مساهمة | من فوضى الأسواق إلى شفافية المعاملات: هل تستطيع الجزائر تنظيم مسار السلعة من المنتج إلى المستهلك؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مصدر الصورة
مساهمة | من فوضى الأسواق إلى شفافية المعاملات: هل تستطيع الجزائر تنظيم مسار السلعة من المنتج إلى المستهلك؟
الفاتورة ليست مجرد وثيقة، بل أساس تنظيم السوق
الجزائرالٱن _ لا يمكن الحديث عن حماية القدرة الشرائية للمواطن وإصلاح منظومة التوزيع دون طرح سؤال جوهري:
كيف يمكن تنظيم السوق وضبط الأسعار إذا لم نتمكن من ضمان شفافية المعاملات التجارية عبر مختلف حلقات البيع والشراء؟
إن المشكلة لا تتعلق فقط بوفرة السلع أو ندرتها، بل بكيفية انتقالها من المنتج إلى المستهلك، وبمدى قدرتنا على معرفة مصدرها وكمياتها وتكاليف نقلها وتخزينها وأسعار بيعها في كل مرحلة.
فالسوق الذي لا تتوفر فيه المعلومات الكافية عن حركة السلع يظل معرضًا للاختلالات، وتصبح معالجة ارتفاع الأسعار أقرب إلى التدخل الظرفي منها إلى سياسة اقتصادية مبنية على المعطيات.
إن الفاتورة، في هذا السياق، ليست مجرد وثيقة محاسبية أو التزام جبائي، بل أداة أساسية لفهم السوق ومراقبة معاملاته.
فهي تسمح بتحديد هوية البائع والمشتري، ومعرفة طبيعة السلعة وكميتها وقيمة المعاملة، وتساعد على تتبع مسارها التجاري.
غير أن وجود الالتزام القانوني بالفوترة لا يعني بالضرورة تحقق التغطية الفعلية لجميع المعاملات؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من النصوص القانونية إلى التطبيق الميداني، ومن الرقابة التقليدية إلى منظومة متكاملة تتيح تتبع السلع والكشف عن الاختلالات في الوقت المناسب.
أسواق الجملة والتجزئة: منظومة واحدة ومسؤوليات متكاملة
إن التوجه نحو إنشاء أسواق جملة حديثة يمثل فرصة لإعادة تنظيم قنوات التوزيع، لكنه لن يحقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنتظر إذا لم يترافق مع إصلاح أسواق التجزئة داخل البلديات.
فالمشكل لا يكمن فقط في كيفية دخول السلع إلى سوق الجملة، بل أيضًا في طريقة خروجها، والجهات التي تشتريها، والمسارات التي تسلكها.
وهوامش التكاليف التي تضاف إليها قبل وصولها إلى المستهلك. وإذا بقيت أسواق التجزئة خارج رؤية واضحة للتسيير والتنظيم.
فإن أي استثمار في أسواق الجملة قد يحقق نتائج محدودة، لأن الاختلالات ستستمر في الحلقات اللاحقة من سلسلة التوزيع.
وتزداد أهمية هذا الموضوع عندما نلاحظ تفاوت مستويات تنظيم الأسواق المحلية بين البلديات؛ فبعضها يمتلك فضاءات تجارية مهيأة.
بينما تعاني مناطق أخرى من ضعف البنية التحتية أو انتشار نقاط البيع غير المنظمة أو غياب تسيير اقتصادي واضح.
لذلك، لا بد من تحديد المسؤوليات بدقة بين البلدية التي تتولى مهامًا محلية تتعلق بالأسواق التابعة لها، ومصالح التجارة المعنية بالرقابة الاقتصادية وحماية المستهلك، وبقية القطاعات المتدخلة في الإنتاج والتموين والنقل والتخزين.
والمطلوب ليس تداخل الصلاحيات، بل تنسيقها ضمن استراتيجية وطنية تجعل كل طرف مسؤولًا عن مهامه، وتحدد آليات التعاون والتقييم والمساءلة.
من الرقابة على الأسعار إلى تتبع مسار السلعة
إن مراقبة الأسعار عند نقطة البيع، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات.
فارتفاع سعر سلعة معينة قد يرتبط بتكاليف الإنتاج أو النقل أو التخزين أو التلف، وقد ينتج عن تعدد الوسطاء أو ضعف المنافسة أو اختلال العرض والطلب.
ومن دون بيانات موثوقة عن هذه المراحل، يصعب التمييز بين الارتفاع المبرر اقتصاديًا والممارسات التي تستوجب التحقيق والرقابة.
لذلك، تحتاج الجزائر إلى الانتقال من التركيز على السعر النهائي فقط إلى فهم العوامل التي ساهمت في تكوينه.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء منظومة رقمية وطنية لتتبع السلع، تبدأ من المنتج أو المستورد، وتمر عبر أسواق الجملة والنقل والتخزين.
وصولًا إلى تاجر التجزئة. وتتيح هذه المنظومة تسجيل الكميات والمعاملات والفواتير، مع احترام القواعد القانونية المتعلقة بالبيانات والسرية التجارية.
كما تسمح بتكوين قاعدة معلومات تساعد السلطات على تحديد مناطق النقص، ورصد التغيرات غير المعتادة في الأسعار، ومقارنة تكاليف التوزيع بين المناطق، واتخاذ التدابير المناسبة بناءً على الأدلة بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية.
ولا يعني ذلك فرض سعر إداري موحد على جميع السلع أو تجاهل اختلاف تكاليف النقل والتوزيع بين المناطق، بل يعني توفير المعلومات التي تجعل السوق أكثر شفافية، وتعزز المنافسة، وتساعد على كشف الممارسات غير المشروعة.
فالهدف هو تنظيم السوق دون خنق المبادرة الاقتصادية، وحماية المستهلك دون إلحاق الضرر بالمنتج والتاجر الملتزمين بالقانون.
الشراكة بين القطاعين العام والخاص: من يتحمل ماذا؟
إن بناء منظومة حديثة للتوزيع يتطلب استثمارات في البنية التحتية والتخزين المبرد والنقل والرقمنة، وهي مجالات يمكن أن تشكل فرصة لتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
فالدولة مطالبة بوضع الإطار التنظيمي، وتوفير شروط المنافسة، وضمان حماية المستهلك، ومراقبة احترام الالتزامات.
أما القطاع الخاص، فيمكنه المساهمة في تمويل المنشآت وتجهيزها، وتسيير الأسواق، وتطوير منصات الفوترة والتتبع، وتحسين الخدمات اللوجستية.
لكن نجاح هذه الشراكة يقتضي ألا تتحول إلى مجرد منح امتيازات دون مقابل اقتصادي واجتماعي واضح.
فلا بد من عقود شفافة، ودفاتر شروط دقيقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل جودة الخدمات، واحترام المنافسة، وشفافية المعاملات، وتكاليف التسيير، ومدى استفادة التجار والمستهلكين.
كما يجب الحفاظ على الدور السيادي للدولة في التنظيم والرقابة، لأن تحرير التسيير لا يعني التخلي عن مسؤولية حماية السوق من الاحتكار.
وفي هذا الإطار، يمكن إطلاق مشروع تجريبي يجمع سوق جملة منظمًا بشبكة من أسواق التجزئة البلدية، مع اعتماد الفوترة الرقمية وتتبع الكميات ونشر مؤشرات الأسعار.
وبعد تقييم النتائج، يمكن توسيع التجربة تدريجيًا إلى ولايات أخرى، بما يسمح بتصحيح النقائص قبل تعميم النموذج وبتكييفه مع خصوصيات المناطق الزراعية والصناعية والتجارية.
إدماج النشاط غير الرسمي بدل الاكتفاء بالعقوبات
غير أن أي استراتيجية لتنظيم السوق ستظل محدودة الأثر إذا اعتمدت على الرقابة والعقوبات وحدهما. فإدماج التجار الناشطين خارج الأطر الرسمية يتطلب معالجة الأسباب التي تدفع بعضهم إلى تجنب التنظيم، بما في ذلك تعقيد الإجراءات، وتكاليف الامتثال، ونقص الفضاءات التجارية المناسبة.
لذلك، ينبغي تبسيط إجراءات التسجيل والفوترة، وتوفير أدوات رقمية سهلة الاستخدام، وتطوير أسواق منظمة بأسعار إيجار معقولة، وتقديم مرافقة عملية للتجار الراغبين في تسوية وضعيتهم.
إن الهدف ليس توسيع دائرة العقوبات، بل توسيع دائرة الامتثال للقانون.
فكلما أصبحت الفوترة أسهل، والخدمات أفضل، والإجراءات أكثر وضوحًا، ارتفعت فرص إدماج النشاط التجاري في الاقتصاد المنظم. وفي المقابل، ينبغي أن تطبق الرقابة بفعالية على المخالفات المثبتة، مع التمييز بين التاجر الذي يحتاج إلى تسهيل إجراءات التسوية وبين الممارسات التي تقوم على إخفاء المعاملات أو التلاعب أو الاحتكار.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل تنظيم السوق
يقودنا هذا التشخيص إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل الأول في الاكتفاء بإنشاء أسواق جملة جديدة وتشديد الرقابة التقليدية، مع استمرار ضعف تنظيم أسواق التجزئة.
وقد يحسن هذا الخيار بعض جوانب التموين، لكنه لن يضمن معالجة الاختلالات التي تقع بين الجملة والمستهلك. أما السيناريو الثاني، فيقوم على إصلاح تدريجي يشمل الفوترة والرقمنة وتنظيم بعض الأسواق البلدية.
وهو خيار يسمح بتحقيق نتائج أولية، لكنه يحتاج إلى تنسيق مستمر حتى لا تبقى المنظومة مجزأة.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في بناء استراتيجية وطنية متكاملة للتوزيع، تربط الإنتاج بأسواق الجملة وشبكات التجزئة.
وتجمع بين الرقمنة والشراكة العمومية-الخاصة وتحديد المسؤوليات والرقابة القائمة على البيانات.
وهذا السيناريو يتطلب وقتًا واستثمارات وتنسيقًا مؤسسيًا، لكنه يسمح ببناء قاعدة معلومات اقتصادية أكثر دقة، ويعزز قدرة الدولة على استباق الاختلالات بدل انتظار تحولها إلى أزمات تموين أو ارتفاعات حادة في الأسعار.
ويجب أن يُقاس نجاح هذه الاستراتيجية بمؤشرات واضحة، منها ارتفاع نسبة المعاملات المفوترة، وتحسن معرفة مصادر السلع والكميات المتداولة، وتراجع الخسائر الناتجة عن ضعف التخزين والنقل.
وتقليص الفوارق غير المبررة في الأسعار، وتحسن انتظام التموين. فالإصلاح لا يُقاس بعدد المنصات الرقمية التي أُطلقت أو الأسواق التي أُنجزت، بل بالنتائج التي تحققها هذه الأدوات في الاقتصاد الحقيقي وفي حياة المواطن.
الخاتمة: لا يمكن تنظيم ما لا نعرف كيف يتحرك
إن تنظيم السوق في الجزائر لا يبدأ من بناء سوق جملة جديد، ولا ينتهي بمراقبة الأسعار عند تجار التجزئة، بل يبدأ ببناء منظومة معلومات موثوقة تتبع السلعة منذ خروجها من المنتج إلى غاية وصولها إلى المستهلك.
فالفاتورة تمثل إحدى حلقات هذا النظام، والرقمنة وسيلة لتطويره، والشراكة بين القطاعين العام والخاص أداة لتمويله وتسييره، بينما تبقى الدولة مسؤولة عن وضع القواعد وضمان المنافسة وحماية المواطن.
إن الدولة التي تريد ضبط السوق يجب أن تعرف ليس السعر الذي يراه المواطن فقط، بل المسار الذي صنع ذلك السعر.
وعندما تصبح الكميات والمصادر والمعاملات وتكاليف التوزيع أكثر وضوحًا، يمكن الانتقال من سياسة التدخل بعد ارتفاع الأسعار إلى سياسة استباقية تعالج الاختلالات في بدايتها.
فالرهان الحقيقي ليس أن نملأ الأسواق بالسلع فحسب، بل أن نبني الطريق المنظم الذي تصل عبره هذه السلع إلى الناس.
وعندها فقط يمكن أن تتحول حماية القدرة الشرائية من شعار ظرفي إلى نتيجة اقتصادية قابلة للقياس، وأن يصبح تنظيم السوق رافعة لدعم الإنتاج الوطني، وتعزيز الثقة بين المواطن والتاجر والدولة، وترسيخ اقتصاد أكثر شفافية وكفاءة وعدالة.