في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني 2026، هبطت كبسولة العودة الصينية "شينتشو-20" (Shenzhou-20) بسلام في منغوليا الداخلية بعد أن أمضت 270 يوما في الفضاء، في نهاية مهمة لم تكن عادية بقدر ما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الصين على التعامل مع أسوأ سيناريوهات الفضاء الحديثة. فكيف كانت المغامرة؟
على ارتفاع مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، حيث يسود الصمت المطلق ولا مجال للخطأ، وجدت الصين نفسها أمام أحد أصعب الاختبارات في تاريخ برنامجها الفضائي المأهول.
لم يكن هناك انفجار مفاجئ ولا عطل صاخب يعلن الخطر، بل تشققات دقيقة في نافذة كبسولة العودة "شينتشو-20″، تبيّن لاحقا أنها ناجمة عن اصطدام غير متوقع بحطام فضائي يدور في المدار الأرضي المنخفض.
في الفضاء قد يكون خلل صغير كافيا لتحويل رحلة علمية ناجحة إلى مأساة إنسانية، لكن في مراكز التحكم الصينية، لم يكن السؤال المطروح هو ما إذا كان بالإمكان إعادة المركبة إلى الأرض، بل كان السؤال الأهم والأكثر حساسية: كيف يمكن ضمان عودة الإنسان سالما أولا، مهما كانت كلفة القرار تقنيا أو زمنيا؟
في تلك اللحظة كان على متن محطة الفضاء الصينية "تيانغونغ" ثلاثة رواد فضاء أنهوا أشهرا طويلة من التجارب العلمية والعمل الدقيق في المدار. وعند تأكيد وجود التشققات اتخذت السلطات الفضائية الصينية قرارا غير قابل للتراجع: عدم المجازفة بإعادة الرواد داخل كبسولة قد لا تتحمل ظروف العودة القاسية.
عوضا عن ذلك، جرى تنفيذ خطة طوارئ هادئة لكنها بالغة التعقيد، وأُعيد الرواد إلى الأرض بسلام على متن مركبة "شينتشو-21″، فيما تُركت "شينتشو-20" في المدار فارغة من البشر.
لم يكن هذا انسحابا من التحدي، بل بداية لفصل جديد أكثر جرأة، تحوّلت فيه الأزمة إلى اختبار هندسي غير مسبوق لقدرات الصين على إدارة المخاطر في الفضاء دون التضحية بحياة إنسان واحد.
بعد تأمين سلامة الرواد، بدأ التحدي الأصعب. أُطلقت مركبة "شينتشو-22" في مهمة طارئة حملت معها معدات صُممت خصيصا لتعزيز حماية الكبسولة المتضررة ورفع قدرتها على تحمّل الحرارة الهائلة الناتجة عن اختراق الغلاف الجوي.
وللمرة الأولى أثناء التشغيل الكامل لمحطة فضائية صينية، جرى تشخيص الضرر بدقة عبر التصوير الفضائي، وأُدخلت تعديلات حرارية وبنيوية محسوبة، كما أُعيد ضبط توازن الكبسولة بعناية شديدة لتعويض غياب وزن الرواد واستبداله بحمولات علمية تضمن استقرار المركبة أثناء الهبوط.
كل هذه العمليات نُفذت عن بُعد، من الأرض، دون تدخل بشري مباشر في الفضاء، في مشهد يعكس مستوى متقدما من التنسيق بين الإنسان والآلة، وبين القرار السياسي والهندسة الدقيقة.
في 19 يناير/كانون الثاني 2026، وبعد 270 يوما في المدار، بدأت "شينتشو-20" رحلتها الأخيرة. لم يكن على متنها رواد فضاء، لكنها حملت معها اختبارا حقيقيا لقدرة دولة على التحكم الكامل بمصير مركبة متضررة في واحدة من أخطر مراحل أي رحلة فضائية.
اخترقت الكبسولة الغلاف الجوي، وواجهت درجات حرارة تُقاس بالآلاف، ثم هبطت بسلام في منغوليا الداخلية، مؤكدة نجاحا تقنيا وإنسانيا في آن واحد.
لم تكن هذه عودة مركبة فحسب، بل رسالة واضحة بأن الصين لا تُقاس إنجازاتها بعدد الرحلات فقط، بل بقدرتها على إنهائها بأمان، حتى في أسوأ السيناريوهات.
بعيدا عن الأضواء الصاخبة التي تحيط عادة بالبرامج الفضائية الغربية، تسير الصين في الفضاء بخطى هادئة ولكن ثابتة. فمنذ إرسال أول رائد فضاء صيني عام 2003، مرورا ببناء محطة "تيانغونغ" بقدرات وطنية مستقلة، وصولا إلى الهبوط على الجانب البعيد من القمر، ثم النجاح في الوصول إلى المريخ من المحاولة الأولى، بات واضحا أن بكين تبني برنامجا فضائيا قائما على الاستمرارية، لا على الاستعراض.
قصة "شينتشو-20" تكشف جانبا نادرا من هذه المسيرة: القدرة على إدارة الأزمات المعقدة، وتشغيل عدة مركبات ومحطة مأهولة في وقت واحد، واتخاذ قرارات صعبة تُقدّم الإنسان على الإنجاز الدعائي.
في عصر تتسارع فيه سباقات الفضاء وتزداد فيه المخاطر مع ازدحام المدار بالحطام والأقمار الصناعية، تطرح قصة "شينتشو-20" سؤالا أعمق من مجرد التفوق التقني: ما قيمة الإنجاز إن لم يكن الإنسان في صلبه؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة