخصي.
ويرى بتلر أن هذا الرعب تغذيه لدى فانس مشاهد الكنائس الفارغة والقبور التي لا يزورها أحد في الريف البريطاني، قائلا: "هذا الشعور أصبح أكثر شيوعا في أوساط اليمين الأنجلوأمريكي، الذي يرى أن الحضارة الغربية مهددة من جانب مجموعة متوقعة من الخصوم: النسويات، والشاذين، والاشتراكيين، والأجانب".
كتاب دي فانس (المناولة) الصادر عن دار "كولينز" (الجزيرة)لكن بتلر يرى أن إدراك هشاشة الثقافة المتعلمة والديمقراطية لا يستلزم بالضرورة الوصول إلى استنتاجات محافظة، لا سيما عندما تكون التهديدات الأكثر أهمية -تغير المناخ، والأوليغارشيون الذين لا يمكن المساس بهم، والفضاء العام المسموم، والدولة الإدارية المنهوبة- هي الشكل المفضل للحكم الترمبي.
ويشير بتلر إلى أن فانس، في مواجهة ما يسميه "موت الحضارة"، يطرح برنامجا ما بعد ليبرالي يمكن التنبؤ بملامحه إلى حد كبير. لكن ما يثير اهتمام بتلر في هذا البرنامج هو، قبل كل شيء، ما لا يتضمنه، فهو لا يتبنى "التكاملية" الثيوقراطية لدى الرجعيين الكاثوليك، والتي يُربط بها فانس أحيانا بصورة متسرعة، كما لا يتبنى العدمية الارتيابية التي يتسم بها تيار " ماغا" (اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا)، المؤيد لترمب.
ويلفت بتلر إلى أن هذا البرنامج يقوم على التمييز بين "الخير الاقتصادي" و"الخير العام"، وهو تمييز مألوف في التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية.
وعندما ينتقد فانس النزعة الاستهلاكية، أو يندد بثقافة عمل تستنزف الحياة، أو يبدي تحفظات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه قد يبدو لفترة وجيزة اشتراكيا، لكنه سرعان ما يعود إلى شكاوى أكثر راحة بالنسبة إليه، تتعلق بالتراجع الديمغرافي وتدمير الأسرة التقليدية.
ويرى بتلر أن استعداد فانس لوضع "آلهة الناتج المحلي الإجمالي" -أي تقديس النمو الاقتصادي– في مرتبة أدنى من الصالح الاجتماعي، وانتقاده الجمهوريين لإخفاقهم في فعل ذلك في الماضي، ينسجمان مع مواقف يمين ما بعد العولمة، الذي يتبنى الحمائية والعزلة.
أما الفصل الأخير من الكتاب، الذي يبدو، بحسب بتلر، أشبه باجتماع إحياء ديني، فيجعل الصلة بقومية مسيحية عامة صريحة، من خلال عبارة فانس: "المسيحية هي عقيدة أمريكا".
ويرى بتلر أن السؤال الذي يفرض نفسه أمام كتاب "المناولة" هو: لماذا قد يشتريه أي شخص؟ ويستند في ذلك إلى تناقض يراه صارخا بين ما يقوله فانس وما يفعله، إذ كان فانس، بحسب بتلر، مشاركا طوعيا في حكومة بائسة غارقة في الفساد، عملت على إفراغ الوكالات التي كان يمكنها كبح جشع القطاع الخاص أو تنظيمه. وفي الوقت نفسه، بلغت حصة العمال من الدخل أدنى مستوى تاريخيا.
لذلك، يرى بتلر أن السؤال الأوضح ليس إذا ما كان فانس يؤمن بما يقول إنه يؤمن به، وإنما لماذا يتصرف، إذا كان يؤمن بذلك فعلا، على النحو الذي يتصرف به؟ ويشير بتلر إلى أن فانس، في منتصف كتاب "المناولة"، يقتبس من دون سخرية كلام شخص يتعافى من الإدمان، قدم له نصيحة بسيطة ومألوفة: "أرني أصدقاءك، وسأريك مستقبلك". ثم يعلق بتلر: "ولعل فانس نسي مع من كان يقضي وقته".
وينتقل بتلر بعد ذلك إلى الجانب الديني في سيرة فانس، مشيرا إلى أنه، مثل كثير من المتحولين، اتخذ من أوغسطينوس قديسا شفيعا له. ويرى أن قلة من روايات التحول يمكن أن تضاهي ما تقدمه "الاعترافات" لأوغسطينوس من عرض معقد للحب البشري والإلهي، أو ما يظهر فيها من تفحص أوغسطينوس الدؤوب لخطيئته الذاتية، التي يصورها باعتبارها اضطرابا في الحب، أو ما يسميه "homo incurvatus in se"، أي الإنسان المنكفئ على ذاته في نوع من عبادة الذات.
ويستحضر بتلر كذلك التجربة الشعرية الشهيرة التي أدرك فيها أوغسطينوس الحب الإلهي، والتي تقلب تلك الحالة رأسا على عقب، إذ يقول أوغسطينوس إن ذلك الحب "ناداني وصرخ وحطّم صممي"، وإنه يحترق ويتلهف من أجل إلهه. ويرى بتلر أن إدراج مثل هذا المقطع في مذكرات سياسي قد ينطوي، بطبيعة الحال، على خطر أن يبدو عبثيا.
لكن بتلر يلفت إلى أن أوغسطينوس، في وقت لاحق من القسم نفسه، يتوقف عند أكثر الرغبات خفاء ومكرا: "الرغبة في أن يحظى المرء بالتبجيل والحب من الآخرين"، أي التوق إلى المديح. ويرى أوغسطينوس أن هذه رذيلة خاصة بأولئك الذين يمارسون السلطة على الآخرين.
يرى بتلر أن كتاب "المناولة" يبدو باهتا مقارنة بهذه الكتابات، فأخطاء فانس التي يقر بها في الكتاب -مثل اعتناقه الراندية، وإلحاده الذي أعقب حرب العراق– أصبحت شيئا من الماضي منذ زمن بعيد، ويمكن الدفاع عنها. غير أن طموح فانس، في رأي بتلر، يحول دون أي مراجعة ذاتية أكثر جدية، فيما يظل طموحه نفسه أمرا لا يعترف به.
ويلفت بتلر إلى أنه بعد تخرج فانس في جامعة ييل، تبدو الأمور وكأنها تحدث له ببساطة، إذ يقول فانس: "وجدت نفسي أظهر على شاشة التلفزيون"، أو يخوض انتخابات مجلس الشيوخ باعتبارها "مشروعا فكريا غريب الأطوار"، حتى ينتهي به المطاف نائبا للرئيس.
أما الاعتذار الوحيد في كتاب "المناولة"، فيتعلق بتعليق عن "النساء اللواتي لا أطفال لهن ويملكن قططا" باعتبارهن سبب انهيار أمريكا، إذ كتب فانس: "كان تعليقا غبيّا، استفزازيا عن قصد (وناجحا في ذلك)، بدلا من أن يكون موضحا". وهنا يلاحظ بتلر أن الإعجاب بالذات يتسرب من بين القوسين، في إشارة إلى عبارة "وناجحا في ذلك". ويستحضر في هذا السياق قول أوغسطينوس: "يا لها من حياة بائسة هذه، ويا له من شكل دنيء من التباهي!".
ويشير بتلر إلى أن فانس، منذ تحوله إلى الكاثوليكية، تلقى انتقادات حادة من باباوين؛ إذ وبّخه البابا فرانشيسكو بعدما حاول تبرير خفض المساعدات الخارجية الأمريكية بالاستناد إلى مفهوم "ترتيب المحبة" (ordo amoris)، الذي يفسره فانس باعتباره أولوية للأسرة والأمة، بينما أكد فرانشيسكو أن الحب المسيحي لا يقوم على توسيع دوائر الاهتمام تدريجيا، مستشهدا بقصة السامري الصالح بوصفها "ترتيب المحبة الحقيقي". أما البابا ليو الـ14، الذي كان رئيسا للرهبنة الأوغسطينية، فيجعل كرامة الجميع، بمن فيهم المهاجرون والسجناء والمنبوذون، محورا لخطابه، وينتقد بشدة الاستخدامات العنيفة للدولة.
ومع ذلك، لم يتردد فانس في مطالبة البابا بـ"توخي الحذر عندما يتحدث في مسائل اللاهوت"، كما تجاهل حثّ فرانشيسكو له، في أيامه الأخيرة، على الدفاع عن المُرحّلين. ويضع بتلر ذلك في سياق تاريخي أوسع، مشيرا إلى أن الكنيسة سعت طويلا إلى دعم الحكومات الرجعية، قبل أن تتحول أولويات قيادتها تدريجيا من القضايا الجنسية والأسرية التي تحظى باهتمام السياسيين الأمريكيين، نحو ما يشبه "ضميرا عالميا".
ويرى بتلر أن هذا التناقض يظهر بوضوح في موقف فانس من الترحيل الجماعي؛ فهو يستخف بالانتقادات التي تصف سياساته بأنها "قاسية للغاية"، بينما يشكر الكنيسة على دفعه إلى التفكير في "المفاضلات الأخلاقية". لكن المشكلة، في رأي بتلر، ليست في صرامة السياسة، بل في القسوة المتعمدة التي تشمل إطعام عائلات غذاء موبوءا باليرقات، وإغراق الزنازين بمياه الصرف الصحي، وضرب أشخاص أو خنقهم على أيدي الحراس، أو تسليمهم إلى معذّبين أجانب. ولذلك يخلص إلى أن "الاقتصاد الأكثر مسيحية" الذي يطمح إليه فانس يظل، رغم ذلك، اقتصادا مطوقا بالأسلاك الشائكة.
ويلفت بتلر إلى أن أوشا فانس واحدة من قلة من الأشخاص الذين يمنحهم الكتاب حضورا إنسانيا كاملا في عالم يطغى عليه التمركز حول الذات، إذ ينسب فانس إليها جانبا كبيرا من نجاحه.
وينقل عنها، في حديث تلفزيوني عن تحول زوجها الديني، قولها إنها نشأت في أسرة "مستقرة للغاية"، وإنها لم تشعر بالحاجة نفسها إلى البحث عن شيء مختلف.
ويرى بتلر أن من الصعب مقاومة القراءة النفسية لهذا الأمر، لكن أوشا تقدم في الكتاب تفسيرا مختلفا، إذ تدعم اهتمام فانس المتزايد بالكنيسة لأنه مفيد له، قائلة: "العلاج النفسي لم ينجح معك، لكن الكنيسة تنجح".
ويشرح بتلر أن النظرة النفعية إلى الدين تمثل نهجا حديثا شائعا جدا، إذ يصبح الدين مهما بقدر ما يجعل الإنسان مواطنا أفضل، أو شريكا أفضل، أو عضوا في المجتمع، أو بقدر ما يمنحه المتعة أو الراحة.
ويرى أن بعض مفكري اليمين أعادوا إحياء الدفاع عن الإيمان باعتباره "كذبة نبيلة"، مما يطرح السؤال: هل المسيحية جيدة، لأنها مفيدة، أم لأنها صحيحة؟
ويشير بتلر إلى أنه رغم تصريح فانس في بداية الكتاب بأنه يؤمن بأن "تعاليم يسوع المسيح صحيحة"، فإن البرنامج الذي يطرحه يهتم بدرجة أكبر بالمنفعة الاجتماعية للإيمان بوصفه مؤسسة، فالمسيحية، في مقابل العلمانية التي أنتجت "صراعا عرقيا وانقساما على أساس النوع الاجتماعي"، هي "أقوى قوة لتحقيق التماسك الثقافي".
لكن بتلر يلفت إلى أن المسيحية قد تكون صعبة أخلاقيا ومقلقة سياسيا، وهي صعوبات يسعى كتاب "المناولة" في الغالب إلى التهرب منها. وإذا توقفت المسيحية عن أن تكون مفيدة، أو إذا لم يعد ممكنا التهرب من هذه الصعوبات، فربما يجد فانس طريقه إلى تحول ديني آخر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة