تتجه معركة الذكاء الاصطناعي إلى ساحة جديدة لا تعتمد بالكامل على مراكز البيانات العملاقة، بعدما طرحت شركة علي بابا نموذجا جديدا من عائلة كوين (Qwen) مصمما للعمل محليا على أجهزة الحاسوب الشخصية، في خطوة تستهدف منافسة ميتا في سوق النماذج مفتوحة الأوزان.
وأطلقت الشركة الصينية نموذج "كوين 3.8-27 بي" (Qwen3.8-27B)، الذي يضم 27 مليار معامل، مع إتاحة أوزانه للمطورين، بحيث يمكن تنزيله وتشغيله على عتاد محلي بدلا من إرسال كل طلب إلى خوادم سحابية، وتزامن ذلك مع إتاحة أوزان نموذج "كوين 3.8-ماكس" (Qwen3.8-Max) الأكبر، في إشارة إلى إستراتيجية مزدوجة تجمع بين نماذج قوية لمراكز البيانات وأخرى أصغر موجهة إلى الأجهزة الشخصية.
الفكرة التقنية وراء "كوين 3.8-27 بي" ليست مجرد تصغير نموذج ضخم، وإنما جعل تشغيل نموذج متقدم ممكنا على أجهزة أقل قدرة من البنية التحتية المستخدمة في تدريب النماذج العملاقة.
وتصف علي بابا النموذج بأنه نموذج متعدد الوسائط قادر على التعامل مع الصور والفيديو إلى جانب النص، مع نافذة سياق أصلية تبلغ 262 ألف رمز، يمكن توسيعها إلى مليون رمز، كما صُمم لتنفيذ مهام متعددة الخطوات، وهو ما يجعله مناسبا لتطبيقات الوكلاء الذكيين التي تستطيع التخطيط وتنفيذ سلسلة من الإجراءات بدلا من الاكتفاء بإجابة نصية واحدة.
وتكمن أهمية التشغيل المحلي في أن عملية الاستدلال، أي توليد الإجابات بعد تدريب النموذج، تتم على جهاز المستخدم، وهذا يمكن أن يقلل الاعتماد على الاتصال بالإنترنت، ويمنح المستخدم سيطرة أكبر على البيانات الحساسة، كما قد يخفض تكاليف استخدام النماذج مقارنة بالخدمات التي تحاسب على عدد الرموز المعالجة في السحابة.
لكن تشغيل نموذج بهذا الحجم لا يعني أن أي حاسوب محمول قادر على تشغيله بالسرعة نفسها، فمتطلبات الذاكرة والحوسبة تختلف بحسب الدقة وطريقة الضغط المستخدمة، وتوجد نسخ مضغوطة من النموذج لتقليل استهلاك الذاكرة وتمكين تشغيله على أجهزة أكثر محدودية. كما تتوافر أدوات لتشغيله محليا عبر منصات مثل "ترانسفورمرز" (Transformers) و"في إل إل إم" (vLLM) و"إس جي لانغ" (SGLang).
جاء إطلاق "كوين 3.8-27 بي" بعد أيام من خطوة مماثلة من ميتا، التي كشفت عن "ميوز غليمر" (Muse Glimmer)، وهو نموذج مفتوح الأوزان يضم 30 مليار معامل ومصمم للعمل محليا على جهاز "ماك" (Mac) أو حاسوب شخصي باستخدام بطاقة رسومات استهلاكية واحدة. وتركز ميتا في النموذج على الوكلاء الذين يعملون بصورة مستمرة، واستخدام الأدوات، والبرمجة، وتنفيذ المهام الطويلة والتعامل مع حالات الفشل.
وبذلك تبدو المنافسة بين الشركتين مختلفة عن السباق التقليدي على أكبر نموذج. فبدلا من التركيز فقط على عدد المعاملات أو نتائج اختبارات الأداء، تحاول علي بابا وميتا جعل نماذج قادرة على تنفيذ مهام معقدة متاحة مباشرة على أجهزة المستخدمين.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بسبب طبيعة النماذج مفتوحة الأوزان، فإتاحة الأوزان تسمح للمطورين بتنزيل النموذج وتخصيصه ودمجه في تطبيقاتهم، بدلا من استخدامه حصرا عبر واجهة برمجة تطبيقات تديرها الشركة المنتجة، وقد أصبحت هذه الإستراتيجية جزءا رئيسيا من المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية والصينية.
لا تراهن علي بابا على أداء النموذج وحده، بل على النظام البيئي المحيط به، ووفقا للشركة، تضم عائلة كوين أكثر من 460 نموذجا مفتوحا، ونتج عنها أكثر من 300 ألف نموذج مشتق، بينما تجاوز إجمالي التنزيلات العالمية لنماذجها 3 مليارات تحميل.
وهذه الأرقام مهمة لأن قوة النموذج المفتوح لا تقاس فقط بعدد مستخدميه المباشرين، وإنما أيضا بعدد المطورين الذين يبنون عليه نماذج وتطبيقات جديدة. وكلما توسعت قاعدة المطورين، ازدادت فرص ظهور أدوات وبرمجيات تجعل النموذج أكثر انتشارا.
وتشير وثائق علي بابا إلى أن الشركة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه منظومة متكاملة تمتد من الشرائح والبنية السحابية إلى النماذج والتطبيقات. وفي تقريرها السنوي، قالت إن إيرادات أعمالها الخارجية في الحوسبة السحابية نمت 40% في الربع الأخير من السنة المالية 2026، وإن منتجات الذكاء الاصطناعي شكلت 30% من تلك الإيرادات.
لا يعني انتشار النماذج المحلية أن الحوسبة السحابية ستختفي، فالنماذج الأكبر والأكثر تعقيدا تحتاج إلى موارد حوسبة ضخمة، كما أن التدريب الأولي للنماذج المتقدمة يظل مرتبطا بمراكز بيانات متخصصة.
لكن تشغيل نماذج أصغر على الأجهزة الشخصية قد يغيّر توزيع العمل بين الجهاز والسحابة. ويمكن، مثلا، معالجة المهام البسيطة أو الحساسة محليا، بينما ترسل العمليات التي تتطلب قدرات أكبر إلى السحابة، وقد يؤدي هذا النموذج الهجين إلى خفض الضغط على مراكز البيانات وتحسين الاستجابة في بعض الاستخدامات.
كما يطرح الذكاء الاصطناعي المحلي تحدياته الخاصة، أبرزها استهلاك الذاكرة والطاقة، وارتفاع متطلبات المعالجة، وصعوبة الحفاظ على الأداء نفسه الذي توفره البنية السحابية. لذلك فإن نجاح "كوين 3.8-27 بي" لن يتحدد فقط بنتائج الاختبارات التي تنشرها الشركة، بل بمدى سهولة تشغيله فعليا على أجهزة المستخدمين وبالأداء الذي يقدمه في الاستخدام اليومي.
تكشف مواجهة كوين "وميوز غليمر" (Muse Glimmer) عن تحول مهم في سوق الذكاء الاصطناعي، وهو أن المنافسة لم تعد محصورة فيمن يملك أكبر نموذج أو أكبر مركز بيانات، بل أصبحت أيضا حول من يستطيع وضع نموذج قوي وقابل للتخصيص داخل جهاز المستخدم نفسه. وإذا استمر تحسن كفاءة النماذج وتقنيات ضغطها، فقد تصبح قدرات كانت تحتاج إلى خوادم متخصصة متاحة تدريجيا على أجهزة الحاسوب الشخصية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة