تنتشر أنظمة التحقق من العمر بسرعة في الولايات المتحدة مع إقرار قوانين جديدة تهدف إلى حماية القاصرين على الإنترنت، لكن هذه الإجراءات دفعت ملايين المستخدمين البالغين إلى المرور عبر بوابات تحقق إلزامية للوصول إلى المحتوى الرقمي، ما أثار جدلاً واسعاً حول الخصوصية ومستقبل الإنترنت المفتوح.
فقد أقر نحو نصف الولايات الأميركية قوانين أو يدرسون تشريعات تُلزم المنصات الرقمية — مثل مواقع المحتوى للبالغين وخدمات الألعاب ومنصات التواصل الاجتماعي — بمنع المستخدمين دون السن القانونية، ما يجبر الشركات على التحقق من عمر جميع المستخدمين تقريباً قبل السماح لهم بالدخول.
تعتمد العديد من هذه الأنظمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل التعرف على الوجه أو تقدير العمر عبر الصور ومقاطع الفيديو، للتحقق بسرعة من عمر المستخدمين، بحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي" واطلعت عليه "العربية Business".
وتستخدم شركات متخصصة في التحقق من الهوية مثل "Jumio" و"Socure" هذه الأدوات لصالح المواقع والمنصات المختلفة.
وفي بعض الحالات يُطلب من المستخدمين:
- تصوير بطاقة هوية حكومية.
- التقاط صورة شخصية (Selfie) للمقارنة.
- تسجيل فيديو قصير لتأكيد الهوية.
أثار إعلان منصة "ديسكورد" في فبراير الماضي نيتها إطلاق نظام تحقق إلزامي من العمر عالمياً ردود فعل غاضبة من المستخدمين.
وكانت الشركة تخطط لاستخدام تقنيات تحليل الوجه بحيث تتم معالجة البيانات على جهاز المستخدم نفسه ثم حذفها فوراً، لكن الانتقادات الواسعة دفعتها إلى تأجيل إطلاق النظام إلى النصف الثاني من العام.
وقال الشريك المؤسس ومدير التكنولوجيا في الشركة ستانيسلاف فيشنفسكي إن الشركة كانت تتوقع الجدل، مشيراً إلى أن أي نظام يتعلق بالهوية الشخصية يثير دائماً ردود فعل قوية.
يحذر المدافعون عن الخصوصية من أن انتشار هذه الأنظمة قد يؤدي إلى تجميع كميات ضخمة من البيانات الشخصية لدى عدد محدود من شركات التحقق.
وتشمل هذه البيانات:
- الأسماء.
- صور الوجوه.
- تواريخ الميلاد.
- العناوين.
وترى مؤسسة الحدود الإلكترونية أن ربط هذه المعلومات الحساسة بنشاط المستخدمين على الإنترنت قد يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة الشبكة.
كما أن هذه البيانات قد تصبح هدفاً جذاباً للقراصنة أو لطلبات الجهات الحكومية.
تزداد هذه المخاوف بعد حوادث أمنية سابقة، إذ كشفت منصة "ديسكورد" هذا العام عن اختراق أدى إلى تسريب صور بطاقات هوية لنحو 70 ألف مستخدم نتيجة اختراق خدمة خارجية.
ويقول خبراء إن تركيز البيانات لدى شركات التحقق قد يزيد من المخاطر الأمنية حتى لو كانت المنصات نفسها لا تحتفظ بالبيانات بشكل مباشر.
من جانبها، تؤكد السلطات الأميركية أن هذه القوانين تهدف أساساً إلى حماية الأطفال من المخاطر الرقمية.
وأوضح متحدث باسم لجنة التجارة الفيدرالية أن الشركات ملزمة بالالتزام بقواعد حماية المستهلك، بما في ذلك تقليل جمع البيانات والاحتفاظ بها فقط للمدة الضرورية.
كما شددت ولاية فريجينيا، التي تعد من أكثر الولايات نشاطاً في تطبيق قوانين التحقق من العمر، على أن البيانات المجمعة يجب ألا تُستخدم إلا لتحديد العمر، وأن تخضع لإجراءات أمنية صارمة.
رغم ذلك، تواجه بعض هذه القوانين تحديات قضائية. فقد علّقت محكمة اتحادية مؤقتاً تطبيق قانون التحقق من العمر في فرجينيا بعد دعوى تستند إلى التعديل الأول من الدستور الأميركي والمتعلق بحرية التعبير.
لكن المدعي العام للولاية غاي جونس أكد أن السلطات ستواصل الدفاع عن القانون لحماية الأطفال من المخاطر المرتبطة بالمنصات الرقمية.
يرى خبراء الصناعة أن الاتجاه الحالي قد يقود إلى نظام جديد يعتمد على إثبات عمر رقمي دائم يمكن استخدامه عبر عدة منصات.
وقد يشبه هذا النموذج أنظمة الحسابات الموحدة المستخدمة في خدمات مثل "ديزني"، حيث يتم التحقق من العمر مرة واحدة ثم يُستخدم هذا التحقق لاحقاً عبر خدمات مختلفة.
وبالنسبة للمستخدمين البالغين، قد يعني ذلك أن التحقق من الهوية لن يكون عائقاً مؤقتاً فحسب، بل جزءاً دائماً من تجربة الإنترنت اليومية.
المصدر:
العربيّة