العقبة الجديدة أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي.. كيف تمنعهم المواقع من تنفيذ مهامك؟
تبدأ موجة جديدة من الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي مع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين، مثل ميوز من "ميتا" وInstinct وDots من تشات جي بي تي وغيرها، إذ لم تعد هذه الأدوات تكتفي بالإجابة عن أسئلة المستخدمين، بل أصبحت قادرة على تنفيذ مهام حقيقية نيابة عنهم، مثل حجز الرحلات الجوية، وإجراء حجوزات المطاعم، وطلب البقالة، وغير ذلك.
وتكمن أهمية هذه الوكلاء في أنها تتيح للمستخدمين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى امتلاك مهارات تقنية متقدمة لإعداد وكيل مثل OpenClaw أو تشغيله على جهاز الكمبيوتر الشخصي.
لكن هذه الرؤية المستقبلية تصطدم بعقبة كبيرة: ماذا يحدث عندما يرفض الموقع الإلكتروني الذي يحتاج الوكيل إلى استخدامه السماح له بالدخول؟
بدأ المستخدمون الذين يعتمدون على هذه الأدوات في مواجهة مشكلات متزايدة عند محاولة وكلائهم تنفيذ المهام المطلوبة، لأن المواقع التي يفترض أن يتعامل معها الوكيل قد تمنعه من الوصول أو التعامل مع محتواها، بحسب تقرير نشره موقع "تك كرانش" واطلعت عليه "العربية Business".
وكانت أحدث الحالات عندما بدأت "أمازون" في حظر وكيل ميوز التابع لشركة ميتا من موقعها للتجارة الإلكترونية، ما منع الوكيل من تصفح المنتجات أو إجراء عمليات شراء من الكتالوج الخاص بالشركة.
المشكلة أكبر من "أمازون" وميوز
لا تقتصر المشكلة على "أمازون"أو وكيل ميوز، إذ تشير شكاوى المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يواجهون عمليات حظر مماثلة على مواقع أخرى.
وفي بعض الحالات يكون الحظر متعمدًا، كما يبدو في حالة "أمازون"، بينما يحدث في حالات أخرى بسبب أنظمة مكافحة الروبوتات التقليدية التي تستخدمها المواقع لحمايتها من الرسائل المزعجة والأنشطة الخبيثة والزيارات الآلية.
لكن المستخدم النهائي لا يعرف غالبًا ما إذا كان الموقع قد تعمد منع وكيله أم أن الحظر حدث عن طريق الخطأ بسبب أنظمة الحماية الآلية.
وهذا يترك المستخدم في موقف محبط، إذ قد لا يعرف ما إذا كانت المشكلة من المتجر أو الموقع الذي يحاول التعامل معه، أم من وكيل الذكاء الاصطناعي نفسه.
على سبيل المثال، رصد موقع "تك كرانش" عددًا من الشكاوى على وسائل التواصل الاجتماعي من مستخدمين قالوا إن ميوز لم يتمكن من إتمام عمليات شراء عبر موقع "وول مارت".
كما ذكرت "NBC" أن "وول مارت" واجهت المشكلة نفسها خلال اختبارات وكيل الذكاء الاصطناعي.
لكن متحدثًا باسم "وول مارت" أوضح أن الأمر لم يكن حظرًا متعمدًا، مشيرًا إلى أن الشركة شريكة أصلًا مع ميوز، وهو ما أعلنته "ميتا" خلال مؤتمر Connect للمطورين في سبتمبر.
وأكدت "وول مارت" أنها تريد أن تكون متاحة لعملائها أينما كانوا، وأن هذا يشمل الآن تجارب التسوق التي تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي.
زر صغير قد يطرد وكيل الذكاء الاصطناعي
تبدو المشكلة التي يواجهها مستخدمو "وول مارت" مرتبطة بآلية بسيطة ظاهريًا، لكنها قد تكون كافية لإفشال المهمة بالكامل.
وعند تصفح الموقع، يظهر للمستخدم زر يجب الضغط عليه للتحقق من أنه إنسان وليس روبوتًا. وإذا تعطل هذا الإجراء أو لم يتفاعل الوكيل معه بالطريقة المطلوبة، فقد تفشل عملية التحقق، ليتم طرد وكيل الذكاء الاصطناعي من الموقع.
وتكشف هذه الحالة عن مشكلة أعمق في البنية الحالية للويب: أن الأدوات التي صُممت للتأكد من أن الزائر إنسان ولحماية المواقع من البريد المزعج والروبوتات الضارة، قد لا تكون مناسبة للعصر الجديد الذي بدأت فيه الوكلاء الآلية تتصفح الويب نيابة عن البشر.
معيار جديد للفصل بين الروبوت الجيد والروبوت السيئ
لمواجهة هذه المشكلة، بدأت مجموعة من الشركات، من بينها "ميتا" و"وول مارت" و"Stripe" و"Sierra" و"Genesys" و"Rocket" و"NiCE" و"Decagon"، العمل على معيار مفتوح جديد يحدد طريقة تواصل وكلاء الذكاء الاصطناعي مع الشركات والمواقع.
وتهدف الفكرة إلى التمييز بين الوكلاء الذين يتصرفون نيابة عن المستخدم بشكل مشروع، وبين الروبوتات التي تستخدم المواقع لأغراض ضارة أو غير مرغوب فيها.
وقالت "ميتا" إن البروتوكول الجديد سيركز تحديدًا على التواصل بين الوكلاء لتنفيذ عمليات التجارة الإلكترونية، بما يسمح للشركات بفهم الوكلاء الذين يتعاملون معها ومنحهم صلاحيات مناسبة بدلًا من حظر جميع الأنشطة الآلية بشكل عشوائي.
لكن ليس كل الشركات مستعدة بعد لاستقبال وكلاء الذكاء الاصطناعي.
شركات الطيران تضع قيودًا على الوكلاء
يُعد حجز الرحلات الجوية أحد أبرز الاستخدامات التي يجري الترويج لها لوكلاء الذكاء الاصطناعي، إلا أن عددًا من المستخدمين أبلغوا عن رفض شركات الطيران السماح للوكلاء بتنفيذ طلباتهم.
وقالت Delta إنها تتخذ إجراءات لحماية العملاء من الأنشطة الآلية غير المصرح بها، وإن فتح منصاتها أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي يجب أن يتم مع مراعاة الأمان وتجربة العملاء.
وأوضحت هينا تشافدا، المديرة العامة للاتصالات العالمية في Delta، أن الشركة لا تمتلك حاليًا شراكة أو تكاملًا يسمح لوكيل ذكاء اصطناعي تابع لجهة خارجية بالبحث عن رحلات Delta أو حجزها نيابة عن العميل عبر منصاتها الرقمية.
وأضافت أن الشركة تواصل تقييم الطريقة التي يمكن أن تساعد بها التقنيات الجديدة، بما في ذلك وكلاء الذكاء الاصطناعي الخارجيون، في تحسين تفاعل العملاء مع Delta.
أما United Airlines، فلم تكن إجاباتها مباشرة بالقدر نفسه، لكنها أشارت إلى شروط الاستخدام الخاصة بها، والتي تمنع المستخدمين من استخدام أي روبوت أو برنامج زحف أو جهاز آلي أو عملية يدوية لمراقبة الموقع أو نسخ محتواه أو استخدامه لأي غرض غير مصرح به دون الحصول على إذن كتابي مسبق.
ولم ترد الشركة على سؤال متابعة حول ما إذا كانت تحظر وكلاء ذكاء اصطناعي شخصيين محددين، مثل ميوز.
"Yelp" و"eBay" و"Zillow" وغيرها تواجه الموجة نفسها
تضمنت شكاوى المستخدمين الأوائل على وسائل التواصل الاجتماعي أسماء عدد من الشركات التي يُقال إنها تمنع وكلاء الذكاء الاصطناعي، من بينها "Yelp" و"eBay" و"Zillow" و"Pizza Hut" و"أديداس"، إلى جانب عدد من شركات الطيران.
ويعتقد بعض المستخدمين أن عمليات الحظر هذه ازدادت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة.
وقال مستخدمون إن "eBay" علّقت حساباتهم بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بينما اشتكى مستخدم آخر من أن "غوغل" أخرج وكيل Instinct من حسابه أثناء قيامه بتنظيف صندوق Gmail نيابة عنه.
لكن سياسات الشركات تختلف من حالة إلى أخرى.
فقد أوضحت "Yelp" أنها لا تسمح بحركة المرور غير البشرية على منصتها، إلا إذا دفع الوكيل مقابل الوصول إلى محتوى وبيانات "Yelp" من خلال برنامج ترخيص البيانات الخاص بها.
وبالتالي، فإن أي وكيل يحاول استخدام الموقع للحصول على عرض سعر أو إضافة مستخدم إلى قائمة انتظار أو حجز طاولة قد يفشل في مهمته إذا لم تكن لديه شراكة رسمية مع "Yelp".
أما "eBay"، فأوضحت أن سياستها لا تقوم على منع جميع وكلاء التسوق التابعين لجهات خارجية من إتمام عمليات الشراء، وإنما تفرض قيودًا على الوكلاء والأنشطة غير المصرح بها، مثل جمع البيانات آليًا وتدريب النماذج عليها.
Cloudflare قد تكون جزءًا من المشكلة
تلعب Cloudflare دورًا مهمًا في هذا المشهد، إذ توفر للشركات أدوات لحماية مواقعها من وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين قد يستخدمون بياناتها في تدريب النماذج، إلى جانب إدارة أنواع أخرى من النشاط الآلي.
ويشتبه بعض المتابعين في أن Cloudflare وشبكات توصيل المحتوى الأخرى CDN قد تتسبب حاليًا في تعطيل حركة مرور ميوز.
ويرتبط ذلك بتغيير في الإعدادات الافتراضية لبرامج الزحف أجرته Cloudflare في 15 سبتمبر، حيث أصبح بإمكان أصحاب المواقع منع استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي مع السماح في الوقت نفسه بأنواع أخرى من الروبوتات.
لكن بعض المواقع التي كانت معدة مسبقًا لمنع روبوتات الذكاء الاصطناعي لأسباب أمنية، انتقلت لاحقًا إلى منع وكلاء الذكاء الاصطناعي في أي صفحات تحتوي على إعلانات.
وعندما سُئلت Cloudflare عما إذا كانت لديها معلومات محددة حول عمليات حظر وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين مثل ميوز، قالت الشركة إنها لا تملك بيانات محددة يمكن مشاركتها في الوقت الحالي، ووجهت إلى منصة Cloudflare Radar العامة والمجانية.
وتُظهر المنصة ارتفاع نشاط الروبوتات، وهو أمر سبق أن تحدثت عنه Cloudflare، لكنها لا تميز بين الروبوتات التي تعمل بشكل مشروع نيابة عن المستخدمين وتلك التي قد تكون ضارة.
صراع جديد حول من يملك بيانات الويب
لدى Cloudflare أيضًا مصلحة تجارية مباشرة في إدارة حركة مرور الذكاء الاصطناعي إلى المواقع، إذ تدير حاليًا سوقًا يتعين على روبوتات الذكاء الاصطناعي من خلاله الدفع مقابل البيانات التي تصل إليها.
كما بدأت الشركة مؤخرًا اختبار متصفح ويب مصمم خصيصًا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى أن العلاقة بين الوكلاء والمواقع أصبحت مجالًا تجاريًا وتقنيًا مستقلًا سريع النمو.
وفي ظل هذا التطور المتسارع، تبدو استراتيجية "ميتا" القائمة على عقد شراكات مباشرة مع العلامات التجارية لإتاحة الوصول إلى ميوز خطوة منطقية.
فالشراكة تعني أن مستخدم ميوز يعرف مسبقًا أن وكيله مرحب به على موقع الشريك، وبالتالي فإن أي مشكلة في الوصول يمكن التعامل معها باعتبارها خللًا تقنيًا يمكن الإبلاغ عنه، بدلًا من أن تظل نتيجة غامضة لأنظمة الحماية الآلية.
هل يحتاج الويب إلى إعادة بناء قواعده من أجل الوكلاء؟
تحتفظ "ميتا" أيضًا بقائمة من الموصلات أو الشركاء داخل تطبيق ميوز، وهي القائمة التي تواصل التوسع مع إضافة مزيد من الخدمات.
ولم تظهر العديد من الشراكات الجديدة التي أعلنتها "ميتا" بعد في هذه القائمة، لكن مع التوسع السريع في قدرات ميوز، بما في ذلك أدوات مخصصة للشركات الصغيرة، يبدو أن إعادة تنظيم قائمة الموصلات أصبحت مسألة قريبة.
وتلخص "ميتا" فلسفتها تجاه هذه المرحلة الجديدة بوضوح: منع الوكيل الشخصي يعني في النهاية منع العميل الذي يقف خلفه.
وترى الشركة أن الحل ليس في ترك الشركات أبوابها مفتوحة أمام جميع أنواع الروبوتات، ولا في منع الوكلاء بشكل شامل، وإنما في وضع قواعد واضحة تمنح الشركات تحكمًا أكثر قابلية للتنبؤ، وتسمح في الوقت نفسه للوكلاء الموثوقين بتنفيذ المهام التي يطلبها المستخدمون.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الإجابة عن الأسئلة إلى التصرف نيابة عن المستخدم على الإنترنت، قد تصبح قدرة الوكيل على الدخول إلى المواقع والتعامل معها أهم من قدرته على فهم التعليمات نفسها.
فالمرحلة المقبلة من الويب لن تتعلق فقط بما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، وإنما أيضًا بما إذا كانت المواقع ستسمح له بالقيام به.