فضل القاهر القاضي- كابل
داخل أحد المراكز التعليمية في العاصمة الأفغانية كابل، تتقاطع أصوات الطلبة مع دروس اللغة العربية في قاعات تعليمية تشهد إقبالا متزايدا من طلبة أفغان يسعون إلى تطوير مهاراتهم في النطق والمحادثة وفهم النصوص.
ويأتي ذلك في سياق اهتمام متنام بتعلم اللغة العربية داخل مجتمع يمتلك أساسا معرفيا مرتبطا بالعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، لكنه يتجه اليوم إلى تعزيز هذا الإرث عبر برامج تعليمية حديثة يقود بعضها معلمون عرب، من بينهم أكاديميون قدموا من اليمن.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت في أفغانستان مبادرات تعليمية خاصة لتعليم اللغة العربية، في ظل تنامي الطلب عليها لأغراض دينية وأكاديمية ومهنية.
ومن بين هذه المبادرات تبرز "أكاديمية خبراء التنمية العالمية للخدمات التعليمية"، التي أسست مركزا متخصصا لتعليم اللغة العربية في كابل، يعمل فيه معلمون عرب ضمن برامج تستهدف تطوير مهارات الطلبة في القراءة والكتابة والمحادثة.
وفي هذا الصدد، قال مدير الأكاديمية عبد الملك الحيمي إن المشروع انطلق استجابة لحاجة متزايدة داخل المجتمع الأفغاني إلى تطوير مهارات اللغة العربية، خاصة لدى طلبة العلوم الشرعية وحفظة القرآن الكريم.
وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن المجتمع الأفغاني يمتلك أصلا رصيدا لغويا ومعرفيا مهما في اللغة العربية نتيجة ارتباطه الطويل بالعلوم الإسلامية، لكن التحدي الحالي يتمثل في الانتقال من المعرفة النظرية إلى إتقان الاستخدام العملي للغة، خصوصا في النطق والمحادثة والتواصل اليومي.
ورأى الحيمي أن أهمية اللغة العربية في أفغانستان لا تقتصر على بعدها الديني، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية ومهنية متزايدة، في ظل توسع حضور المستثمرين ورجال الأعمال العرب في البلاد، مما يفرض حاجة متزايدة إلى "كوادر" محلية قادرة على الترجمة والتواصل في بيئات العمل المشتركة.
وأشار إلى أن الأكاديمية تعتمد على رؤية متعددة المسارات، إذ لا يقتصر عملها على تعليم اللغة العربية، بل يشمل أيضا برامج في الإنجليزية والتركية والصينية والفرنسية والألمانية والروسية، إضافة إلى مسارات تدريبية متخصصة مثل إعداد المدربين (TOT) والتخطيط والتطوير الشخصي، فضلا عن برامج استشارية علمية واقتصادية موجهة إلى قطاع الأعمال والاستثمار.
كما أكد أن الأكاديمية تسعى إلى بناء نموذج تعليمي متكامل يربط بين اللغة والتدريب والمهارات المهنية، بما يواكب احتياجات سوق العمل داخل أفغانستان وخارجها.
وقال المعلم اليمني عبد الحليم نذير إن اختياره العمل في أفغانستان جاء نتيجة ما لمسه من اهتمام واسع بالتعليم والعلوم، إضافة إلى المكانة التي تحتلها اللغة العربية داخل المجتمع الأفغاني.
وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن مهمة المعلمين لا تقتصر على تعليم اللغة من الصفر، بل على تطوير مهارات الاستخدام والتواصل، موضحا أن كثيرا من الطلبة يمتلكون خلفية قوية في العلوم الإسلامية والنصوص العربية، مما يجعلهم أقرب إلى اللغة وأكثر قابلية للتطور السريع.
وتابع "الطلاب والطالبات هنا غالبا درسوا القرآن الكريم والمتون الشرعية، لذلك لديهم أساس لغوي جيد، لكنهم يحتاجون إلى التدريب على النطق السليم والمحادثة واستخدام العربية في الحياة اليومية".
وفي هذا السياق، أشار نذير إلى أن هذه الخلفية الدينية والعلمية تجعل عملية التعلم أكثر سرعة وتفاعلا، لافتا إلى أن وجود معلمين عرب يسهم في تصحيح النطق وتثبيت الاستخدام الصحيح للغة.
وعن تجربة الدراسة في الأكاديمية، قالت الطالبة أسماء عزيز إنها كانت تبحث منذ مدة عن مركز متخصص لتعلم اللغة العربية قبل أن تلتحق بالأكاديمية.
وأضافت "بعد البحث والتحري اخترت الأكاديمية، ومنذ بداية الدراسة وجدت أن مستوى التدريس متميز، كما أن وجود أساتذة عرب ساعدني على تحسين مهاراتي اللغوية بصورة أفضل".
كما أشارت إلى أن "المنهج الدراسي منظم وواضح، وأساليب التدريس داخل الصفوف تساعد على التطور التدريجي في مهارات اللغة".
وتشاركها الرأي الطالبة ليلى رحيمي التي قالت إنها ظلت "تبحث لسنوات عن مؤسسة تعليمية تقدم دراسة منهجية للغة العربية قبل أن تجد هذه الأكاديمية".
وأضافت في حديثها للجزيرة نت "وجدت فيها ما كنت أبحث عنه، فهي بيئة تعليمية جيدة، ويعمل فيها أساتذة عرب ذوو خبرة، وطريقة التدريس فيها واضحة وميسَّرة".
وأفادت بأن تجربتها داخل الأكاديمية منحتها دافعا قويا لإتقان اللغة العربية واستخدامها في مسيرتها العلمية مستقبلا.
أما الطالب محمد فيصل فقال إنه التحق بالأكاديمية بعد بحث طويل عن مؤسسة متخصصة في تعليم العربية.
وأضاف "وجدت بيئة تعليمية مناسبة وأساتذة عربا يساعدوننا على تحسين مهاراتنا بشكل مباشر، مما أسهم في تطوير مستوانا اللغوي".
وأشار إلى أن تعلم اللغة العربية أصبح بالنسبة لكثير من الشباب وسيلة للانفتاح على فرص تعليمية ومهنية أوسع.
ويرى مهتمون بالشأن التعليمي أن هذه المبادرات لا تقتصر على التعليم داخل الفصول، بل تسهم في بناء جسر ثقافي بين المجتمع الأفغاني والعالم العربي، عبر اللغة بوصفها أداة للتواصل والمعرفة.
فوجود معلمين عرب داخل المؤسسات التعليمية في أفغانستان يتيح للطلبة التعرف على تنوع ثقافي عربي واسع، في حين يكتسب المعلمون فهما أعمق للمجتمع الأفغاني وتاريخه العلمي وصلته الممتدة باللغة العربية.
ومع استمرار الإقبال على تعلم اللغة العربية، تبدو هذه المبادرات التي يقودها معلمون عرب من اليمن ودول أخرى جزءا من مشهد تعليمي وثقافي متجدد في أفغانستان، حيث تلتقي اللغة بالتعليم والطموح في مساحة واحدة مفتوحة على المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة