آخر الأخبار

دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن

شارك

على غرار قدسية شهر رمضان وتميز عاداته، يكتسب الحضور القرآني في ليبيا مكانة رفيعة، فيتردد صدى التلاوات القرآنية في المساجد والبيوت والباحات، وهنا يبرز صوت الشيخ المقرئ والواعظ والخطيب محمود دهيميش أيقونة دينية لا يغفل أثرها وتأثيرها.

يستعرض التقرير نشأة ومسار الشيخ المقرئ محمود دهيميش ومساره القرآني والفني، ويقف على التحولات التي جعلت من صوته رمزا ومنارة للعلم، وكيف صار صوته دلة صوتية تنبئ بحلول رمضان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 تنوع وتعاون على الخير.. تعرف على عادات وطقوس الليبيين في رمضان
* list 2 of 2 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق end of list

في رحاب النشأة والتكوين

ولد محمود دهيميش في زنقة عقيرب في مدينة بنغازي -التي كانت قرية صغيرة آنذاك عام 1911- ضمن أسرة بسيطة مكوّنة من والده ووالدته السيدة مجالي وأخته فاطمة وشقيقه حسن.

وكانت تلك الأيام -بحسب حديث المؤرخ الليبي والكاتب سالم الكبتي للجزيرة نت- تحتفظ ببقايا من أعوام المجاعة وندرة الأمطار والأوبئة، وذلك بعد دخول الحكم التركي طوره الأخير ومن ثم غزو إيطاليا لشاطئ جليانة ببوارجها وبحارتها واحتلالها للمدينة بعد أيام من القتال الضاري.

ففي تلك الفترة شكلت الزوايا القرآنية في المساجد منارات ثقافية وعلمية يلتقي فيها حفظة القرآن الكريم، يتلون آياته ويدرسون أحكامه ويعلمونه للصغار الذين أصبح محمود بن محمد المبروك دهيميش واحدا منهم.

صهوة الشدائد

نشأ دهيميش في رحاب جامع الوحيشي وسط المدينة، إذ بدأ بحفظ القرآن منذ أن كان عمره 4 سنوات، أي عام 1915، في أوج الحرب العالمية الأولى، وتعلم دهيميش القرآن في ظل ظروف الفقر والجوع والمرض والاحتلال، وكان يتعلم الآيات بالكتابة على اللوح بقلم القصب، بحسب المؤرخ الكبتي.

وكانت بنغازي آنذاك تضيق بسعتها من كثرة فقهاء حفظة القرآن الكريم، إذ وصل عددهم عام 1920 إلى 58 فقيها من ضمنهم الشيخ عبد النبي الترهوني الذي حفظ دهيميش القرآن الكريم على يديه عام 1921 وكان عمره آنذاك 10 سنوات.

محطات فارقة

وبعد فترة، غدا دهيميش مجودا ومرتلا، وبعدها تعرف على القارئ المصري الشيخ محمد رفعت فتأثر به، ومن ثم شجعه الأمير إدريس قبيل استقلال ليبيا وابتعثه ليواصل دراسة التجويد بالأزهر وحصل على إجازته خلال عام 1952.

إعلان

سعي الشيخ لكسب قوت يومه وأسرته دفعه لامتهان حرفة الطلاء، ومن مهنة الطلاء تحول دهيميش إلى التعليم إذ التحق بالتدريس لتعليم التربية الدينية في مدرسة الأمير الأولية أعوام الأربعينيات الماضية، ثم عمل مفتشا للتغذية المدرسية في بنغازي ثم مديرا لها حتى عام 1970، وكان قد تطوع أيام الحرب العالمية الثانية لتعليم أبناء بعض الأسر التي جلت من بنغازي في سواني عصمان وما حولها من الضواحي، بحسب المؤرخ والكاتب سالم الكبتي.

وأذن القدر بمحطة فاصلة أخرى في حياة الشيخ دهيميش وهي الإذاعة؛ ليكون بذلك أول قارئ للقرآن على الهواء، وكان أيضا من بناة الإذاعة المحلية ومؤسسيها مع بداياتها في عام 1950 أو قبلها بقليل.

مصدر الصورة توفي الشيخ المقرئ محمود دهيميش في العام 2009 عن عمر يناهز 98 عاما (صفحة الرويسات و عربها على فيس بوك)

وتر التلاوة

ويصف المؤرخ الكبتي صوت الشيخ دهيميش بالرخيم والجميل، إذ يرتل من خلاله آيات الله على سامعيه بخشوع. والتجويد بحسب الكبتي فن وإبداع، وهنا ترنم دهيميش صاحب الموهبة بالفطرة، وفق تعبيره.

وبالعودة لمحطة الإذاعة، ارتبط مستمعو مدينة بنغازي وليبيا بتلاوات دهيميش التي بثت عبر الأثير، ليغدو صوته رمزا يستقر في الوجدان لا يبرحه النسيان، فمن يتتبع مساره القرآني يتبين له أن تلاوته نسجت لنفسها -بفرادة- مكانا ثابتا في المشهد القرآني الليبي.

ارتباط تلاوته برمضان

كما اقترن صوته بشهر رمضان المبارك، وغدت تلاوته مسموعة يتردد صداها في البيوت أثناء الإفطار وخشوع التراويح، لتصبح اليوم بصمة صوتية لا تخطئها الأسماع تعلن قدوم الشهر الكريم قبل أن تعلنه التقاويم.

وما أن يحل رمضان حتى تسمع تلاواته بدءا من سحور أول يوم وحتى إفطار آخر يوم، حيث تبث تلاوته في حلقات الإفطار والسحور وفي صلاة التراويح؛ ليصبح جزءا لا يتجزأ من العادات الرمضانية اليومية في ليبيا.

بعد سنوات، عين دهيميش مقرئا بالديوان الملكي الليبي قبل أن يكلف بتأسيس مدرسة لتدريس علوم القرآن الكريم في مدينة طبرق شرق ليبيا، وأسهم في تكوين جيل من المثقفين والعلماء من أبرزهم منصور محمد الكيخيا وحسن عريبي والصادق النيهوم وغيرهم الكثير.

وامتد صيت دهيميش بين أوساط العلماء والمثقفين وكبار المشايخ في مصر وعموم المغرب العربي، وكان لصوته وتلاوته وقع بالغ على من حوله حيث شكلت زيارته والاستماع إلى مواعظه وتلاوته من أبرز معالم المشهد الثقافي في ليبيا.

عاش الشيخ المقرئ محمود دهيميش قرابة 9 عقود أخذ فيها على عاتقه رسالة العلم والدعوة، فصار صوته علامة فارقة في المشهد الديني الليبي، وترك وراءه إرثا علميا وصوتيا جمع بين التلاوة وفن الإنشاد والصرامة والرصانة البلاغية، ورحل في 27 مارس/آذار 2009 عن عمر يناهز 98 عاما، وبات صوته مرجعا للتلاوة والإحاطة الدينية ومواعظه دروسا للإرشاد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار