تسعى الجزائر إلى تحقيق توازن بين تثمين مواردها من المحروقات وتطوير الطاقات النظيفة والتكنولوجيات منخفضة الكربون، ضمن انتقال طاقوي تدريجي ومسؤول، بما يعزز أمن الإمدادات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ويدعم دورها كمنصة طاقوية وصناعية إقليمية تربط إفريقيا بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

وفي هذا الإطار، أوضح وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، في كلمة بمناسبة معرض ومؤتمر الطاقة والهيدروجين لإفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط “ناباك 2026″، أن هذا الطموح يندرج في سياق دولي يشهد تحولات عميقة وإعادة تشكيل مستمرة للمنظومات الطاقوية، بفعل التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق والمتطلبات البيئية المتزايدة.

وأشار الوزير إلى أن هذه التحولات جعلت من أمن الطاقة والتحكم في التكاليف وخفض الانبعاثات تحديات مترابطة، تستدعي اعتماد مقاربات متكاملة تراعي مختلف أبعاد المنظومة الطاقوية وتضمن في الوقت ذاته استمرارية الإمدادات ودعم التنمية.

واعتبر عرقاب أنه من هذا المنظور، تكتسي فكرة “الإضافة الطاقوية” أهمية خاصة، باعتبارها لا تقوم على وضع مصادر الطاقة في مواجهة بعضها البعض، وإنما على بناء منظومات أكثر مرونة وكفاءة وأقل كثافة كربونية، قادرة في الوقت ذاته على تلبية احتياجات التنمية والتصنيع، وتوسيع الوصول إلى الطاقة وتعزيز التنافسية.

والنسبة للجزائر، -يقول عرقاب- فإن الانتقال الطاقوي، لكي يكون واقعيا، ينبغي أن يكون تدريجيا ومسؤولا، ومتحكما فيه من الناحية التكنولوجية، ومتوافقا مع متطلبات أمن الإمدادات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبالنسبة للغاز الطبيعي، فسيواصل حسب عرقاب أداء دور مهم باعتباره مصدرا للمرونة الطاقوية وعنصرا في تثمين الموارد صناعيا، ووقودا محوريا في منظومة أكثر كفاءة ونظافة.

وفي السياق ذاته، لفت عرقاب إلى أن التوقعات الدولية إلى استمرار الحاجة إلى النفط والغاز خلال العقود المقبلة، بما يؤكد ضرورة مواصلة الاستثمار في هذا القطاع، بالتوازي مع تطوير الطاقات النظيفة والتكنولوجيات منخفضة الكربون.

وعليه، أكد وزير الدولة، وزير المحروقات، أن الجزائر ستواصل تثمين واستغلال مواردها من المحروقات بصورة مسؤولة ومستدامة، بما يعزز مكانتها كمورد موثوق للطاقة، ويساهم في تمويل الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة.

جولة العطاءات 2026 لتعزيز الاستثمار

وفي سياق تعزيز الاستثمارات، أبرز عرقاب أهمية جولة العطاءات الجزائرية 2026، التي اعتبرها محطة لفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة في قطاع المحروقات، ضمن إطار تنافسي وشفاف وموجه نحو المدى الطويل.

وأوضح أن التقدم نحو تقديم العروض مقرر في جانفي 2027، على أن يتم توقيع العقود في مارس من السنة نفسها، داعيا الشركات والمستثمرين والمتعاملين في الخدمات والهندسة والشركاء التكنولوجيين إلى الاستفادة من الفرص التي يتيحها السوق الجزائرية.

كما أكد أن القانون رقم 19-13 المتعلق بالمحروقات يوفر إطارا أكثر جاذبية للاستثمار في مجالات البحث والاستكشاف والإنتاج، واعتماد التكنولوجيات الحديثة، لاسيما تقنيات الاستخلاص المعزز للمحروقات، بهدف رفع معدلات الاسترداد وتحقيق استغلال أمثل للموارد.

أنبوب الغاز العابر للصحراء في صلب الرؤية الإقليمية

وفي مجال البنى التحتية، أبرز الوزير الأهمية التي توليها الجزائر لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، باعتباره جزءا من رؤيتها لتعزيز الربط بين الموارد الإفريقية والأسواق المتوسطية والأوروبية.

وأكد أن المشروع لا يمثل مجرد ممر لتصدير الغاز، بل يحمل أبعادا مرتبطة بتثمين الموارد الإفريقية وتعزيز الاندماج القاري وتطوير البنى التحتية وتوسيع الوصول إلى الطاقة وتحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية لدول العبور.

وأشار إلى أن الدراسات التقنية والاقتصادية للمشروع شهدت تقدما مهما، إلى جانب إطلاق الأشغال المتعلقة بالشطر الجزائري بمنطقة آولف بولاية أدرار في جوان الماضي، مؤكدا مواصلة تطوير المشروع بواقعية وتنسيق ومسؤولية، مع مراعاة الجوانب التقنية والتجارية والأمنية والمالية.

خفض الانبعاثات وتعزيز الكفاءة

وفي الجانب البيئي، أكد عرقاب أن التنافسية الطاقوية أصبحت مرتبطة أيضا بالأداء الكربوني، مشيرا إلى أن الجزائر تولي، من خلال سوناطراك، أهمية متزايدة لخفض الانبعاثات وتحسين الكفاءة الطاقوية وقياس الأداء المناخي.

وأوضح أن سوناطراك تستهدف القضاء على الحرق الروتيني للغاز في أفق 2030 والوصول إلى مستويات قريبة من الصفر في انبعاثات الميثان في الأفق نفسه، مشيرا إلى انخفاض أحجام الغاز المحروق بنسبة 25 بالمائة بين 2020 و2024، واسترجاع أكثر من مليار متر مكعب من الغاز المصاحب عبر مشاريع التثمين.

كما لفت إلى أن برامج الكشف عن التسربات وإصلاحها وآليات القياس والإبلاغ والتحقق تساهم في تحسين الأداء المناخي للقطاع، إلى جانب مشروع إعادة التشجير الذي يشمل أكثر من 420 مليون شجرة خلال عشر سنوات.

شراكات جديدة وتحويل الفرص إلى مشاريع

وأكد عرقاب أن الجزائر تريد تعزيز موقعها كمنصة طاقوية وصناعية موثوقة، تساهم في ربط الديناميكيات الإفريقية والمتوسطية والأوروبية، في إطار من التعاون والاستقرار والمنفعة المتبادلة.

وشدد على أن التحديات التي تواجه منظومات الطاقة لا يمكن لأي دولة أو مؤسسة مواجهتها بمفردها، ما يجعل التعاون التقني والتكنولوجي وتبادل الخبرات عناصر أساسية لبناء منظومات طاقوية أكثر أمنا وكفاءة واستدامة.

وأوضح أن المضمون الحقيقي لمفهوم “الإضافة الطاقوية” لا يكمن في الخطابات، وإنما في الحلول والاستثمارات والبنى التحتية والتكنولوجيات والكفاءات، بما يساهم في بناء طاقة أكثر أمنا وإتاحة وأقل كثافة كربونية بصورة تدريجية.

وفي هذا السياق، دعا الوزير الشركات الوطنية والدولية والمؤسسات المالية ومزودي التكنولوجيا ومكاتب الهندسة ومراكز البحث والمؤسسات الناشئة إلى العمل على مشاريع قابلة للإنجاز والتمويل، قادرة على خلق مناصب الشغل وتطوير الكفاءات وتحقيق قيمة مضافة.

وخلص عرقاب إلى التأكيد على استعداد الجزائر للعمل مع مختلف الشركاء لتحويل الفرص التي تتيحها الجزائر وإفريقيا إلى مشاريع ملموسة، وبناء مستقبل طاقوي أكثر أمنا ومرونة واستدامة، بما يخدم الشعوب والاقتصادات ويعزز التعاون بين إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.