أعلن فريق بحثي دولي عن اكتشاف أحفوري نادر يجيب عن سؤال حير العلماء لعقود: هل كانت الكائنات الأولى التي عاشت قبل الثدييات تضع البيض أم تلد صغارها؟ تقدم الدراسة التي نشرت يوم 9 أبريل/نيسان في مجلة "بلوس وان" (PLOS ONE)، أول دليل مباشر على أن بعض هذه الكائنات كانت تضع البيض بالفعل.
ويستند هذا الاكتشاف إلى العثور على بيضة متحجرة تحتوي على جنين محفوظ داخلها، تعود إلى كائن يعرف باسم "ليستروصوروس" أو سحلية المجرفة، عاش قبل نحو 250 مليون عام.
وينتمي هذا الكائن إلى مجموعة من الكائنات القديمة التي سبقت ظهور الثدييات الحديثة، وتشترك معها في بعض الصفات، لكنها ليست ثدييات بالمعنى المعروف اليوم.
عاش "ليستروصوروس" في فترة مضطربة للغاية من تاريخ الكوكب، مباشرة بعد الانقراض الجماعي في نهاية العصر البرمي قبل نحو 252 مليون عام، وهو الحدث الذي يعد الأعنف في تاريخ الأرض، حيث اختفى خلاله معظم الكائنات الحية.
ورغم هذه الظروف القاسية -التي اتسمت بارتفاع شديد في درجات الحرارة وجفاف طويل الأمد- لم ينج هذا الحيوان فقط، بل أصبح من أكثر الكائنات انتشارا في ذلك الوقت، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، جوليان بينويت، أستاذ الأحياء القديمة المشارك في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا.
يقول بينويت في تصريحات للجزيرة نت: "لهذا يعد هذا الكائن نموذجا مهما لفهم كيف تمكنت بعض الأنواع من التكيف مع بيئة شبه منهارة".
ويوضح الباحث أن الاكتشاف الجديد يضيف بعدا مهما لهذه القصة. فالعثور على بيضة تحتوي على جنين يعد دليلا مباشرا على طريقة التكاثر، وهو أمر نادر للغاية في علم الحفريات، لأن البيض -خاصة إذا كان ذو قشرة لينة- لا يتحفظ بسهولة عبر ملايين السنين.
المثير أن هذه الأحفورة لم تكتشف حديثا، بل عثر عليها قبل نحو 17 عاما؛ لكن العلماء لم يتمكنوا في ذلك الوقت من التأكد من وجود جنين داخلها، بسبب محدودية التقنيات المتاحة.
ومع تطور أدوات التصوير، استخدم الباحثون أشعة سينية عالية الدقة لفحص البيضة من الداخل دون كسرها، وهو ما سمح لهم برؤية الجنين بوضوح. وأظهرت الصور أن الجنين لم يكن قد اكتمل نموه بعد، إذ لم تلتحم بعض عظامه، ما يعني أنه كان لا يزال داخل البيضة عند وفاته.
ويرجح الفريق البحثي أن هذه البيضات كانت ذات قشرة لينة، شبيهة ببيض بعض الزواحف الحديثة، وهو ما يفسر ندرتها في السجل الأحفوري، لأن هذا النوع من البيض يتحلل بسهولة ولا يحفظ جيدا عبر الزمن.
تشير النتائج إلى أن "ليستروصوروس" لم يكن مجرد ناج عشوائي من الكارثة، بل امتلك خصائص ساعدته على التكيف مع بيئة صعبة للغاية؛ فقد كان يضع بيضا كبير الحجم مقارنة بجسمه، ما يعني أن الجنين يحصل على كمية أكبر من الغذاء داخل البيضة.
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة أن هذه الاستراتيجية تسمح للصغار بأن تولد في مرحلة متقدمة من النمو، قادرة على الحركة والتغذية بسرعة، دون الحاجة إلى رعاية طويلة من الأبوين. كما أن البيض الأكبر قد يكون أكثر قدرة على مقاومة الجفاف، وهو عامل حاسم في بيئة كانت تعاني من نقص المياه.
ويصف بينويت هذه الاستراتيجية بأنها "عش بسرعة وتكاثر مبكرا"، أي أن الكائن ينمو بسرعة ويبدأ في التكاثر في سن مبكرة، وهو أسلوب فعال في البيئات غير المستقرة، حيث يكون البقاء للأسرع تكيفا. وحسب الباحث، لا يقتصر هذا الاكتشاف على حل لغز قديم، بل يفتح نافذة أوسع لفهم الثدييات التي ظهرت لاحقا، وكيف انتقلت من وضع البيض إلى الولادة الحية كما نعرفها اليوم في معظم الأنواع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة