رسالة الجزائر تجد صداها في واشنطن.. والبوليساريو تعود إلى الواجهة الدولية
مصدر الصورة
رسالة الجزائر تجد صداها في واشنطن.. والبوليساريو تعود إلى الواجهة الدولية
الجزائر الآن _ تلقت الرباط ضربة دبلوماسية قوية في نيويورك، بعدما استقبل المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفير مايك والتز، وفدًا رسميًا من جبهة البوليساريو داخل مقر المنظمة الدولية، في تطور جاء بينما كانت الدبلوماسية المغربية تكثف تحركاتها لتكريس مقترح الحكم الذاتي باعتباره الخيار الوحيد المطروح لتسوية قضية الصحراء الغربية.
ويحمل اللقاء دلالة سياسية كبيرة بالنظر إلى موقع المسؤول الأمريكي وتوقيت الاجتماع، إذ جاء قبيل الاستحقاقات المرتبطة بملف الصحراء الغربية داخل مجلس الأمن، وفي مرحلة تحاول فيها الرباط تحويل الدعم الأمريكي لمقترحها إلى واقع دبلوماسي يصعب التراجع عنه.
غير أن استقبال الوفد الصحراوي في مقر الأمم المتحدة يبعث برسالة مغايرة، مفادها أن واشنطن لا تتعامل مع جبهة البوليساريو باعتبارها طرفًا تجاوزه المسار السياسي، وإنما تبقي قنوات الاتصال معها مفتوحة، بما يؤكد أن مستقبل القضية لم يُحسم بعد وفق الصيغة التي تريدها الرباط.
لقاء والتز يربك الحسابات المغربية
تكمن أهمية اللقاء في أن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة لم يكتفِ بالتعامل مع الملف عبر القنوات الأممية غير المباشرة، وإنما استقبل وفد البوليساريو بصورة مباشرة، وهو ما يمنح الجبهة حضورًا سياسيًا واضحًا داخل الدبلوماسية الأمريكية في نيويورك.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الرباط تراهن على أن يؤدي الدعم الأمريكي للحكم الذاتي إلى تقليص الحاجة إلى التفاوض مع البوليساريو، وتحويل القضية تدريجيًا من نزاع حول مستقبل الإقليم إلى مسألة تتعلق بكيفية تنفيذ المقترح المغربي.
لكن استقبال الوفد الصحراوي يضرب هذا المسار، بحيث تظل الجبهة طرفًا تخاطبه واشنطن مباشرة، وتظل الأمم المتحدة الساحة التي تتحرك فيها مختلف الأطراف، بدل انتقال الملف إلى ترتيبات ثنائية تنتهي إلى تثبيت الرؤية المغربية.
تصريحات بولس تكشف خلفية التحرك الأمريكي
ويكتسب لقاء والتز أهمية أكبر عند وضعه في سياق تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي أكد أن الوصول إلى حل للقضية ليس قريبًا، وتحدث عن انتظار مقترحات من جبهة البوليساريو.
وبذلك تتكامل الصورة بين الموقف السياسي والتحرك الدبلوماسي، فبولس يتحدث عن ضرورة الاستماع إلى مقترحات البوليساريو، بينما يفتح ممثل واشنطن لدى الأمم المتحدة قناة مباشرة مع وفدها.
ويكشف ذلك أن الإدارة الأمريكية لا تتعامل مع مقترح الحكم الذاتي باعتباره نهاية فورية للمسار السياسي، وإنما باعتباره طرحًا ينبغي أن يدخل ضمن عملية تفاوضية أوسع، وهو ما يضعف الرهان المغربي على تحويل الدعم الأمريكي إلى حسم نهائي.
واشنطن تدعم المغرب ولا تمنحه مفاتيح التسوية
المفارقة الأساسية في الموقف الأمريكي أن واشنطن تستطيع الاستمرار في دعم مقترح الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه الإبقاء على اتصالاتها بالبوليساريو.
وهذا يعني أن التأييد الأمريكي للمقترح المغربي لم يتحول إلى تفويض للرباط بإغلاق الملف أو تحديد شروط التسوية بمفردها.
فالدعم السياسي شيء، وفرض حل نهائي على الأطراف شيء آخر.
ومن هذه الزاوية، فإن الضربة التي تلقتها الرباط لا تتمثل في تراجع واشنطن عن موقفها، وإنما في فشل تحويل ذلك الموقف إلى نهاية للنزاع.
البوليساريو تستعيد موقعها في الحسابات الدولية
يمثل استقبال الوفد الصحراوي مكسبًا سياسيًا مهمًا للبوليساريو، لأنه يؤكد أن محاولات تقليص حضورها الدبلوماسي لم تؤد إلى إخراجها من المشهد.
فالولايات المتحدة، رغم علاقتها الوثيقة بالمغرب ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع الجبهة باعتبارها طرفًا حاضرًا في أي نقاش جدي حول مستقبل الصحراء الغربية.
وهذا يعيد القضية إلى قاعدة أساسية تتمثل في أن التسوية السياسية تحتاج إلى مخاطبة الأطراف المعنية، وليس الاكتفاء بإعلان موقف مؤيد لأحد المقترحات.
لقاء نيويورك يأتي بعد رسالة جزائرية قوية
ويكتسب لقاء المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفير مايك والتز، بوفد جبهة البوليساريو دلالة أكبر بالنظر إلى توقيته، إذ جاء بعد أيام قليلة من الرسالة القوية التي وجهتها الجزائر بشأن مسار تسوية قضية الصحراء الغربية.
فقد شدد وزير الدولة أحمد عطاف على رفض الجزائر لأي محاولة لفرض الأمر الواقع، مؤكدًا أن مستقبل القضية لا يمكن أن يُحسم بعيدًا عن إرادة الشعب الصحراوي، وأن صوته يجب أن يكون حاضرًا من خلال ممثله، جبهة البوليساريو.
وبعد هذه الرسالة الجزائرية، جاءت التحركات الأمريكية لتكشف أن واشنطن تتحرك في اتجاه ينسجم مع جوهر هذا الطرح، خصوصًا مع تصريحات مسعد بولس التي أكد فيها أن الحل ليس قريبًا، وتحدث عن ضرورة الاستماع إلى مقترحات جبهة البوليساريو، كما نفى عمليًا الرواية التي تسعى إلى تحميل الجزائر مسؤولية عرقلة التسوية، مؤكدًا أن تعاونها مع الجهود الرامية إلى الوصول إلى حل يجري بصورة جيدة.
ضربة لمشروع حسم الملف
تسعى الرباط منذ سنوات إلى نقل القضية من مرحلة النزاع حول تقرير المصير إلى مرحلة تكريس الحكم الذاتي باعتباره الإطار الوحيد للحل. غير أن التطور الأخير يعيد الملف إلى مساحة سياسية أوسع، بحيث تصبح المفاوضات ومواقف البوليساريو وطبيعة التسوية النهائية عناصر لا يمكن تجاوزها.
ولهذا فإن استقبال والتز للوفد الصحراوي يحمل قيمة تتجاوز تفاصيل اللقاء نفسه، لأنه جاء في لحظة كانت الرباط تريد فيها إقناع المجتمع الدولي بأن مرحلة التفاوض على أصل الحل قد انتهت.
لكن واشنطن، من خلال اتصالاتها المتوازية، تقول عمليًا إن الملف لم ينته بعد.
رسالة الجزائر تجد صداها في واشنطن والبوليساريو تعود إلى الواجهة الدولية
الرسالة التي خرجت من نيويورك واضحة، وإن لم تكن واشنطن قد تخلت عن دعمها لمقترح الحكم الذاتي، فإنها لم تمنح الرباط ما كانت تسعى إليه، أي تحويل هذا الدعم إلى تسوية نهائية تغلق باب التفاوض.
فاستقبال المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة لوفد جبهة البوليساريو، بالتزامن مع تصريحات مسعد بولس حول غياب حل قريب وانتظار مقترحات الجبهة، يكشف أن الإدارة الأمريكية تريد إبقاء المسار السياسي مفتوحًا.
وهنا تكمن قوة الضربة التي تلقتها الرباط، إذ إن الجهود الرامية إلى تقديم الملف باعتباره محسومًا اصطدمت بواقع مختلف داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث لا تزال البوليساريو حاضرة، ولا تزال الجزائر مؤثرة، ولا تزال المفاوضات مطروحة، بينما تواصل واشنطن إدارة الملف بدل إعلان نهايته.
لقد أرادت الرباط حسمًا أمريكيًا يغلق باب التفاوض، فجاء التحرك الأمريكي ليعيد فتح الباب نفسه أمام الطرف الذي كانت تسعى إلى إخراجه منه.