في عالم مليء بالأساطير والبحث عن الكنوز، كثيرا ما يظن الباحثون عن الذهب أنهم وجدوا ثروات أرضية عظيمة، ليكتشفوا في النهاية أن ما أمامهم هو قطعة من النظام الشمسي نفسه.
هذه التحولات المذهلة بين البحث عن الثروات الأرضية واكتشاف الكنوز السماوية جعلت من دراسة علم النيازك (Meteoritics) مجالا غنيا بالقصص العلمية والاكتشافات الثمينة.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو اكتشاف نيزك "ماريبورو" في أستراليا. ففي مايو/أيار 2015، كان الأسترالي "ديفيد هول" يتجول في أراضي متنزه "ماريبورو" قرب ملبورن، مسلحا بجهاز كشف المعادن، على أمل العثور على الذهب، حين أشار الجهاز إلى صخرة كثيفة وغير عادية بحجم صندوق حذاء، ظن هول أنه على وشك تحقيق حلمه.
لكن محاولاته العديدة لكسر الصخرة باستخدام المناشير وآلات الطحن والحمض، وحتى المطرقة الضخمة، لم تنجح.
بعد سنوات، استسلم هول لفضوله العلمي، وقام بتقديم الصخرة إلى خبراء متحف ملبورن، فكانت المفاجأة العظيمة؛ إذ أظهرت التحليلات أن الصخرة ليست مجرد حجر عادي، بل هي حجر نادر جدا، إنها نيزك عمره نحو 4.6 مليار سنة.
الصخرة التي سميت بـ"ماريبورو" صنفت من نوع "إتش-5" من الكوندرايت (Chondrite) العادي، والكوندرايت هو نوع من النيازك الحجرية، ويعد من أقدم مواد النظام الشمسي، ويتميز باحتوائه على حبيبات كروية صغيرة تسمى كوندرولات (Chondrules) التي تشكلت من قطرات منصهرة بردت سريعا في السديم الشمسي المبكر.
ويمثل الكوندرايت مادة بدائية لم تتعرض لانصهار أو تمايز داخلي، لذلك يعد سجلا مهما لدراسة نشأة الكواكب وتكوين النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة.
كان الاكتشاف نادرا للغاية؛ فهذا النيزك واحد من 17 نيزكا فقط تم العثور عليها في ولاية فيكتوريا، ويعد ثاني أكبر كتلة كوندرايتية في المنطقة.
ويشير العلماء إلى أن النيازك تشكل نافذة علمية رخيصة على استكشاف الفضاء، إذ توفر معلومات عن عمر الأرض، وتكوين النظام الشمسي، وحتى المركبات العضوية المحتملة المرتبطة بنشأة الحياة.
صيد النيازك ليس مجرد هواية للكشف عن الكنوز؛ بل هو أيضا وسيلة تعليمية مذهلة، فالأجهزة الحديثة، مثل "كاشفات المعادن ذات توازن الحث" (Induction Balance Metal Detectors)، تمكن الباحث من تحديد وجود المعادن تحت الأرض بدقة، ومعظم النيازك تحتوي على الحديد والنيكل والكوبالت، وهي معادن فيرومغناطيسية، ما يجعلها أهدافا مثالية لهذه الأجهزة.
عند استخدام هذه الأجهزة، يتعرف الصيادون والطلاب على قوانين الفيزياء الأساسية، مثل الحث الكهرومغناطيسي، التي تستخدم لاكتشاف المعادن. كما يمكنهم أيضا فهم الفروق بين المعادن الموصلة وغير الموصلة، وكيفية تفسير إشارة الجهاز لتحديد نوع الهدف.
بهذه الطريقة، يتحول البحث عن النيازك إلى تجربة تعليمية تدمج الفيزياء والفلك والمادة السماوية بطريقة ممتعة وعملية.
لم يقتصر الأمر على أستراليا فقط؛ فقد أصبحت الهواية شائعة حول العالم. ففي السويد، قضى "جون لارسن" سنوات في غربلة الغبار الحضري بحثا عن النيازك الميكروية (Micrometeorites)، وهي جزيئات صغيرة جدا من المادة الكونية، لتوفير رؤى فريدة عن القرص الكوكبي الأولي.
وفي الولايات المتحدة وروسيا، ساعدت شبكات الكاميرات الرقمية وبرامج تتبع النيازك في تحديد مواقع سقوطها بدقة مستوحاة من أعمال العالم التشيكي "زدينيك سبلتشا"، الذي تمكن في عام 1959 من تتبع مسار نيزك باستخدام أشرطة تصوير طويلة التعرض.
وحتى في حالات سقوط النيازك الحديثة، فقد ساهمت جهود صيادي النيازك والمراقبين المحليين في جمع بيانات مهمة. فعلى سبيل المثال، أصبح نيزك تشيليابنسك في روسيا عام 2013 من بين أهم الأحداث الحديثة التي درسها العلماء، حيث جمعوا الشظايا وحللوها لاستخراج معلومات عن أصلها وخصائصها المعدنية والفيزيائية.
في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2008، اكتشف برنامج هو "كاتالينا لمسح السماء" (Catalina Sky Survey)، وهو مشروع مسح فلكي لرصد الأجسام القريبة من الأرض تابع لجامعة أريزونا وبدعم من ناسا، وبقيادة الفلكي "ريتشارد كوالسكي"، جسما صغيرا أُعطي الرمز "2008 تي سي-3" (2008 TC3). وبعد ساعات من الحسابات المدارية تبيّن أنه في مسار تصادمي مع الأرض، وحدد العلماء منطقة السقوط المتوقعة فوق شمال السودان.
بالفعل، ففي اليوم التالي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2008 دخل الجرم الغلاف الجوي وانفجر فوق صحراء النوبة، ليصبح أول نيزك يُرصد في الفضاء ويحسب مداره بدقة قبل سقوطه بيوم واحد فقط.
وقد نظم الدكتور معاوية شداد من جامعة الخرطوم بالتعاون مع الباحث "بيتر جينيشكنز" بعثة البحث عن شظايا النيزك ووضع خطة المسح الميداني في حملة استمرت أسبوعا كاملا وأسفرت، عبر 3 رحلات ميدانية كبرى و3 رحلات محدودة بالمركبات، عن جمع أكثر من 800 قطعة نيزكية خضعت لاحقا لدراسات علمية متعددة.
وأطلق على النيزك اسم " المحطة 6″ (Almahata Sitta) لوقوعه قرب محطة القطار رقم 6 في صحراء النوبة، فيما حظي باهتمام علمي واسع، حتى إن دورية "نيتشر" (Nature) خصصت غلاف أحد أعدادها ومقالها الرئيس للحديث عنه.
يتم تحديد موقع السقوط عبر خطوات علمية متكاملة:
بهذه الطريقة يمكن أحيانا تحديد منطقة السقوط بدقة تصل إلى بضعة كيلومترات فقط، كما حدث في حالة نيزك السودان عام 2008.
تتشكل حوالي 94% من النيازك الصخرية وتنقسم إلى نوعين أحدهما يحتوي على الكوندرايت وهي كرات صغيرة تشكلت أثناء فترة التكون المبكر للنظام الشمسي، وبعضها يحتوي على مركبات عضوية وتسمى باسمه كوندرايت (Chondrites)، والأخرى لا تحتوي عليه وتسمى أكوندرايت (Achondrites) مثل بعض النيازك القمرية والمريخية التي لا تحتوي على الكوندرايت وتوفر أدلة مباشرة على الكواكب الأصلية.
وليس من الضروري أن يكون النيزك قابلا للمغنطة، إذ إن بعض النيازك الصخرية، بما فيها القمرية والمريخية، قد لا تنجذب بوضوح إلى المغناطيس. وإذا ثبت أن العينة قمرية أو مريخية، فإنها غالبا ما تكون ذات أهمية علمية وقيمة سوقية أعلى نظرا لندرتها.
البقية وهي حوالي 6%، هي نيازك حديدية أو حديدية- صخرية، مثل نيزك هوبا في ناميبيا، الذي يزن 60 طنا ويعد أكبر نيزك حديدي معروف على الأرض.
وهناك أيضا نيازك من نوع "بالاسايت" (Pallasite) وهي مزيج من الحديد-النيكل والكريستالات البرلينية، وتمثل الحدود بين نواة ووشاح كوكب صغير سابق.
يبدأ صيد النيازك بالانتباه إلى الظواهر السماوية؛ فإذا شاهد الشخص شعاعا أو كرة نارية في السماء، يمكنه تقدير مسار النيزك باستخدام الزوايا والأماكن التي شوهد منها، ومن ثم تعقب موقع سقوطه، وتزداد قيمة اليقين في الموقع، إن شوهد النيزك من أكثر من زاوية في الوقت نفسه.
وبعد سقوطه، يتم جمع الشظايا وتحليلها، وفي بعض الحالات، يمكن لجهود الصيادين الهواة أن تكون مساهمة كبيرة للعلم. ويحسب لصيادي النيازك في المغرب المساهمة في أكثر من ثلثي النيازك المعروفة عالميا إذ البحث عن النيازك مسموح بشكل رسمي ضمن شروط محدودة.
فعلى سبيل المثال، استطاع صيادو النيازك في مناطق مثل السودان، وروسيا، وأستراليا جمع الشظايا بسرعة، قبل أن تتعرض للتلوث أو الضياع، ما ساعد العلماء على دراسة التركيب الكيميائي والمعدني وتحليل عمر النيزك وتاريخه.
لكل نيزك قصة خاصة؛ فهي تحكي عن المواد الأولية التي شكلت الأرض والكواكب، وعن تصادم الأجرام السماوية في الحزام الكويكبي بين المريخ والمشتري، وعن الرحلة الطويلة عبر الفضاء قبل أن تتقاطع مع مسار الأرض.
نيزك "تامداخت" بالمغرب وتظهر عليه بوضوح القشرة الانصهارية باللون الأسود (الصورة من ميتيورايت ريكون كوم)ولأن بعض النيازك تحتوي على مواد لم تتعرض للتغير على مدى مليارات السنين، يجعلها ذلك سجلات دقيقة لتاريخ النظام الشمسي المبكر.
إن دراسة النيازك لا تقتصر على مجرد معرفة مكونات الصخور، بل تشمل أيضا الفيزياء التي مرّت بها أثناء دخولها الغلاف الجوي للأرض، مثل الاحتكاك والحرارة العالية التي تشكل الطبقة المنصهرة على السطح المعروفة باسم "القشرة الكربونية" (Fusion Crust)، و"الأشكال الغائرة" (Regmaglypts) التي تعكس تأثير القوى الهوائية.
توضح قصص صائدي الذهب مثل "ديفيد هول" في أستراليا، أو هواة البحث عن النيازك في أوروبا وأمريكا، كيف يمكن للهوايات أن تتحول إلى مساهمات علمية مهمة.
فكل حجر يبدو عاديا قد يكون نافذة على بدايات النظام الشمسي، وكل رحلة بحث عن النيازك تعلمنا الفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك بطريقة عملية وممتعة.
قد يبدو حجرا من ذهب لأول وهلة، لكنه قد يكون نيزكا أثمن من الذهب (شترستوك)من خلال الجمع بين الهواية، العلم، والمغامرة، أصبح بإمكان الأفراد العاديين أن يشاركوا في استكشاف أعظم أسرار الكون، وأن يحولوا صخرة صلبة على الأرض إلى سجل حي لتاريخ النظام الشمسي منذ 4.6 مليارات سنة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة