تؤخر ثانية كل 300 مليار عام.. علماء سنغافورة يصنعون أدق ساعة في التاريخ
في خطوة علمية متقدمة تقرب العلماء من إعادة تعريف وحدة الوقت الأساسية، نجح فريق بحثي بقيادة علماء من مركز التقنيات الكمومية وجامعة سنغافورة الوطنية في تطوير ساعتين ذريتين بصريتين تعتمدان على أيونات عنصر اللوتيتيوم، والتحقق تجريبيا من تطابقهما التام بدقة غير مسبوقة.
أظهرت نتائج الدراسة الحديثة المنشورة في دورية "نيتشر " (Nature)، أن معدل الاختلاف في التردد بين المنظومتين المستقلتين لم يتجاوز نسبة ضئيلة للغاية تعادل واحدا مقسوما على عشرة مرفوعة للأس تسعة عشر، وذلك بعد نحو 200 ساعة من المقارنة المباشرة المستمرة.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سنغافورة تبيع أصولا بـ2.4 مليار دولار في أكبر قضية غسل أموال
* list 2 of 2 آلاف الدولارات لكل طفل.. سنغافورة تواجه تراجع الخصوبة وتشجع الأسر على الإنجاب end of list
يقول موراي باريت، الباحث في مركز التقنيات الكمومية في جامعة سنغافورة الوطنية والمشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تستجيب الذرات للمؤثرات البيئية، ولكن بدرجات متفاوتة تعتمد على نوع الذرة. فبعض الذرات تتطلب عزلا دقيقا عن البيئة المحيطة، بينما لا تتأثر ذرات أخرى كثيرا بذلك؛ وقد وجدنا نوعا لا يتأثر إطلاقا تقريبا ".
مصدر الصورة
دقة استثنائية
وإذا ما قيست هذه النسبة على المسافات الفلكية، فإن هذا الهامش المتناهي الصغر يكافئ قياس مسافة سنة ضوئية كاملة، والتي تقارب تسعة تريليونات ونصف تريليون كيلومتر، بهامش خطأ يقل عن مليمتر واحد فقط.
تعتمد المعايير الدولية الحالية للوقت، المعمول بها منذ منتصف القرن العشرين، على ساعات الميكروويف التي تستخدم ذرات السيزيوم. غير أن الساعات البصرية أحدثت ثورة تقنية في السنوات الأخيرة؛ إذ تستخدم حزم الليزر لتحفيز وقياس الذرات بترددات تفوق موجات الميكروويف بمئات آلاف المرات، مما يمنحها استقرارا قياسيا أعلى بمراحل.
يقول كايل أرنولد، الباحث في مركز التقنيات الكمومية في جامعة سنغافورة الوطنية والمشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تحتوي كل ساعة على عنصر يتذبذب بتردد ثابت، ويتم عدّ هذه الذبذبات لتحديد الوقت. ففي الساعة التقليدية الكبيرة (ساعة البندول)، يتأرجح البندول مرة واحدة تقريبا في الثانية، وتقوم العقارب بتسجيل هذا العدّ. أما في الساعة الذرية، فالمذبذب عبارة عن ليزر (يحدد تردده لون الضوء)، ونقوم بضبطه حتى تستجيب الذرة، وهو أمر لا يحدث إلا عند تردد محدد للغاية".
ويضيف كايل: "نظرا لأن جميع ذرات النوع الواحد متطابقة، فإنها تشكل مرجعا مثاليا. تستخدم ساعات السيزيوم التقليدية موجات دقيقة (ميكروويف) تتذبذب حوالي 9 مليارات مرة في الثانية، بينما تستخدم ساعتنا الضوء، الذي يتذبذب حوالي 350 تريليون مرة في الثانية. وتعني الذبذبات الأكثر دقة وتواترا قياسا أدق للوقت، تماما كما تتيح المسطرة ذات العلامات الأكثر تقاربا قياس المسافة بدقة أكبر".
مصدر الصورة
منافسة عالمية
يشهد هذا المجال تنافسا دوليا محموما بين عدة أنظمة واعدة؛ من بينها ساعات الشبكة الضوئية التي تعتمد على ذرات السترونشيوم المحايدة في الولايات المتحدة وذرات الإيتربيوم، إلى جانب الساعات الأيونية مثل أيونات الألومنيوم والكالسيوم.
وتحدد خارطة الطريق الدولية نحو إعادة صياغة معيار الثانية شرطين أساسيين لاعتماد أي نظام جديد، الأول هو تقييم جميع العوامل البيئية المؤثرة ليقل ارتيابها المنهجي المحسوب عند عتبة صارمة، والثاني هو إثبات ذلك تجريبيا عبر مقارنة مباشرة بين ساعتين مستقلتين من النوع ذاته. وحتى صدور هذه الدراسة، لم تتمكن أي منظومة ساعات بصرية من إثبات هذا التطابق المباشر والمستقل دون حاجز الرتبة العشرية التاسعة عشرة، وهو ما وضع ساعات اللوتيتيوم في صدارة الأنظمة المحققة لشروط المقارنة المرجعية الدقيقة.
يشرح موراي أسباب تفوق ساعة اللوتيتيوم: "العاملان البيئيان الرئيسيان اللذان يؤثران على دقة الساعة هما درجة الحرارة والمجالات المغناطيسية، ويُعد اللوتيتيوم الأقل حساسية لهذين العاملين. كما أنه العنصر الأثقل وزنا، وبالتالي فهو الأقل تأثرا بالحركة؛ إذ إن تحريك بطيخة يتطلب جهدا أكبر مقارنة بتحريك كرة تنس".
تكتمل الخصائص المميزة لللوتيتيوم ببقاء إلكترونه في مداره المثار لأكثر من أسبوع، مما يتيح للعلماء توجيه نبضات الليزر وقياس الذرة بهدوء لفترات طويلة تصل إلى عشر ثوان متواصلة دون أن تفقد اتزانها الكمومي.
وعن كيفية اكتشاف تلك القدرات يقول موراي: "كنت أدرس عنصر الباريوم في حالته المتعادلة لأغراض أخرى، وتساءلت، بمحض الصدفة، عما إذا كان هناك أي أيون يمتلك التركيب نفسه. وكان موقع عنصر اللوتيتيوم في الجدول الدوري هو الوجهة الأولى للبحث عن إجابة لهذا السؤال؛ وكلما تعمقت في دراسة الاحتمالات، بدا الأمر واعدا أكثر فأكثر".
تطبيقات تنتظر بفارغ الصبر
تتجاوز تطبيقات هذا الإنجاز حدود ضبط الساعات والمواقيت الرسمية لتصل إلى تطبيقات جيولوجية وفيزيائية عميقة. يقول كايل: "لقد مهدت كل قفزة نوعية في مجال قياس الزمن الطريق لتقنيات جديدة؛ فالساعات البحرية الدقيقة جعلت الملاحة عبر المحيطات موثوقة، والساعات الذرية منحتنا نظام تحديد المواقع العالمي جي بي إس (GPS). ونتوقع أن تحقق الساعات الضوئية (البصرية) إنجازات مماثلة بطرق لا يمكننا التنبؤ بها حاليا".
استنادا إلى نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، يمر الوقت ببطء أكبر كلما اقتربت الساعة من مركز جاذبية الأرض، ويتسارع كلما ارتفعت عنها. وبالتالي، فمن الاحتمالات المثيرة للاهتمام إمكانية قياس الجاذبية؛ فقد أثبت أينشتاين أن الزمن يمر ببطء أكبر كلما اقتربنا من سطح الأرض.
يؤكد كايل هذه الإمكانية قائلا: "ساعاتنا حساسة بما يكفي لرصد فرق في الارتفاع يبلغ حوالي نصف سنتيمتر".
قد توفر هذه الساعات الدقيقة منصة اختبار رائدة لبحوث الفيزياء الأساسية، إذ تمكن الباحثين من اختبار ثبات الثوابت الكونية على مدى فترات زمنية طويلة، وفحص تماثل القوانين الفيزيائية في الفضاء بدقة متناهية، إلى جانب البحث عن أدق التأثيرات المحتملة التي قد تسببها جسيمات المادة المظلمة في ترددات الذرات.
ورغم أن نقل مثل هذه التجارب من المختبرات المعزولة إلى أجهزة ميدانية متنقلة لا يزال يواجه تحديات هندسية حقيقية تتطلب تصغير المكونات وتثبيتها، فإن استقرار اللوتيتيوم وبساطة تصميمه يوفران ميزة عملية تعزز فرصه في قيادة مستقبل قياس الوقت واختبار أسرار الطبيعة بدقة فائقة.