في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة – في قلب قطاع غزة المدمر، حيث تحولت المنازل إلى أنقاض والطرقات إلى صمت ثقيل، وأينما توجهت ببصرك يخيم الحزن وتتناثر آثار حرب الإبادة الإسرائيلية، يبرز الفن ليكون شاهدًا ونافذة أمل.
ووسط هذا الواقع الرمادي الحزين، جسد فنانون وفنانات بالريشة والألوان معنى النجاة من بين الموت والخراب، من خلال معرض "ما تركته النجاة"، الذي احتضنه مرسم الفنان التشكيلي غانم الدن، في مخيم البريج للاجئين وسط القطاع.
نجا مرسم الدن بأعجوبة من آلة الحرب الإسرائيلية، التي دمرت أغلبية المراسم والمراكز الثقافية والفنية في القطاع، ويقول للجزيرة نت: "وسط هذا الخراب، ينهض معرض ما تركته النجاة ليعلن أن الفن ما زال يتنفس، وأن الريشة قادرة على مقاومة الموت، وأن غزة رغم كل ما تعرضت له ويحاك ضدها لم تسقط".
جاء المعرض كثمرة جهد شاق استمر لبضعة أشهر في ورشة عمل فنية انطلقت تحت القصف والتدمير بعنوان "قطاع مش بالقاع"، وتبناها الدن، ويصف التجربة: "بدأت الفكرة كورشة صغيرة بجهود ذاتية مع 15 فنانًا، واليوم نعرض أكثر من 150 لوحة أنجزها 64 فنانًا وفنانة من جيل الشباب".
يتحدث الدن بفخر كبير عن هذه اللوحات المعلقة على جدران قاومت الانهيار وقوة الانفجارات، وولدت من بين براثن الموت والأنقاض والركام، لتروي معنى النجاة وسط الخراب الكبير وصمت العالم، ويقول: "نريد أن نفتح بالريشة والألوان نافذة أمل نحو الحرية والحياة".
ويضيف: "لكل لوحة قصة وحكاية، تتحدث بلا ألسن عن معاني وتجارب الفقد والصمود، التي عايشها أصحابها من الفنانين والفنانات الشباب، وجلهم واجه الموت والجوع والنزوح مرارًا".
بدوره، يقول منسق الورشة أحمد العصار للجزيرة نت إن "هذا المعرض ليس مجرد لوحات على جدران مرسم، بل شهادة حية على أن الفن في غزة يرفض الاستسلام، وأن الحياة لا تزال ممكنة".
ويشير بثقة كبيرة إلى أن كل لوحة هي مقاومة وصرخة حياة، وولادة جديدة لكل ناج من محرقة حرب الإبادة، وألوانها تفيض بالأمل والإبداع.
لم تكن ولادة معرض "ما تركته النجاة" سهلة، غير أن إرادة المشاركين في الورشة الفنية كانت أقوى من قيود الاحتلال على المعابر، وحرمان الغزيين من الدواء والغذاء وحتى الريشة والألوان.
وكانت الفنانة العشرينية سيرين سمرة تتبادل الخامات والألوان مع زميلاتها وزملائها، بسبب شح المواد والمعدات الفنية في القطاع، وفي ظل غلاء فاحش للمتوفر منها، وقد نجحوا سويًّا في إيصال رسالتهم أن الريشة قادرة على مواجهة الرصاصة، وأن الأمل ينبعث حتى من بين الرماد.
فقدت سيرين (23 عامًا) خطيبها عبد الرحمن المزين بشظية أصابت قلبه جراء غارة جوية إسرائيلية على منطقة "تل الزعتر" في مخيم جباليا شمال القطاع، واستشهد برفقته 11 آخرون من جيرانه، في 18 أبريل/نيسان من العام الماضي.
لفترة أصيبت سيرين بالاكتئاب الشديد، أثر في حياتها، قبل أن تستعيد توازنها، وتحول ألمها إلى لوحات تسكب عليها ألوانا تعبر عن الفقد وآلام الحرب.
شاركت هذه الفنانة الشابة في ورشة "قطاع مش بالقاع"، وتقول للجزيرة نت إنها كانت متنفسًا لها لتفريغ الطاقة السلبية وتحويلها إلى إبداع، أثمرت بضع لوحات فنية، أبرزها لوحة بعنوان "ثقل الانتظار" تصور فقدها لخطيبها عبد الرحمن، وتحمل إيحاء بأنه سيعود يومًا، أو أنها ستلحق به في الجنة مثلما جاءها برؤيا في المنام.
كما تركز في لوحات أخرى على آلام الفقد لدى نساء غزة ممن اكتوين بخطف حرب الإبادة لأزواجهن وآبائهن وأبنائهن وأحبتهن، ويواجهن وحيدات أوجاع الذكريات وصعاب الحياة.
تجاوزت سيرين ما تصفه بـ "أصعب فترة في حياتي"، أو أنها تسير بثبات على طريق النسيان، وتستعين على ذلك بتحقيق حلم خطيبها عبد الرحمن، بإتمام حفظ القرآن الكريم.
تقول الفنانة التشكيلية عائدة درويش (28 عامًا) للجزيرة نت: "أشارك هنا لأثبت لنفسي قبل الجميع أنني إنسانة تستحق الحياة، أفكر وأبدع ولدي الكثير من الأحلام".
وفي زاوية من المعرض تبرز لوحة لهذه الفنانة، تشرح مضمونها ورسالتها بأنها تعكس عجز العالم عن وقف حرب الإبادة الإسرائيلية، التي لا تزال تحصد أرواح الأبرياء في القطاع، من دون رادع.
وعلى مقربة منها كان الفنان البصري نافذ الأزعر (24 عامًا) يشرح لرواد المعرض المعاني والرسائل التي حملتها لوحاته وتصور يوميات الحرب القاسية وآثارها في الإنسان والبيئة.
كان أثر الحرب شديدا على الأزعر، ويقول للجزيرة نت إنه فقد منزله ومرسمه في مدينة خان يونس جنوب القطاع، ونحو 300 عمل فني دفنت تحت الأنقاض.
وفي لوحة أطلقت عليها صاحبتها الفنانة بيسان العمصي (20 عامًا)، اسم "شظايا" تظهر استخدامها الفحم واللون الأحمر، وكأنها تسكب الحزن على الورق، لتصور ما تصفه بـ "التجربة البشعة" للحرب.
أجبرت بيسان على النزوح مع أسرتها من منزلها في مدينة غزة، وقد دمره الاحتلال لاحقا، وتقيم حاليا في مدينة دير البلح وسط القطاع، وتصف مشاركتها بالورشة الفنية بأنها كانت تجربة غنية، وأضافت لها الكثير من المهارات الاجتماعية والفنية.
وأثرت الحرب وتجربة النزوح المريرة على نظرة هذه الفنانة الشابة للفن وطريقتها في الرسم، وتقول للجزيرة نت: "هذه الحرب مجنونة، ذقنا خلالها مرارة الفقد والنزوح، ولا نرى بسببها إلا مشاهد بشعة من القتل والدماء والدمار، ولا نسمع سوى القصف والصراخ".
ويشارك الكاتب والفنان الشاب حسام أبو مخدة (22 عامًا) في المعرض بلوحة يسميها "فقدان الروح"، استخدم الفحم فقط في رسمها، ويظهر فيها وجه بدون ملامح، يصور فيها صديقه الشهيد، الذي فقد روحه بنيران الاحتلال الإسرائيلي من بين مئات آخرين من المجوعين ضحايا فترة مراكز توزيع المساعدات الأمريكية.
وفي لوحة ثانية له بعنوان "المنفيون" يجسد أبو مخدة، ويعمل ممرضا وكان شاهدا على الكثير من مآسي الحرب، فئة الشهداء المجهولين، الذين خطفتهم الحرب ولم يسمع بهم أحد، بعدما كان لهم حياة وأحبة وأحلام.
ولعل أكثر المشاهد براءة في هذا المعرض، مشاركة الطفلة تولين أبو جبارة (7 أعوام) النازحة مع أسرتها من حي الشجاعية لمركز إيواء في مخيم النصيرات وسط القطاع.
الطفلة النازحة تولين أبو جبارة أصغر فنانة مشاركة في معرض "ما تركته النجاة" بلوحة عنوانها "أنا والألوان" (الجزيرة)تقف تولين في إحدى زوايا المعرض أمام لوحة بعنوان "أنا بالألوان" تظهر وردة وفراشة، وتقول بطفولة بريئة إنها تحب الحياة الحلوة، في رسالة صغيرة لكنها عميقة وسط لوحات الألم والفقد والتدمير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة