لعقود، ظل أحد أكبر ألغاز المريخ واضحا على سطحه؛ إذ إن نصفه الشمالي منخفض ومستو إلى حد كبير، في مقابل نصف جنوبي مرتفع ووعر ومليء بالفوهات. وكان العلماء يبحثون عن تفسير لهذا الانقسام في القشرة والسطح، لكن دراسة حديثة تشير إلى أن جذور هذا الاختلاف تمتد أعمق بكثير، إلى وشاح الكوكب نفسه.
توصل الفريق إلى هذه النتيجة من دون حفر أو قياس مباشر لحرارة باطن المريخ، وإنما من خلال تتبع دقيق لحركة ثلاث مركبات فضائية تابعة لناسا هي "مارس غلوبال سيرفيور"، و"مارس أوديسي"، و"مارس ريكونيسانس أوربيتر"، مستفيدا من نحو عقدين من بيانات تتبع المركبات.
واعتمد الباحثون على تقنية تُسمى "التصوير المقطعي المدّي" (Tidal Tomography)، وهي طريقة تستغل التغيرات الصغيرة في مجال جاذبية الكوكب الناتجة عن تأثير جاذبية الشمس.
فالمريخ يدور حول الشمس في مدار مائل قليلا وغير دائري تماما، كما أن محور دورانه مائل، ولذلك يتعرض لتغيرات دورية في قوى المد والجزر. وتترك هذه الاستجابة بصمة في مجال جاذبيته يمكن استخدامها لاستنتاج خصائص المواد الموجودة في باطنه.
ويقول بيرن إن العلماء غالبا ما يفترضون أن باطن الكواكب متماثل تقريبا حول مركزها، لكن بيانات الجاذبية الأكثر دقة تتيح الكشف عن تفاصيل ثلاثية الأبعاد أكثر تعقيدا.
تتوافق المنطقة الأكثر سخونة في الوشاح مع الانقسام الجيولوجي المعروف بين نصفي المريخ. فالقشرة الجنوبية أكثر سماكة وارتفاعا، بينما تغطي السهول المنخفضة معظم الشمال. ويشير النموذج إلى أن الاختلاف في صلابة الوشاح بين النصفين يمكن تفسيره بدرجة كبيرة بفرق حراري يتراوح بين 200 و400 درجة مئوية، مع احتمال وجود اختلاف محدود في تركيبه أيضا.
وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير مجموعة من الظواهر التي حيرت العلماء. فالصخور الغنية بالحديد في جنوب المريخ تحمل آثارا للمجال المغناطيسي القديم للكوكب، كما أن بيانات مركبة "إنسايت" (InSight) أظهرت اختلافا في الطريقة التي تفقد بها الموجات الزلزالية طاقتها أثناء عبورها المناطق الجنوبية.
ويمكن لارتفاع الحرارة أن يغير طريقة انتقال هذه الموجات داخل الوشاح، رابطا بذلك بين ما يحدث في الأعماق والقياسات التي أُجريت على السطح.
لا يملك العلماء حتى الآن إجابة نهائية عن أصل الحرارة الزائدة. ومن بين الاحتمالات المطروحة وجود حمل حراري قديم ومستمر داخل الوشاح، أو احتفاظ القشرة الجنوبية السميكة بالحرارة ومنعها من التسرب بكفاءة، أو استمرار آثار عمليات جيولوجية أقدم بكثير.
كما تبقى فرضية الاصطدام الهائل الذي ربما غيّر بنية المريخ في بدايات تاريخه مطروحة لتفسير الانقسام بين نصفيه. وقد يكون هذا الحدث، أو عمليات أخرى مثل حركة المواد الساخنة في الوشاح، قد ترك بنية داخلية استمرت آثارها حتى اليوم.
ويشير أمير حسين باقري، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتقنية وأحد المشاركين في الدراسة، إلى أن فهم هذا الانقسام مهم لأنه يوفر معلومات عن العمليات التي أثرت في تاريخ مياه المريخ، بما في ذلك تشكل أحواض ربما احتوت المياه قديما.
ولا تقتصر أهمية النتيجة على فهم المريخ وحده؛ إذ تثبت الدراسة أن تتبع الجاذبية المتغيرة يمكن أن يكشف تفاصيل يصعب الوصول إليها مباشرة في باطن الكواكب. ومع تطوير بعثات مستقبلية مخصصة لقياس الجاذبية، قد يصبح بالإمكان رسم خرائط أكثر دقة للبنية الداخلية للمريخ وأجرام أخرى في النظام الشمسي.
وهكذا، فإن المريخ الذي يبدو هادئا من بعيد ما زال يحمل في أعماقه آثارا لعمليات بدأت قبل مليارات السنين. وكلما تطورت أدوات العلماء، تحولت الاختلافات التي نراها على سطحه إلى مفاتيح تقود إلى تاريخ أعمق للكوكب، مؤكدة أن قيمة استكشاف الفضاء لا تكمن في اكتشاف عوالم جديدة فحسب، بل في استخدام العلم لفهم كيف تشكلت العوالم التي نعرفها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة