مع نهاية عام 2025، بعثت الصين برسالة واضحة إلى العالم مفادها أنها ماضية بثقة في سباق الذكاء الاصطناعي.
ففي اليوم الأخير من العام، نشرت شركة ديب سيك ورقة بحثية تقنية جديدة، شارك في إعدادها مؤسسها والرئيس التنفيذي ليانغ وينفنغ ضمن 19 باحثًا، تناولت إطارًا متقدمًا لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وأشارت إلى مسارات واعدة لتطور النماذج الأساسية.
وجاء هذا الإعلان، في ذروة موسم عطلات نهاية العام، ليذكر بأن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية باتت أكثر تركيزًا على الابتكار، في محاولة للحفاظ على تفوقها في صناعة تتغير بوتيرة متسارعة، بحسب تقرير نشره موقع "scmp" واطلعت عليه "العربية Business".
قبل عام تقريبًا، بدأت "ديب سيك" في لفت الأنظار عالميًا بعد إطلاق نموذجها اللغوي الكبير DeepSeek-V3، ثم تبعته بعد أسابيع بنموذج الاستدلال DeepSeek-R1.
ونجح النموذجان في التفوق أو مجاراة منافسيهما عبر مجموعة واسعة من اختبارات الأداء القياسية في القطاع.
الأهم أن هذه النماذج طُورت بتكلفة أقل بكثير مقارنة بما تنفقه كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية.
وكانت النتيجة صدمة في الأسواق، حيث شهدت الأسهم التكنولوجية موجة بيع حادة في 27 يناير، خسرت خلالها قرابة تريليون دولار، من بينها نحو 600 مليار دولار من القيمة السوقية لشركة إنفيديا وحدها.
ويتوقع محللون أن يستمر زخم شركات الذكاء الاصطناعي الصينية خلال 2026، مدفوعًا بدعم السياسات الحكومية، وتحسن فرص التمويل، واتساع اعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، إلى جانب توفر قاعدة ضخمة من المواهب.
وقال أحد مؤسسي الشركات الناشئة في هذا المجال، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن الصين قد تتجاوز الولايات المتحدة لتصبح القوة الأولى عالميًا في الذكاء الاصطناعي بحلول 2027، مشيرًا إلى أن العمق البشري من الكفاءات يمثل ميزة تنافسية حاسمة.
وفي خطابه بمناسبة رأس السنة، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن السوق المحلية تشهد منافسة محتدمة بين نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة، بالتوازي مع تحقيق اختراقات في مجال أشباه الموصلات، ما جعل الصين من بين أسرع الاقتصادات نموًا على صعيد الابتكار.
ووفق تقرير صادر عن مشروع DigiChina التابع لجامعة ستانفورد، تمتلك الصين اليوم أكثر من عشر شركات تطور نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر وقوية، من بينها Qwen التابعة لشركة علي بابا كلاود إلى جانب شركات ناشئة مثل "Moonshot AI" و"MiniMax" و"Zhipu AI".
وأشار التقرير إلى أن النماذج الصينية المفتوحة المصدر ربما لحقت أو حتى تفوقت على نظيراتها الأميركية من حيث القدرات والانتشار.
وذكر أن شركة ميتا تستخدم نماذج Qwen ضمن تدريب نموذج جديد، فيما تعتمد شركات أميركية كبرى مثل "Airbnb" على هذه النماذج في خدماتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفي الداخل الصيني، أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي على غرار شات جي بي تي جزءًا من الحياة اليومية، وغالبًا ما تُستخدم مجانًا، بل وحتى في إعداد التقارير والوثائق الرسمية داخل الحكومات المحلية.
ولا يقتصر طموح الصين على روبوتات الدردشة، إذ برزت الروبوتات الشبيهة بالبشر كتطبيق رئيسي لما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المتجسد.
ويتوقع مؤسس "Unitree Robotics" إحراز تقدم كبير خلال الأعوام القليلة المقبلة، رغم التحديات الأخلاقية والأمنية.
كما تراهن الشركات الصينية على أجهزة مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل النظارات الذكية والهواتف الذكية، في خطوة تعتبرها "علي بابا" ثورة حقيقية في التفاعل بين الإنسان والآلة.
ورغم هذا التفاؤل، يظل تحقيق الأرباح التحدي الأكبر أمام العديد من الشركات الناشئة.
ويتوقع محللون أن يكون عام 2026 نقطة تحول، حيث تصبح الربحية المعيار الأساسي لتقييم شركات الذكاء الاصطناعي.
ومع استعداد شركات مثل "MiniMax" و"Zhipu AI" للإدراج في بورصة هونغ كونغ، إلى جانب جولات تمويل ضخمة لشركات أخرى، تتزايد الرهانات على أن الصين لا تنافس فقط على الابتكار، بل تسعى أيضًا إلى بناء قطاع ذكاء اصطناعي مستدام اقتصاديًا.
لكن هذا التقدم السريع يثير في المقابل مخاوف لدى بعض العاملين في القطاع، الذين يخشون أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تقليص الحاجة إلى المبرمجين، في مؤشر على أن سباق الابتكار قد يحمل معه تحديات اجتماعية لا تقل تعقيدًا عن التحديات التقنية.
المصدر:
العربيّة