في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت – بين رائحة القهوة المتسللة من الفناجين، وورود تُرتب بعناية على رفوف تستعيد دفء البيوت البيروتية القديمة، تتدلى الثريات فوق قناطر تشبه تلك التي لطالما زيّنت منازل بيروت العتيقة.
في أحد شوارع الحمراء، يبدو "بيت ورود" أقرب إلى زاوية تحتفظ بشيء من روح المدينة، أكثر من كونه مجرد مقهى أو محل زهور. لا يحاول المكان بيع القهوة والورد فقط، بل ترميم ما تركته الخسارات المتكررة خلفها. مساحة وُلدت من محاولة دائمة للنجاة، ومن ذاكرة بيت غاب تحت الركام، فيما يواصل الحلم خروجه من بين الأنقاض مرة بعد أخرى.
قبل سنوات، لم تكن بتول تتخيل أن يتحول الركن الصغير في منزلها إلى مشروع يعرفه الناس في قلب بيروت، كل ما كانت تملكه حينها "براندا" (شرفة) منزلها في الضاحية الجنوبية، وبعض الورود التي بدأت تنسقها بيديها بدافع الشغف.
تقول بتول للجزيرة نت إن أول وردة عملت عليها كانت على تلك الشرفة الصغيرة، ومن هناك جاءت فكرة الاسم، "بيت ورود" لم يكن مجرد عنوان لمشروع، بل انعكاسا لعلاقتها بالبيت نفسه، ذلك المكان الذي ارتبط بالورد والقهوة والتفاصيل اليومية البسيطة.
وتوضح أن أكثر ما كانت تحبه في المنزل شيئان: الورد الذي تعمل فيه، والقهوة التي تجمع العائلة كل صباح، لذلك شعرت أن الجمع بين الاثنين في مساحة واحدة يشبه حياتهم تماما.
على مدى سبع سنوات، بقيت "البراندا" مساحة العمل الأولى، كانت تحضر تنسيقات الورد، وتلتقط الصور، وتحاول بناء مشروعها الصغير خطوة بخطوة، لكن الحرب غيرت كل شيء.
في عام 2024، دُمر المنزل الذي احتضن الحلم، واختفت معه الشرفة التي بدأت منها الحكاية. لم يكن الأمر مجرد خسارة لمكان مادي، بل خسارة لذاكرة كاملة مرتبطة بالبيت وتفاصيله.
ورغم ذلك، قررت بتول ألا تتوقف. انتقلت الفكرة إلى محل صغير في الضاحية الجنوبية، محاولة استعادة ما خسرته ولو بشكل جزئي. لكن الحرب لاحقت المشروع مرة أخرى، إذ تضرر المحل خلال التصعيد الأخير في عام 2026.
تقول بتول إنهم، بعد كل خسارة، كانوا يشعرون للحظة بالخوف والتعب، لكنهم كانوا يعودون سريعا إلى فكرة واحدة: "إذا راح المكان، سنعود ونبني غيره".
اليوم، عاد "بيت ورود" بحلة جديدة في منطقة الحمراء، لكن أصحاب المشروع لم يريدوا أن يكون المكان مجرد مقهى عصري يشبه عشرات الأماكن الأخرى في بيروت، بل كانوا يريدونه أن يحمل روح البيت الذي خسروه.
لهذا السبب، تبدو تفاصيل الديكور وكأنها محاولة لإعادة تركيب الذاكرة: القناطر الحجرية، الشبابيك العالية، الكنبات والكراسي الخشبية، وحتى الرفوف الصغيرة، جميعها مستوحاة من البيوت البيروتية القديمة.
أما محمد، شريك المشروع وشريك حياة بتول، فيروي أن حكاية القهوة بدأت قبل سنوات، حين حاولا تحويل مطبخ منزلهما القديم إلى إستوديو صغير ومساحة مفتوحة لتجارب القهوة واكتشاف نكهاتها المختلفة.
ويقول في حديثه للجزيرة نت إنه، رغم عمله طاهيا لا "باريستا"، كان يحمل شغفا كبيرا بالقهوة، ويمضي ساعات طويلة في ابتكار وصفات جديدة وتجربة خلطات غير مألوفة، بحثا عن مذاق يشبه حكايتهما الخاصة.
قبل الحرب، كانا ينشران عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصفات تجمع القهوة بالفواكه أو بنكهات غير تقليدية، وكانت تحظى بتفاعل واسع من المتابعين. ومع الوقت تحولت تلك التجارب المنزلية إلى جزء أساسي من هوية المشروع.
بعد تدمير المنزل، لم يعد ممكنا تنفيذ حلم "ركن القهوة" الذي أراداه داخل البيت، لكن الفكرة بقيت ترافقهما، وحين تضرر "محل الورد" أيضا، قررا أن تكون العودة مختلفة هذه المرة، عبر دمج القهوة والورد في مكان واحد.
داخل "بيت ورود"، تبدو القهوة امتدادا لفكرة المكان نفسه، فحتى المشروبات تحمل بصمتهم الخاصة، مثل "بيت ورود آيس لاتيه" الذي يجمع بين القهوة والحليب والشوكولاتة البيضاء وشراب الورد، في محاولة لابتكار نكهات تشبه هوية المشروع.
لكن بالنسبة لأصحاب المكان، لا تختصر الحكاية في القهوة أو الورد فقط، بل في فكرة الاستمرار نفسها.
يقول محمد إن ما يقومون به هو شكل من أشكال "المقاومة الاجتماعية والاقتصادية" في مواجهة حرب حاولت دفع الناس إلى الإحباط وفقدان الرغبة في البدء من جديد.
ويضيف: "إن العدو الإسرائيلي لا يستهدف الحجر فقط، بل يحاول ضرب قدرة الناس على التمسك بالحياة"، لذلك فإن إعادة افتتاح المحل بعد كل مرة يتضرر فيها، بالنسبة لهم، هو جزء من معركة الصمود اليومية.
ورغم الديون والخسائر المتكررة، يصر أصحاب المشروع على الاستمرار. فالمحل الأول افتُتح بديون، ثم دُمر، وأعيد افتتاحه مجددا بالطريقة نفسها، على أمل أن ينجح مرة أخرى.
في المقابل، لعب دعم الأصدقاء والزبائن دورا أساسيا في تشجيعهم على المتابعة. تقول بتول إن أكثر ما أثر فيها رسالة وصلتها من إحدى الفتيات عبر "فيسبوك"، كتبت فيها: "أحببت المكان لأنه يشبه الأمهات، فأمي وردة وفنجان قهوة".
بتول ترى أن هذه العبارة اختصرت بالنسبة لها معنى "بيت ورود"، فالمكان لم يُبنَ ليكون مشروعا تجاريا فقط، بل مساحة تمنح الناس شعورا بالدفء والأمان.
وفي مدينة أنهكتها الأزمات والحروب والتغيرات السريعة، يحاول "بيت ورود" أن يحافظ على شيء من روح بيروت القديمة؛ المدينة التي كانت المقاهي فيها امتدادا للبيوت، وكانت القهوة جزءا من الطمأنينة اليومية.
هنا، لا يأتي الناس فقط لشراء باقة ورد أو احتساء فنجان قهوة، بل للجلوس داخل مساحة تشبه البيت، ولو لساعات قليلة. مساحة تقول: "وسط كل هذا الخراب، لا تزال الحياة قادرة على أن تبدأ من جديد".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة