آخر الأخبار

عوامل "خفية" تحت سطح البحر تزيد خطر الزلازل في إسطنبول

شارك

كشفت دراسة جيوفيزيائية حديثة أن الخطر الزلزالي الذي يهدد مدينة إسطنبول التركية لا تحدده الصدوع النشطة وحدها، بل تلعب عوامل جيولوجية خفية في أعماق الأرض دورا محوريا في رسم سيناريو الزلازل المستقبلية، خاصة على طول صدع شمال الأناضول الممتد أسفل بحر مرمرة.

واعتمدت الدراسة التي نشرها باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا، على نماذج فيزيائية ثلاثية الأبعاد تحاكي سلوك الصدع الزلزالي على مدى يقارب 10 آلاف أعوام، مع الأخذ في الاعتبار تأثير درجة الحرارة في الأعماق وسمك الرواسب تحت قاع البحر، وهي عوامل غالبا ما تُهمَل في التقديرات التقليدية لمخاطر الزلازل.

والصدع الزلزالي هو كسر أو شقّ في القشرة الأرضية تتحرك على جانبيه الصخور، وعند انزلاقها فجأة تتحرّر طاقة على هيئة موجات زلزالية.

مصدر الصورة هذه العوامل تُجزّئ سلوك صدع بحر مرمرة (الجزيرة)

ما وراء هندسة الصدع

وفي حديث للجزيرة نت، توضح الباحثة في علوم الأرض بجامعة جنوب كاليفورنيا، الدكتورة سيزيم إزغي غوفرجين، والتي قادت الدراسة، أن "تجزئة الصدع تنتج عن عدم التجانس في سماكة وقوة الرواسب على طول الصدع، وتغيرات درجة الحرارة مع العمق، وتغيرات معدل الانزلاق".

ومن غير المرجّح أن ينكسر الصدع في حدث واحد مدمر، حيث تلعب سماكة الرواسب ودرجات الحرارة دورا في خلق "حواجز" تقسم الصدع إلى قطاعات متعددة ينتج عنها زلازل مختلفة في الحجم والتكرار.

وبحسب الباحثة تلعب الطبقات الرسوبية السميكة والضعيفة في قاع بحر مرمرة دورا حاسما نسبيا من خلال تعديل ظروف الاحتكاك على طول الصدع، فبدلا من السماح للتمزق بالانتشار بلا توقف، يمكن لهذه الرواسب أن تعزز الانزلاق المستقر (الزحف) أو توقف التمزق تماما، ما يخلق حدودا طبيعية للزلزال ويحدد "أين وكيف وبأي درجة" قد تحدث.

كما تميل درجات الحرارة المرتفعة إلى تحويل التوازن في العمق نحو التشوه اللدن أو اللزج، ويمكن لها أن تغير استقرار الاحتكاك، ويشكل فعليا المناطق التي يمكن للصدع أن ينغلق فيها ويراكم الإجهاد مقابل المناطق التي قد يزحف فيها، وهذه العوامل مجتمعة تجعل سلوك صدع مرمرة الرئيسي معقدا للغاية بحيث لا يمكن وصفه بسيناريو واحد.

مصدر الصورة السيناريو الأكثر ترجيحا ليس وقوع زلزال واحد كارثي يكسر الصدع بالكامل (شترستوك)

السيناريو المتوقع في إسطنبول

تشير نتائج النماذج إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحا، حسب الدراسة، ليس وقوع زلزال واحد كارثي يكسر الصدع بالكامل، بل سلسلة من الزلازل المتوسطة، أو ربما القوية.

إعلان

وبحسب الدراسة، فهذه النتائج لا تقلل أو ترفع من خطورة الزلازل على إسطنبول، لكنها تقدم فهما أدق لكيفية تراكم وتحرر الطاقة الزلزالية، وهو ما يمكن أن ينعكس مباشرة على تخطيط المدن، ومعايير البناء، وخطط الاستعداد للطوارئ.

كما رصدت الدراسة وجود مناطق تشهد ما يُعرف بالانزلاق البطيء، وهي حركة زلزالية صامتة تتوافق مع بيانات الأقمار الصناعية والقياسات الجيوديزية الحديثة، وتعزز موثوقية النموذج المستخدم.

وتشير الباحثة في حديثها للجزيرة نت إلى مفهوم "الحاجز الريولوجي" إذ يتم التعبير عن فكرة الحاجز الريولوجي كقسم مقاوم للتمزق بالقرب من حوض مرمرة الأوسط يفصل بين الأجزاء الغربية والشرقية المتميزة ميكانيكيا.

وتتصرف هذه الحواجز، ولا سيما تحت بعض أحواض الرواسب في بحر مرمرة، بشكل أكثر ليونة أو لزوجة مقارنة بالأجزاء المجاورة من الصدع، ما يجعلها أقل قابلية لحدوث كسر زلزالي مفاجئ.

نتيجة لذلك، يعمل الحاجز الريولوجي كعنصر يحدّ من انتشار الكسر الزلزالي السريع، وقد يوقفه أو يحوّله إلى انزلاق بطيء يفرغ الطاقة تدريجيا دون زلزال قوي، ويفسر هذا السلوك لماذا لا ينكسر صدع شمال الأناضول دفعة واحدة في حدث كارثي شامل، بل ينقسم نشاطه إلى زلازل متعددة ومتباينة الشدة، وهو ما يعيد تشكيل فهم المخاطر الزلزالية المحيطة بإسطنبول.

ففي الجزء الغربي من بحر مرمرة، يُتوقع حدوث زلازل قوية نسبيًا كل 150 عاما تقريبا، بينما يُظهر الجزء الشرقي نشاطا أكثر تكرارا لكن بزلازل أقل قوة.

آليات التنبؤ والاستعداد

تخلص الدراسة إلى أن دمج العوامل الحرارية والجيولوجية العميقة في نماذج المخاطر الزلزالية يمثل خطوة أساسية نحو تقديرات أكثر واقعية، خاصة في المدن الكبرى المعرضة لهزات مدمّرة مثل إسطنبول.

وتقول الباحثة إن العلماء لا يستطيعون حتى الآن قياس كل ما يجري في أعماق الأرض بشكل مباشر، لكن تحسين بعض البيانات الأساسية كفيل بجعل النماذج الزلزالية أكثر واقعية، ومن شأنه أن يحسّن دقة التنبؤ بالزلازل مستقبلا.

وتوضح للجزيرة نت أن أكثر ما يحتاجه الباحثون هو صور أدق لحرارة باطن الأرض تحت صدع مرمرة، إذ تحدد درجة الحرارة ما إذا كانت الصخور ستنغلق وتخزن الطاقة لزلزال قوي، أم ستنزلِق ببطء دون هزات مدمّرة، مع التأكيد على دراسة وفهم سماكة الرواسب وبنية الأحواض تحت بحر مرمرة بدقة أكبر، لأن هذه المناطق تلعب دورا شبيها بالحواجز التي قد توقف أو تُجزّئ انتشار الكسر الزلزالي.

وتضيف أن ضغط السوائل داخل الصدع وخصائص الاحتكاك بين الصخور من العوامل الحاسمة التي تتحكم في قوة الزلازل، مؤكدة أن تحسين هذه القياسات عبر المسوح الجيوفيزيائية والتجارب المخبرية سيساعد العلماء على معرفة أي أجزاء الصدع مرشحة للانكسار العنيف، وأيها يميل إلى الانزلاق الهادئ، وهو ما يعزز دقة توقع سيناريوهات الخطر الزلزالي في إسطنبول.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار