في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ربيع عام 1947، وقبل أربعة أشهر فقط من قيام دولة باكستان، وقف مفكر ومترجم ودبلوماسي مصري أمام قبر شاعر وفيلسوف شبه القارة الهندية محمد إقبال في لاهور، يحمل قطعة رخام نُقشت عليها أبيات عربية كتبها بنفسه، وثبّتها على القبر هدية من ضفاف النيل إلى شاعر الشرق.
لم يلتق الرجلان في الحياة سوى مرة واحدة، حين مرّ إقبال بالقاهرة عام 1931 في طريقه إلى المؤتمر الإسلامي ببيت المقدس، فتولى الباحث والمترجم المصري تقديمه وتلخيص محاضرته الإنجليزية للحضور لتترسخ بينهما روابط مشروع لوصل ما انقطع بين العرب وجيرانهم في المشرق، خاصة أن إقبال معروف بأشواقه وأشعاره وارتباطه بالحجاز وحنينه لمنابع الإسلام الأولى كحنين المغترب بالعودة لوطنه.
هذا الدبلوماسي والمترجم هو عبد الوهاب عزام (1894-1959)، الأديب والأكاديمي الذي تحل هذه الأيام ذكرى مرور 132 عاما على مولده.
حين كانت النخب العربية في النصف الأول من القرن العشرين منقسمة بين من يشد الرحال إلى باريس ومن يشدها إلى لندن، اختار عزام وجهة ثالثة هي لاهور وطهران وإسطنبول.
ولم يكن عزام زاهدا في الغرب، فقد جمع الرجل ثقافات العالم الناطق بالإنجليزية والفرنسية إلى جانب عوالم الفارسية والتركية والهندية والأردية، ولكنه كان مدركا مبكرا لخلل التوازن في أمة تعرف عن شكسبير وهوغو أكثر مما تعرف عن الفردوسي وغالب، وتقرأ جيرانها بعيون مستشرقي أوروبا بدلا من أن تقرأ بعيونها هي.
لاحقا صرنا نسمي ما فعله عزام قبل قرن تقريبا "كسر المركزية الغربية" في الثقافة والتثاقف، وهو النقاش نفسه الذي يشغل منتديات الفكر المعاصر وحوار الجنوب مع الجنوب، حول حق الثقافات في أن تتعارف مباشرة دون وسيط أوروبي.
قدم عزام نموذجه العملي لهذه الفكرة قبل أن تصير موضة أكاديمية؛ تعلّم لغات الشرق الإسلامي، وترجم عنها، ودرّسها، وأنشأ لها كراسي جامعية. وقد سجّل مجمع اللغة العربية بالقاهرة أنه بفضله "استقر تدريس اللغة الفارسية في جامعة القاهرة" ثم انتقل منها إلى جامعات ومعاهد أخرى.
وُلد عزام في قرية الشوبك الغربي بمحافظة الجيزة عام 1894، لأسرة عريقة في السياسة والعلم؛ فوالده كان عضوا بمجلس شورى القوانين ثم بأول برلمان مصري بعد دستور 1923، وعمه عبد الرحمن عزام باشا صار أول أمين عام لجامعة الدول العربية.
حفظ عزام القرآن في الكُتّاب، ودرس بالأزهر على غير عادة أبناء الوجهاء، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي عام 1920 أول دفعته، ومعه رفيقا دربه أحمد أمين وأمين الخولي.
ثم جاءت المفارقة التي غيّرت مسار حياته عندما اختير عام 1923 إماما ومستشارا للشؤون الدينية بالسفارة المصرية في لندن، وهناك هاله ما يكتبه المستشرقون عن الإسلام والمسلمين، فقرر أن يتبحر بنفسه في الدراسات الشرقية، والتحق بمدرسة اللغات الشرقية بلندن، وحصل منها على الماجستير في الأدب الفارسي عن التصوف عند فريد الدين العطار، أي أن أول أعمدة "الاستشراق الشرقي" العربي وُلد في قلب عاصمة الاستشراق الغربي، وكأن الرجل ذهب ليتعلم الأداة من خصومها ثم أدارها نحو وجهة أخرى.
عاد إلى القاهرة مدرسا بكلية الآداب، ونال الدكتوراه عام 1932 عن شاهنامة الفردوسي، في مناقشة وصفها طه حسين بأنها كانت يوما مشهودا من أيام الجامعة وعيدا من أعيادها.
كان عزام الجسر الذي عبَر عليه فكر محمد إقبال إلى العربية فقد ترجم ديوان "بيام مشرق" (رسالة المشرق) في أول ترجمة عربية لديوان كامل من شعر إقبال، وهو الديوان الذي كتبه إقبال ردا على "الديوان الغربي" للشاعر الألماني غوته، ثم ترجم "ضرب الكليم" ونشره في كراتشي عام 1950 حين كان سفيرا لمصر في باكستان، وجمع بعدها ترجمته لديواني "أسرار إثبات الذات" و"رموز نفي الذات" في مجلد ضخم استغرق منه قرابة أربعة أعوام، ظل يراجعه في الحضر والسفر، على السفن وبين العواصم، كما يروي في مقدمة الترجمة.
واللافت أن إقبال الذي نقله عزام هو المفكر الذي يُستحضر اليوم في كل نقاش عربي وإسلامي عن تجديد الفكر الديني، وعن سؤال النهضة، وعن بناء الذات الحضارية من الداخل بدل استعارتها من الخارج، فحين يقتبس كاتب معاصر بيتا لإقبال في مقال عن التجديد، فهو غالبا يقتبسه بلسان عزام دون أن يدري.
وللمترجمين وأصحاب الحرفة، فهذه هي "الوساطة الفكرية" في أنبل صورها؛ أن يذوب الوسيط في الرسالة حتى يُنسى اسمه ويبقى أثره.
وأيضا قدم عزام للعرب محمد عاكف آرصوي، شاعر نشيد الاستقلال التركي، وفتح له أبواب الجامعة المصرية لتدريس الأدب التركي، كما عرّفهم بأسد الله غالب شاعر شبه القارة الهندية، وكأنه كان يبني، حجرا فوق حجر، شبكة مواصلات ثقافية بين العواصم الإسلامية بعدما قطّعتها قرون الانحطاط ثم خرائط الاستعمار.
والوجه الآخر لراهنية عزام أنه بنى المؤسسات التي تُبقي الفكرة حية بعد صاحبها ولم يكتفِ بالكتابة. فقد ترقّى في الجامعة المصرية حتى صار رئيسا لقسم اللغة العربية واللغات الشرقية، ثم عميدا لكلية الآداب عام 1945، وشارك في تأسيس أول لجنة للتأليف والترجمة والنشر ظلت تثري الحياة الثقافية نحو أربعين عاما، واختير عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجامع العلمية في دمشق وبغداد وإيران.
ثم جاء التتويج في آخر العمر حين أصدر الملك سعود بن عبد العزيز مرسوم إنشاء أول جامعة في الجزيرة العربية عام 1957، معتبرا فيه أن الغاية "إحياء الحضارة الإسلامية والإبانة عن محاسنها"، ووقع الاختيار على عزام ليكون أول مدير لجامعة الملك سعود (جامعة الرياض آنذاك)، وظل على رأس الجامعة الوليدة -كعالم يتبنى رؤية حضارية لا مجرد إداري- حتى وافته المنية في 18 يناير/كانون الثاني 1959، ودُفن في مسجده بحلوان جنوبي القاهرة.
في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، حين علت أصوات تدعو إلى كتابة العربية بحروف لاتينية اقتداء بتجربة تركيا الكمالية، وعلى رأسها دعوة عبد العزيز فهمي باشا الشهيرة أمام مجمع اللغة العربية، كان عزام في مقدمة المتصدين لها؛ فعمل على إفشال مشروع استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وعُدّ من حماة التراث الذين حققوا أمهات الكتب، ومنها ديوان المتنبي والشاهنامة بترجمة البنداري.
ولا يمكن أن يُتهم الرجل الذي أتقن سبع لغات بالانغلاق الثقافي ولا برهاب الآخر، فقد كان موقفه معادلة دقيقة صاغها بنفسه في كتاباته حين خاطب المفتونين بالغرب داعيا إياهم أن "ابدؤوا بأنفسكم فاعرفوها، وبمآثركم فعظّموها"، ثم أن يعرفوا لغيرهم أقدارهم دون أن يبخسوا الناس أشياءهم.
وفي شخصية عزام تناقض يستوقف من يقرأ سيرته فالرجل الذي جمع المناصب الرفيعة، من العمادة إلى السفارة إلى رئاسة الجامعة، ظل مع ذلك أقرب إلى الصوفي منه إلى صاحب الجاه.
وقال عنه عباس محمود العقاد إنه عالم سياسي لكنه مثال للصوفية والمتطهرين، ومثل العقاد شهد له زكي مبارك أنه صاحَبه بالفكر والروح أكثر من عشرين سنة فما أحصى عليه هفوة واحدة، بينما وصفه تلميذه رائد الدراسات الشرقية الذي شاركه بعض كتبه يحيى الخشاب بأنه كان في مجالس العلماء أميلهم إلى الصمت وأحرصهم على السمع، ومع ذلك كان كلامه هو المرتجى.
ولعل سر هذا الزهد كامن في تصوفه العملي الذي تشرّبه من فريد الدين العطار، موضوع أول أبحاثه. ففي كتابه "التصوف وفريد الدين العطار" أثر من وصية يرددها هو نفسه؛ "كن كالبحر، وخبّئ جواهرك في نفسك" وهكذا عاش؛ بحرا هادئ السطح عميق القاع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة