آخر الأخبار

"تسويق إسرائيل".. كتاب يكشف دور الهاسبارا في "غسيل الدماغ" الصهيوني للعالم

شارك

"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".. "جعل الصحاري تزهر".. خلف هذه العبارات الرنانة صعد أحد أكبر مشاريع العلاقات العامة والدعاية في العصر الحديث. في كتابها الصادر حديثا (أكتوبر/تشرين الأول 2025) عن دار "غصن الزيتون" (Olive Branch Press)، تغوص خلاله البروفيسورة هارييت مالينوفيتز في 373 صفحة لتكشف كيف صورت شبكة الدعاية الإسرائيلية ( الهاسبارا) الأكاذيب لتبدو كالحقيقة، وكيف روجت للصهيونية عالميا بينما أخفت اضطهاد الفلسطينيين وتشريدهم وتجريدهم من أملاكهم ووطنهم ومقومات حياتهم.

تقدم هارييت مالينوفيتز مؤلفة الكتاب، وأستاذة الأدب الإنجليزي المتقاعدة والمتخصصة في الكتابة والبلاغة ودراسات فلسطين وقضايا الجندر، وبصفتها مناصرة مخضرمة للحقوق الفلسطينية، وعضوا بمنظمة "صوت يهودي من أجل السلام"، في هذا الكتاب دراسة معمقة وعاجلة وضرورية لكيفية استخدام إسرائيل البارع للدعاية لتشكيل التصورات العالمية، وتبرير سياساتها، والتستر على انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 كتاب "رخصة بالقتل".. الإبادة الجماعية والإنكار الغربي تحت مجهر باسكال بونيفاس
* list 2 of 4 هآرتس: إسرائيل تجند روبوتات الدردشة لتحسين صورتها بين الأميركيين
* list 3 of 4 كيف استهدفت إسرائيل النخبة الداعمة لفلسطين خلال حرب غزة؟
* list 4 of 4 كيف نقرأ عقل الدولة الصهيونية؟ end of list

وقد حظي هذا العمل البحثيّ المُستفيض بإشادة مجلة "ببلشرز ويكلي"، المعنية بتقييم الإصدارات الجديدة، باعتباره "يتحدى الروايات السائدة بشكل دقيق ومُثير للإعجاب".

مصدر الصورة هارييت مالينوفيتز مؤلفة كتاب تسويق إسرائيل: الصهيونية، والدعاية، واستخدامات شبكة الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا)
(حساب المؤلفة الشخصي عبر الفيسبوك)

كيف تم تسويق الصهيونية للعالم؟

يعد كتاب "تسويق إسرائيل: الصهيونية، والدعاية، واستخدامات شبكة الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا)" بمثابة دراسة كاشفة -طال انتظارها- لكيفية توظيف إسرائيل للدعاية بمهارة لتشكيل التصورات العالمية، وتبرير سياساتها، والحفاظ على الدعم الغربي رغم انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن الـ19 سعت إلى توحيد "الشعب" اليهودي المنقسم أصلا تحت راية ورؤية قومية. لكن تحقيق هذا الهدف تطلب أكثر من مجرد مناورات سياسية، بل اقتضى سردية مقنعة. سواء أكان الأمر يتعلق بإقناع القوى العالمية بتأييد قيام الدولة، أو حشد اليهود لتمويل الدولة الجديدة وتوطينها، أو تصوير إسرائيل كمنارة للديمقراطية مع شيطنة المقاومة الفلسطينية، فقد اعتمد المشروع الصهيوني دائما على رسائل مُصاغة بعناية.

إعلان

في هذا السياق تحديدا، يعرض الكتاب تحليلا دقيقا لجهاز العلاقات العامة الإسرائيلي القوي. وتستند مالينوفيتز إلى عقود من بحثها ونشاطها المكثفين لكشف أساليب "الهاسبارا"، شبكة الدعاية الإسرائيلية الواسعة التي تشمل وزارات حكومية ومنظمات غير حكومية ووسائل إعلام ومؤسسات أكاديمية، وتستكشف خلال هذه الرحلة الطويلة استخدام إسرائيل التكتيكات التالية:


* "بناء صورة وطنية" (nation branding) أو بناء علامة (تجارية) وطنية، وهو عملية إستراتيجية لبناء هوية جذابة وتعزيز صورة الدولة وسمعتها عالميا، بتطبيق إستراتيجيات التسويق المؤسسي لتوكيد شرعية الدولة وجذب الاعتراف والاحترام والنفوذ، وإبراز هويتها وقيمها ومظاهر قوتها الفريدة، شاملا الثقافة والاقتصاد والسياسة وجودة الحياة. إنه نهج شامل لضمان النظر للدولة إيجابيا وتنافسيا عالميا.
* "القوة الناعمة" (soft power) قدرة الدولة على الإقناع والجذب (وليس الإكراه) من خلال الثقافة والفنون والمبادئ السياسية والدبلوماسية العامة والسياسة الخارجية، وتراثها المشترك مع الأمم والثقافات الأخرى.
* "التضليل الأخضر" (greenwashing) أو التضليل البيئي، أسلوب تسويقي خادع يزعم حماية البيئة، ويدعي زورا منتجات أو خدمات أو عمليات خضراء وأكثر رفقا بالبيئة بخلاف الواقع، لتضليل الجمهور، بينما يلحق أضرارا بالغة بالإنسان والبيئة.
* "التضليل الوردي" (pinkwashing) تسويق سياسي خادع آخر، يتبنى قضايا الشاذين والمثليين والمتحولين جنسيا ترويجا لكيان سياسي (إسرائيل في هذه الحالة)، بينما يُقوّض قضايا إنسانية ويرتكب إبادة جماعية وينتهك الحقوق والحريات، وهو شكل من "تبييض" السمعة الزائف.

ويضاف لكل ذلك، التأثير الرقمي حفاظا على صورة إسرائيل عالميا كدولة "ديمقراطية" محاصرة بزعمهم بدلا من حقيقة كونها قوة احتلال استعمارية تمارس التدمير والإبادة الجماعية.

مصدر الصورة صورة رمزية تمثل "غسيل الدماغ" عبر وسائل الإعلام (الجزيرة)

تفكيك الروايات المتداولة

في هذه الدراسة المتعمقة، تتناول مالينوفيتز عن كثب الأساطير التأسيسية للتاريخ الإسرائيلي. فتفكك "الروايات المتداولة" التي تبرر الاستيلاء التاريخي على الأراضي الفلسطينية واقتلاع أهلها منها، بما في ذلك الادعاءات بأن الأرض كانت "غير صالحة للزراعة" زمن ملكية الفلسطينيين لها -فتشير المؤلفة إلى ازدهار تجارة البرتقال في يافا في الماضي كحجة مضادة لتلك الفرية- بالإضافة إلى ادعاءات صهيونية تزعم أن محطات الإذاعات العربية هي التي أقنعت الفلسطينيين بالفرار من ديارهم خلال أحداث النكبة، أي عملية التهجير الجماعي للفلسطينيين عام 1948، وتؤرخ مالينوفيتز ظهور هذه الادعاءات لأول مرة بعد عام من النكبة.

كذلك، تتناول الباحثة معاملة إسرائيل لليهود الأوروبيين الناجين من المحرقة النازية (الهولوكوست) بعد الحرب العالمية الثانية، والذين وجدت أنهم تعرضوا "للازدراء" بل حتى للعزلة باعتبارهم "متشائمين للغاية"، (أي متحمسين لعدوانية المشروع الصهيوني مثل إسرائيل شاحاك أستاذ الكيمياء بالجامعة العبرية والناشط الحقوقي الراحل) إلى أن جعلتهم حربا 1967 و1973 أداة مفيدة لإعادة صياغة نزعة العسكرة للبلاد كجهد "لدرء الوقوع ضحية في المستقبل".

إعلان

في تحليلها، على سبيل المثال، لكيفية تسويق الدعاية الصهيونية للجمهور، تتناول مالينوفيتز تكتيكات التضليل الإعلامي، بدءا بالتضليل الأخضر (البيئي) كأسلوب خادع لتغطية جرائم استيلاء الصهاينة على أراضي فلسطين واقتلاع أهلها بزعم زراعة وتخضير الصحراء، وصولا إلى تقييد وصول الصحفيين إلى "الهاسبارا"، وهو الاسم العبري لـ"الدبلوماسية العامة" التي يمارسها المتحدثون الإسرائيليون في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث ينشرون الروايات المؤيدة لإسرائيل.

تكتب مالينوفيتز بأسلوب مقنع عن فاعلية "الهاسبارا"، مستذكرة كيف نشأت هي، كيهودية أميركية، على "قصص وأقوال مأثورة ومعتقدات" كانت "متداولة"، وتتعزز ذاتيا داخل مجتمعها. وهذا يشكل تحديا جريئا للروايات السائدة.

تطرح مالينوفيتز عددا من الأسئلة الملحة وتحاول الإجابة عنها. تتساءل الكاتبة: "كيف استطاعت مجموعة صغيرة من المفكرين والناشطين اليهود من أوروبا الشرقية، في البداية، إقناع يهود العالم بأنهم جميعا "شعب" واحد يواجه تهديدا واحدا، وله طريق واحد للخلاص، فضلا عن ضرورة أو حتمية مشتركة للسعي إليه؟" وكيف أمكنهم إقناع العالم بضمّهم إلى أسرة الأمم؟ وكيف أمكنهم إقناع جميع الأطراف المعنية -بمن في ذلك أنفسهم- بأن مشروع "تحريرهم" مشروع نبيل وهادف، وأنه حقّ راسخ لهم، دون أيّ خسائر بشرية أو أضرار جانبية؟

مصدر الصورة جهاز المخابرات الإسرائيلي يستخدم أدوات الدعاية الجماهيرية للتأثير على عقول الناس (شترستوك)

تمحيص السردية الصهيونية

تكمن الإجابات عن هذه التساؤلات في صلب كتاب "تسويق إسرائيل"، الذي لا يكتفي بدراستها منهجيا، بل يتعمّق في كيفية استخدام "الهاسبارا" -كحملة دعاية وعلاقات عامة تُنفّذ عالميا بتحريضٍ من الحكومة الإسرائيلية- لتعزيز الصهيونية، والتقليل من شأن وحقائق المظلومية الفلسطينية، والترويج للمغالطة القائلة إن الدولة التي يبلغ عمرها 78 عاما بدأت كأرضٍ خالية من السكان.

ولكن كيف نشأ لدى المؤلفة هذا الاهتمام بالسردية الصهيونية، هل نشأت وهي تعتقد أن إسرائيل ضرورية لبقاء اليهود؟

في الحقيقة، لم تسمع مالينوفيتز في بداية نشأتها الكلام المعتاد عن إسرائيل، أي أنها أُنشئت لتكون ملاذا آمنا لليهود. ما سمعته بدلا من ذلك هو أن إسرائيل مكان رائع لأن جميع سكانها من اليهود، من سائقي الحافلات، إلى عمال النظافة، والمعلمين، والمصرفيين، ورجال الشرطة، الجميع!

لكن جاءت اللحظة التي بدأت مالينوفيتز فيها تتشكك بهذا الكلام، وكان الأمر عملية تدريجية. فقد ذهبت إلى إسرائيل لأول مرة عام 1976 مع والدتها وشقيقها، ثم عادت لإسرائيل عام 1977 وقضت عدة أشهر في إحدى المشروعات الزراعية الجماعية المسماة كيبوتسات. ثم تكررت زياراتها عامي 1982 و1984.

وعندما كانت مالينوفيتز في الثامنة من عمرها، انتقلت عمتها للعيش هناك في إسرائيل. كانت تعيش في إسرائيل من عام 1962 حتى عام 1969، وكانت تتبادل الرسائل معها. تضمنت رسائلها الكثير من التفاصيل المحلية عن الكيبوتس الذي كانت تعيش فيه.

وخلال تلك الفترة طلبت منها معلمتها في المدرسة "العبرية" قراءة هذه الرسائل بصوت عالٍ في الصف، وكانت تبتسم ابتسامات عريضة حتى وصلت مالينوفيتز في القراءة إلى رسالة خلصت إلى أن إسرائيل مكان رائع للزيارة، لكن ليس للعيش فيها. فجأة انتُزعت المعلمة الرسالة من يدها.

عندما عادت عمتها إلى الولايات المتحدة، أحضرت معها زوجها عراقي الأصل، الذي كان مستاء بحق من معاملة النخبة اليهودية الأوروبية (الأشكناز) في إسرائيل لليهود الشرقيين (المزراحيين). كان خبيرا اقتصاديا، وواجه سقفا زجاجيا لا يستطيع تجاوزه في عمله وحياته هناك. وكان سعيدا بالخروج من إسرائيل.

مصدر الصورة مؤسس الصهيونية ثيودور هرتزل (شترستوك)

نقطة تحول حقيقية

خلال فترة إقامة مالينوفيتز في الكيبوتس، شاهدت رجالا فلسطينيين يعملون في الحقول غير بعيد عن أعضاء الكيبوتس والمتطوعين الدوليين، لكن عندما دُعي هؤلاء جميعا للاستراحة في "كوخ الإفطار"، رأت الفلسطينيين يواصلون العمل ببساطة. كما التقت تجارا فلسطينيين وشربت معهم الشاي في السوق العربي، في القدس القديمة، فأدركت أن ما قيل لها عن أن جميع سكان إسرائيل يهود لم يكن صحيحا. وقيل لها إنهم "عرب إسرائيليون"، دون أي تفسير منطقي. وهذا الأمر حيرها تماما. مع ذلك، كانت متأكدة أنها هي التي لم تكن تفهم شيئا.

إعلان

عندما عادت مالينوفيتز إلى الولايات المتحدة عام 1984، وانخرطت في العمل التضامني مع أميركا الوسطى، مما ولّد لديها وعيا مبكرا بهياكل الدعم العسكري الدولي والدعاية (التي كنا نتلقاها عنها كأميركيين). وفي الوقت نفسه، قرأت كتاب ليني برينر، الصادر عام 1983، بعنوان "الصهيونية في عصر الديكتاتوريات"، الذي تناول تواطؤ الصهاينة مع النازيين. فكان ذلك بمثابة صدمة أخرى.

كانت تعرف ما يكفي لأن تتحمس للانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. لكن مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، أصبح الناس يمتلكون هواتف محمولة، وكانت تسمع دويّ إطلاق النار في جنين عبر برنامج "الديمقراطية الآن!" على الراديو. وظهرت المدونات وقوائم البريد الإلكتروني التي تنقل المعلومات بطرق جديدة. لكنها -كما تقول- كانت لا تزال ساذجة بما يكفي لتُذهَل من رفض إسرائيل السماح لفريق تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة بدخول المنطقة.

كانت هذه نقطة تحول حقيقية بالنسبة لها.

مصدر الصورة استشهاد الطفل محمد الدرة في انتفاضة الأقصى في 30 سبتمبر/أيلول 2000 (الجزيرة)

أثناء وجودها في أستراليا عام 2004، تقول الكاتبة قرأتُ كتاب المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابيه، "تاريخ فلسطين الحديثة"، استعدادا لحضور لقاء صغير ضمّ صحفيين وأكاديميين ونشطاء من سيدني، كان بابيه ضيف شرف فيه. وكان من أهمّ ما استخلصته من تلك الأمسية أن عام 1948، وليس 1967، هو العام المحوري والمفتاح لفهم الوضع.

وتعلّمت أيضا درسا آخر أن التغيير لن يأتي من داخل إسرائيل، بل من الفلسطينيين وحلفائهم في بقية العالم.

وأحدث النقاش في ذلك اللقاء أثرا بالغا عليها، وعندما عادت إلى الولايات المتحدة، انكبت على البحث في تاريخ فلسطين والصهيونية، ودمجت هذه الاهتمامات بنهاية المطاف مع بحثها في الدعاية (Propaganda)، الذي كانت قد بدأته بالفعل. وسرعان ما أدركت رغبتها في تأليف كتاب عن الصهيونية والدعاية، لكنّ إنجاز هذا المشروع استغرق منها 20 عاما!

الصهاينة والهولوكوست

لكن في هذا السياق نفسه، هل الفكرة التي تزعم أن الله وعد اليهود بأرض إسرائيل لا تزال راسخة إلى حد كبير؟ تعتقد مالينوفيتز أن الناس يخشون المساس بالمعتقدات الدينية للآخرين، خاصة فيما يتعلق بالله. إضافة إلى ذلك، لا يزال كثيرون يصدقون هذا الادعاء!

وكانت مالينوفيتز قد كتبت أن الإسرائيليين نادرا ما كانوا يستدعون أو يستحضرون المحرقة النازية (الهولوكوست) قبل ستينيات القرن الماضي، إذ كان يُعتقد أن الإقرار بفقدان 6 ملايين يهودي يُعدّ علامة ضعف، وكأنهم ذهبوا إلى حتفهم "كالأغنام إلى المذبح". ومع ذلك، تُشير أيضا إلى أن ديفيد بن غوريون اعتبر الإبادة الجماعية "كارثة نافعة".

لقد صُدِمت المؤلفة من مدى الاستخفاف الذي كان يُمارس ضد الناجين من المحرقة النازية في السنوات الأولى لتأسيس إسرائيل، وكأن هؤلاء الناجين وصمة عار على "الرجولة" الإسرائيلية يجب محوها. ولاحقا، حدث تحول أيديولوجي، فقد "طمأن" الجيش الإسرائيلي العالم بأنه قوي وعازم وقادر على الرد حال تعرضه للهجوم، لكن في الوقت ذاته، كان يُمكن استحضار المحرقة كتذكير بمظلوميتهم الدائمة، لتبرير جميع أعمالهم باسم تجنب إبادة جماعية أخرى ضد الشعب اليهودي. وبالمثل، استُخدمت المحرقة إستراتيجيا عندما تخدم جمع التبرعات الدولية أو عندما تكون هناك حاجة لكسب التعاطف مع إسرائيل كدولة يُزعم أنها مُحاصرة.

سفينتان تحملان 1014 لاجئا يهوديا وناجين من المحرقة إلى حيفا في الأول من يناير 1945 (غيتي)

السيطرة على الخطاب اليهودي

بعض الناس يتم الحديث باسمهم، ويُستغلون في نهاية المطاف من قِبل آخرين. إن ادعاء فصيل ما بأن الجميع متحدون، وأن هناك شعبا يهوديا واحدا ليس إلا دعاية. وهذا يُذكّر بالحركة النسوية "البيضاء" في سبعينيات القرن الماضي، حيث ادّعت قلة من النساء التحدث باسم "جميع النساء". لكن من انتخبهن؟

وقد لعبت النزعة الاشتراكية، آنذاك، دورا مهما في حشد كثير من الصهاينة أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20. والحقيقة أنه حتى عام 1977، عندما انتُخب مناحيم بيغن رئيسا للوزراء وأصبح الليكود قوة سياسية، كانت الكيبوتسات -بنظامها الاشتراكي- خاضعة لهيمنة الأشكناز، وتتلقى دعما حكوميا كبيرا من حزب العمل (المعراخ) الحاكم آنذاك. ولم تكن هذه الكيبوتسات في الواقع مكتفية ذاتيا. ومن بعض النواحي، كانت "الاشتراكية" مجرد أيديولوجية ونمط حياة أكثر منها اقتصادا حقيقيا، وأقرب إلى الصهيونية منها إلى الماركسية. وبحلول ثمانينيات القرن الـ20، اضطرت الكيبوتسات إلى تغيير مسارها للبقاء، فتحولت من الزراعة إلى الصناعة، سياحة وتصنيعا وتطويرا عقاريا وتكنولوجيا. وبذلك تلاشت روح الجماعية المثالية (الطوباوية).

إعلان

ومن الأمور التي نجحت الدعاية الصهيونية طويلا في نشرها فكرة أن إسرائيل ضرورية لبقاء اليهود وأصبحت حقيقة مُسلّمة. لكن اللافت أن ما كان مقترحا من بدائل عن الصهيونية لم يحظ بالقبول.

وتلفت مالينوفيتز إلى أن اندماج اليهود بمختلف البلاد كان أحد البدائل التي اختارها كثير من يهود أوروبا، لكنه يُقوّض المشروع الصهيوني، ولذا كان تشويه صورة "الاندماج" مهمة شاقة للحركة الصهيونية. فقد نادى "البوند" أو الاتحاد العمالي اليهودي العام (Bund) باستقلال ذاتي ثقافي، أساسه ثقافة ولغة "اليديش"، ومكافحة جميع أشكال التمييز، ودعم نضالات العمال، ومكافحة معاداة السامية، ومعارضة قيام دولة يهودية منفصلة في فلسطين. ولطالما كان هذا منطقيا بالنسبة للكاتبة. كما اعتُبرت الهجرة إلى أميركا الشمالية وغيرها بديلا مرغوبا به. وكان هناك أيضا صهاينة ثقافيون يرون أن فلسطين يُمكن أن تكون ملاذا آمنا دون الحاجة إلى دولة حقيقية كاملة.

لم يحظَ "البوند" بشهرة واسعة في الولايات المتحدة، ولم يُرسّخ برنامجه كما فعلت الحركة الصهيونية. بل بدلا من ذلك، دفع الصهاينة بفكرة "إسرائيل" باعتبارها الحل الوحيد لمعاداة السامية، والسبيل الوحيد لأمن اليهود.

أساطير التأسيس وإنكار النكبة

ناقشت مالينوفيتز ودحضت كثيرا من الأساطير حول إسرائيل، بدءا من فكرة أن الأرض كانت خالية من السكان وصولا إلى فكرة أن الإسرائيليين جعلوا الصحراء تزهر. بل تتبعت سبل شيوع هذه الأفكار.

وترى مالينوفيتز أن عبارات تختصر أساطير المشروع الصهيوني التأسيسية، مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"جعل الصحاري تزهر"، بواسطة الإسرائيليين هي مجرد "أغانٍ تسويقية" (Marketing Jingles)، بتعبير الإسرائيلي المغترب والمناهض للصهيونية، موشيه ماخوفر. لكن رغم كونها أكاذيب سخيفة، فقد ترسخت هذه العبارات. والأمر هنا أشبه بفكرة أن كولومبوس "اكتشف" أميركا، والتي يصدقها المرء حتى يرى دليلا، ويدرك سخافة الفكرة.

وتعتقد مالينوفيتز أيضا أن عبارات مثل "جعل الصحاري تزهر" جذابة لأنها تمنح الإسرائيليين قدرات شبه خارقة. فهي تجعلهم يبدون وكأنهم قادرون على فعل المعجزات، وترفع من شأنهم في الوجدان الشعبي الغربي. وطالما بقي أتباع الحركة الصهيونية مرتاحين في "الفقاعة المنطقية" لمنظمات مثل الصندوق القومي اليهودي، والمؤتمر اليهودي العالمي، وهليل، وبيرثرايت، فإنهم يحصلون على مكافأة أو إثابة كبيرة: شعور بالزمالة والانتماء والغاية.

لكن الأهم أنه كان هناك كثير من الإنكار الإسرائيلي والتشكيك المصطنع حول أحداث نكبة 1948 الفلسطينية وما جرى فيها من احتلال وتشريد واقتلاع وإزالة مئات القرى الفلسطينية لضمان عدم عودة اللاجئين الذي تم تهجيرهم منها. وقد استخدم هذا الإنكار والتشكيك آلة الدعاية الإسرائيلية بكفاءة.

صورة أرشيفية 1948- مهجرون فلسطينيون يفرون من قرية في الجليل (رويترز)

وترى مالينوفيتز أن التشكيك قد يكون سلاحا فتاكا. فهناك نموذج طورته مثلا صناعة التبغ، واستخدمه كل من الصهاينة ومنكري تغير المناخ والمحرقة النازية والإبادات الجماعية. والفكرة هي وجود روايتين متنافستين، ويجب النظر في كلتيهما على قدم المساواة، بدلا من فحص صدقيتهما ابتداء. لهذا السبب استغرق الأمر وقتا طويلا لإقناع الجمهور بأن التدخين يسبب السرطان، لأن مُشغّلي هذه الصناعة تحدّوا الخبرة العلمية بـ"أبحاثهم" الخاصة، مما جعل الناس يعتقدون مثلا أن الأمر لا يزال قيد البحث والتحقيق، ويمكن لهم الاستمرار في التدخين حتى يصبح الخطر واضحا أو حاضرا. وينطبق الأمر نفسه على إنكار نكبة فلسطين. فإذا لم يكن الصهاينة -أمام العالم- قد أجبروا الفلسطينيين على الخروج عام 1948، فإنهم بالتالي لا يتحملون أي مسؤولية عن اللاجئين.

وبفضل خبرتها الواسعة في تحليل الخطاب النقدي، وسجلها الحافل بالنشر في منابر إعلامية مرموقة مثل "موندوفايس" (Mondoweiss) و"سليت" (Slate) و"مراجعات نسائية للكتب" (The Women’s Review of Books)، قدمت مالينوفيتز نقدا دقيقا ومدروسا بعناية لكيفية تحويل الصهيونية الخداع إلى عقيدة واستثمرته في استدامة نكبة فلسطين وكوارث الاحتلال والاستيطان والقمع والتدمير الشامل والإبادة الجماعية.

يفكك هذا الكتاب جوانب مهمة من السردية الصهيونية، على طريق تفكيك المشروع الصهيوني الإمبريالي الاستيطاني الإحلالي ومعه منظومة الاستعمار والهيمنة الغربية. ويُعدّ بجدارة مرجعا أساسيا لكل من يسعى لفهم إستراتيجيات الدعاية المتجذرة وراء إحدى أطول قضايا التحرر الإنساني من الاستعمار أمدا، وأكثر الصراعات إثارة للاهتمام والنقاش والحراك السياسي في العالم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار