لم تعد البلورات الزمنية مجرد فكرة غريبة على هامش فيزياء الكم، بل بدأت تقترب خطوة إضافية من العالم الذي يمكن التعامل معه وقياسه والتأثير فيه.
في تجربة جديدة، نجح باحثون في ربط هذا النوع النادر من الحالات الكمومية بما يشبه "نافذة" على العالم الخارجي، في إنجاز يفتح الباب أمام استخدامات مستقبلية في الاستشعار الدقيق وربما في بعض تطبيقات الحوسبة الكمومية.
ولفهم أهمية ما حدث، يجب أولا توضيح معنى البلورة الزمنية. فالبلورة العادية، مثل الملح أو الألماس، تتميز بترتيب منتظم ومتكرر للذرات في المكان. أما البلورة الزمنية، ففكرتها مختلفة، لأنها نظام فيزيائي يُظهر نمطا دوريا متكررا في الزمن، وكأنه "ينبض" بإيقاع ثابت، دون طاقة خارجية تدفعه لهذا السلوك.
لهذا بدت الفكرة، منذ طرحها نظريا قبل سنوات، مثيرة للغاية، لأنها تمثل شكل ا غير مألوف من التنظيم في الطبيعة.
لكن المشكلة أن هذه الحالات الهشة غالبا ما تُدرس في ظروف شديدة العزلة، لأن أي تفاعل قوي مع البيئة المحيطة يمكن أن يفسد سلوكها الدقيق.
ولهذا السبب، ظل السؤال المطروح بين الفيزيائيين هو: هل يمكن إخراج البلورة الزمنية من عزلتها النسبية، وربطها بنظام خارجي دون أن تنهار خصائصها الأساسية؟ التجربة الجديدة جاءت لتقول إن هذا ممكن، على الأقل في شروط مختبرية دقيقة للغاية.
أجريت التجربة، التي نشرت نتائجها في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، باستخدام الهيليوم-3 فائق السيولة، وهو شكل نادر من المادة لا يظهر إلا عند تبريده إلى درجات حرارة منخفضة جدا تقترب من الصفر المطلق.
داخل هذا الوسط، كوَّن العلماء بلورة زمنية من "الماغنونات"، وهي كمات مرتبطة بالموجات المغناطيسية في المادة. وقد ضخ الباحثون الطاقة إلى النظام أولا باستخدام موجات راديوية، ثم تابعوا سلوكه بعد ذلك ليروا كيف يحافظ على تماسكه الزمني.
والمثير فعلا أن العلماء لم يكتفوا برصد البلورة الزمنية في حالتها المعزولة، بل ربطوها بنمط اهتزاز ميكانيكي على سطح السائل. وهنا ظهرت النتيجة الأهم، حيث تبين أن البلورة الزمنية لا يمكنها فقط أن تستمر في سلوكها الدوري، بل يمكن أيضا أن تتأثر بالحركة الميكانيكية المحيطة بها وأن تؤثر فيها، وبذلك لم تعد البلورة الزمنية "جزيرة مغلقة"، بل أصبحت جزءا من نظام أكبر يمكن أن يتبادل التأثير مع محيطه.
هذه النقطة هي جوهر الاختراق العلمي. فحين يتمكن الفيزيائيون من وصل حالة كمومية حساسة كهذه بنظام خارجي مضبوط، فإنهم يقتربون من تحويل الظاهرة من مجرد فضول علمي إلى منصة يمكن البناء عليها.
وتزداد أهمية التجربة أيضا لأن البلورة الزمنية لم تكن لحظية أو عابرة للغاية، بل أظهرت قدرة على الاستمرار لفترة طويلة نسبيا على مقياس العالم الكمومي.
وهذا يعني أن النظام لم يكن مجرد ومضة مختبرية قصيرة، بل حالة قابلة للرصد والدراسة بتفاصيل أدق، وهو شرط أساسي لأي محاولة مستقبلية للاستفادة العملية منها.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة. فالحديث هنا لا يعني أننا أمام "آلة حركة أبدية" كما قد يتبادر إلى الذهن من اسم البلورة الزمنية، ولا يعني أيضًا أننا على أبواب أجهزة تجارية تعتمد عليها قريبا.
ما تحقق هو تقدم في الفيزياء الأساسية، يتضمن إثبات أن هذه الحالة الغريبة يمكن أن تتفاعل مع العالم الخارجي من دون أن تفقد هويتها مباشرة. وهذا بحد ذاته خطوة كبيرة، لأن كثيرا من تقنيات المستقبل تبدأ بهذه الإنجازات الصغيرة في المختبرات قبل أن تتحول، بعد سنوات طويلة، إلى أدوات عملية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة