آخر الأخبار

تغطية خاصة|68 سنة على تأسيس الحكومة المؤقتة.. حين نقلت الثورة الجزائرية صوتها من ساحات الكفاح إلى المحافل الدولية

شارك
بواسطة بلقور محمد
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

●تغطية خاصة | 68 سنة على تأسيس الحكومة المؤقتة.. حين نقلت الثورة الجزائرية صوتها من ساحات الكفاح إلى المحافل الدولية

الجزائر الآن – أحيت الجزائر الذكرى الـ68 لتأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في 19 سبتمبر 1958، من خلال ندوة تاريخية استحضرت هذه المحطة المفصلية في مسار الثورة التحريرية. وما رافقها من تطور في التنظيم السياسي والدبلوماسي للثورة، بالتوازي مع استمرار الكفاح المسلح في الداخل.

مصدر الصورة

وشكلت الندوة مناسبة لاستعادة صفحات من تاريخ الثورة من خلال مداخلات أكاديمية وشهادات حية لرجال ونساء عايشوا مرحلة الكفاح الوطني.

حيث تناول المتدخلون أبعاد تأسيس الحكومة المؤقتة ودورها في تدويل القضية الجزائرية، وكسر الحصار الدبلوماسي والإعلامي الذي فرضه الاستعمار الفرنسي، وصولًا إلى مفاوضات إيفيان واستعادة السيادة الوطنية.

● الحكومة المؤقتة.. محطة مفصلية في نضج الثورة

وفي ذات المناسبة فقد اكد الدكتور عمر بوضربة، أستاذ جامعي ومختص في تاريخ الجزائر المعاصر وتاريخ الثورة التحريرية، أن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية مثل قمة النضج في التمثيل التنظيمي والسياسي للثورة.

وأوضح بوضربة، في تصريح لـ «الجزائر الآن»، أن الإعلان عن الحكومة المؤقتة في 19 سبتمبر 1958 بالعاصمة المصرية القاهرة.

جاء بعد مرحلة كانت فيها لجنة التنسيق والتنفيذ تتولى التمثيل والإشراف على الجهاز التنفيذي للثورة، قبل أن تتجه قيادة الثورة إلى الارتقاء بهذا التمثيل إلى مستوى حكومة مؤقتة.

مصدر الصورة

وأشار إلى أن هذه الخطوة كانت تهدف إلى تعزيز شرعية الثورة ومصداقيتها على المستوى الدولي، خاصة داخل منظمة الأمم المتحدة والمؤتمرات العربية والأفروآسيوية، إلى جانب توسيع دائرة الدعم الدبلوماسي والمعنوي والمادي للثورة.

● تدويل القضية الجزائرية وكسر الحصار الفرنسي

وأضاف بوضربة أن العمل السياسي والدبلوماسي للحكومة المؤقتة شكل قيمة مضافة للثورة، من خلال تدويل القضية الجزائرية وإيصالها إلى المحافل الدولية، وكسر الحصار الإعلامي والدبلوماسي الذي حاولت السلطات الاستعمارية الفرنسية فرضه على الثورة.

وأكد أن رجال الدبلوماسية الجزائرية تمكنوا من نسج علاقات مع الدول الشقيقة والصديقة، وتحويل القضية الجزائرية إلى قضية حاضرة في المحافل الدولية باعتبارها قضية تحرر وطني وحقًا للشعب الجزائري في تقرير مصيره واستعادة سيادته.

مصدر الصورة

● الدبلوماسية الجزائرية توظف الانتصارات العسكرية

ويرى بوضربة أن الحكومة المؤقتة ودبلوماسية الثورة نجحتا في توظيف النشاط العسكري في الداخل خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة ومناقشة القضية الجزائرية، بالتوازي مع النشاط الجماهيري وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات.

وأكد أن الجمع بين العمل العسكري والجماهيري والتعبوي في الداخل والنشاط الدبلوماسي في الخارج شكل إحدى أبرز سمات الثورة الجزائرية، وساعد على إبقاء القضية الوطنية حاضرة على المستوى الدولي.

وقال إن دعم الشعوب عبر مختلف القارات للثورة الجزائرية، باعتبارها قضية تحرر وطني وقضية مرتبطة بحق تقرير المصير، كان من أبرز ثمار هذا النشاط الدبلوماسي.

مصدر الصورة

● من القاهرة إلى مولان ثم إيفيان

وأشار الدكتور عمر بوضربة إلى أن الحكومة المؤقتة تمكنت من إيصال رسالة الجزائر وصوت الشعب الجزائري إلى المحافل الدبلوماسية، والدفاع عن حقه في التحرر والكرامة الوطنية واستعادة السيادة.

وأضاف أن السلطات الفرنسية اضطرت في نهاية المطاف إلى الدخول في مفاوضات مع ممثلي الثورة الجزائرية، بداية من مفاوضات مولان وصولًا إلى مفاوضات إيفيان.

معتبرًا أن هذه المحطات تؤكد الدور المهم الذي أدته الدبلوماسية الجزائرية في مسار إنهاء الاستعمار الفرنسي.

ويرى بوضربة أن المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية للحكومة المؤقتة أصبحت جزءًا من الثوابت التي ارتبطت بها الدبلوماسية الجزائرية.

ولاسيما خاصة في ما يتعلق بمناصرة القضايا العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب المستضعفة.

● الحكومة المؤقتة.. رصيد للدبلوماسية الجزائرية الحالية

وفي قراءة لامتدادات هذه التجربة، أكد بوضربة أن ما حققته الحكومة المؤقتة من إنجازات ومكاسب يمثل، حسب تعبيره، عربونًا للدبلوماسية الجزائرية الحالية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

وأوضح أن الرصيد الذي راكمته الحكومة المؤقتة خلال الثورة التحريرية يشكل جزءًا من الرصيد الحضاري والسياسي للدولة الجزائرية.

مؤكدًا أن استحضار هذه التجربة يسمح بفهم بعض المرتكزات التي تقوم عليها السياسة الخارجية الجزائرية.

● العيد غلامي: تأسيس الحكومة المؤقتة جسّد طموحات الشعب الجزائري

من جهته، أكد البروفيسور العيد غلامي أن ذكرى تأسيس الحكومة المؤقتة تمثل مناسبة لاستعادة أمجاد الثورة التحريرية.

معتبرًا أن 19 سبتمبر 1958 شكل محطة تجسدت فيها طموحات الشعب الجزائري من خلال هيكلة الثورة وتنظيمها.

وأوضح غلامي، في تصريح لـ «الجزائر الآن»، أن التنسيق بين الجانب العسكري والميداني والجانب الدبلوماسي سمح للجزائر بكسب حضور وسمعة على المستوى العالمي والحصول على مساندة سياسية ودبلوماسية من مختلف أنحاء العالم.

ويرى أن الدبلوماسية الجزائرية الحالية تمثل امتدادًا طبيعيًا لمسار الثورة، رابطًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، ومشددًا على أهمية الحفاظ على المبادئ التي قامت عليها الدولة الجزائرية.

● تحصين الجبهة الداخلية وتقوية الاقتصاد الوطني

وشدد البروفيسور العيد غلامي على ضرورة تحصين الجبهة الداخلية وتقوية الاقتصاد الوطني والاعتماد على الكفاءات الوطنية.

معتبرًا أن هذه العناصر تمثل أساسًا لمواجهة التحديات التي تواجه الدولة الجزائرية في محيط إقليمي ودولي متغير.

وأكد أن الاعتزاز بالتاريخ الوطني ينبغي أن يترافق مع مسؤولية الحفاظ عليه وتحويل دروس الثورة إلى عناصر قوة في الحاضر.

● الساحل عمق استراتيجي للجزائر

وفي حديثه عن المحيط الإقليمي، شدد غلامي على أهمية تعزيز العلاقات الجزائرية مع دول الجوار، خصوصًا النيجر ومالي، معتبرًا أن منطقة الساحل تمثل امتدادًا جغرافيًا وعمقًا استراتيجيًا لأمن واستقرار الجزائر.

وقال إن التعاون مع دول المنطقة ينبغي أن يشمل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، مشيرًا إلى أهمية الحضور الميداني من خلال المشاريع والاستثمارات، ومستشهدًا بالتعاون مع النيجر في مجالات الطاقة والغاز والكهرباء.

كما دعا إلى تطوير شراكات مع مالي ودول المنطقة بما يعزز الاستقرار ويخدم المصالح المشتركة.

● قراءة في التحولات الإقليمية

وتطرق البروفيسور العيد غلامي إلى عدد من الملفات الإقليمية، من بينها قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات.

مقدمًا قراءة سياسية للقرار، ومعتبرًا أن الدبلوماسية الجزائرية اتسمت، حسب تقديره، بالصبر وطول النفس قبل الوصول إلى القطيعة.

كما تحدث عن اتفاقيات إبراهام والعلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وعن العلاقات المغربية الإسرائيلية، مقدمًا قراءة جيوستراتيجية وأمنية لهذه التطورات وانعكاساتها على المنطقة.

وأكد في ختام حديثه ضرورة توحيد الصفوف وتحمل المسؤولية في الدفاع عن الجزائر والحفاظ على مقومات الدولة وسيادتها.

● المجاهد محمود عرباجي.. شهادة من داخل سجون الاستعمار

أما المجاهد محمود عرباجي، فقد قدم شهادة حية أعادت الحاضرين إلى أجواء الثورة من داخل سجون الاستعمار الفرنسي، حيث كان معتقلًا وقت الإعلان عن تأسيس الحكومة المؤقتة.

وقال عرباجي، في شهادة لـ «الجزائر الآن»، إنه كان حينها في سجن «لومبيز»، وكان قد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، قبل أن يصله خبر تشكيل الحكومة المؤقتة من الحاج بن علا.

ويستعيد المجاهد تفاصيل تلك اللحظة، موضحًا أن المعتقلين تساءلوا عن كيفية تشكيل الحكومة في وقت كان فيه عدد من المجاهدين داخل السجون، بينما كان آخرون في الجبال، قبل أن تصلهم أخبار عن عدد من قادة الثورة الموجودين في القاهرة.

● خبر الحكومة المؤقتة كان مصدر فرح للمعتقلين

ويقول المجاهد عرباجي محمود “للجزائر الآن” إن خبر تأسيس الحكومة المؤقتة كان له وقع كبير على المعتقلين، خصوصًا أولئك الذين كانوا يواجهون أحكامًا قاسية، بينها السجن المؤبد وأحكام طويلة المدة.

ويؤكد أن المعتقلين فرحوا بتأسيس الحكومة المؤقتة، رغم الظروف القاسية التي كانوا يعيشونها داخل السجون، معتبرًا أن تلك المحطة كانت دليلًا إضافيًا على استمرار الثورة وتطور مؤسساتها رغم القمع الاستعماري.

● «كل شيء بدأ من 1954».. ذاكرة مجاهد

وفي شهادته، شدد عرباجي محمود على أن مختلف المحطات التي عرفتها الثورة جاءت امتدادًا لانطلاقها في نوفمبر 1954، مستحضرًا مؤتمر الصومام وما سبقه وما تلاه من مراحل في مسار الكفاح الوطني.

واعتبر أن الجزائر تقدمت «خطوة بخطوة» إلى غاية الوصول إلى الاستقلال، مستحضرًا في الوقت نفسه الظروف الصعبة التي عاشها المجاهدون والمعتقلون.

ومشيرًا إلى أنه كان مهددًا بالترحيل إلى كاليدونيا الجديدة لو لم تنتهِ الثورة باستعادة الجزائر استقلالها.

واليوم، وبعد بلوغه 93 سنة، يستعيد المجاهد عرباجي محمود تلك المرحلة بذاكرة رجل عاش الثورة من داخل المعتقل، مختتمًا شهادته بالتأكيد على حبه للجزائر والشعب الجزائري.

● شهادات أكاديمية وذاكرة حية تستعيد مسار الثورة

وتقاطعت مضامين المداخلات والشهادات خلال الندوة عند أهمية تأسيس الحكومة المؤقتة في نقل الثورة إلى مستوى أكثر تنظيمًا على الصعيد السياسي والدبلوماسي.

فإذا كان الدكتور عمر بوضربة قد ركز على النضج التنظيمي وتدويل القضية الجزائرية، فإن البروفيسور العيد غلامي توقف عند امتداد التجربة الدبلوماسية ومبادئها في السياسة الخارجية الجزائرية.

بينما حملت شهادة المجاهد محمود عرباجي ذاكرة حية عن وقع الحدث على المعتقلين داخل سجون الاستعمار.

وتكشف هذه الشهادات، في مجملها، أن تأسيس الحكومة المؤقتة لم يكن محطة منفصلة عن مسار الثورة.

بل جاء نتيجة لتطور العمل الثوري منذ نوفمبر 1954، ورافق الكفاح المسلح بأداة سياسية ودبلوماسية عززت حضور القضية الجزائرية دوليًا.

● الندوة تختتم بتكريم الأسرة الثورية والأساتذة المشاركين

واختتمت الندوة الاحتفالية بتكريم عدد من رموز الأسرة الثورية والشخصيات التي أسهمت في إثراء هذه المناسبة التاريخية، تقديرًا لمسارهم وما قدموه للذاكرة الوطنية وللبحث في تاريخ الثورة التحريرية.

وشملت التكريمات المجاهدة والوزيرة السابقة فاطيمة الزهراء ونيسي، إلى جانب المجاهد محمود عرباجي، عضو جهاز المالغ.

فضلًا عن عدد من الدكاترة والأساتذة والمحاضرين الذين شاركوا في إثراء الندوة بمداخلاتهم وقراءاتـهم التاريخية.

وجاءت هذه الالتفاتة التكريمية لتجمع بين جيل صنع الثورة على الأرض، وجيل حمل مسؤولية البحث في تاريخها ونقل تفاصيلها إلى الأجيال، في مشهد اختزل التواصل بين الذاكرة الحية والدراسة الأكاديمية.

● تكريم الذاكرة.. وفاء لمن صنعوا تاريخ الجزائر

وتولى مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في تاريخ المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 تكريم أفراد الأسرة الثورية والدكاترة الحاضرين.

في ختام لقاء حمل دلالات تاريخية ووطنية، واستعاد محطة تأسيس الحكومة المؤقتة باعتبارها إحدى أبرز حلقات المسار الذي قاد الشعب الجزائري إلى استعادة سيادته.

وشهدت المناسبة كذلك حضور عدد من الشخصيات والفاعلين في مجال الذاكرة الوطنية، إلى جانب أفراد من الأسرة الثورية.

حيث شكل اللقاء فضاءً لاستعادة شهادات من الماضي ومناقشة أبعادها ودلالاتها بالنسبة للحاضر.

● 19 سبتمبر 1958.. محطة في طريق استعادة الدولة الجزائرية

وبعد 68 سنة من إعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من القاهرة، تستعيد الجزائر هذه الذكرى باعتبارها محطة بارزة في تاريخ ثورتها، انتقلت خلالها القضية الوطنية إلى مرحلة جديدة من التنظيم والتمثيل السياسي والدبلوماسي.

ومن السجون التي كان يقبع فيها المجاهدون، إلى الجبال التي احتضنت مقاتلي جيش التحرير الوطني، ومن شوارع المدن إلى المحافل الدولية. تواصلت حلقات الكفاح الجزائري في مسار واحد، إلى أن فرضت الثورة وجودها على طاولة المفاوضات، وصولًا إلى اتفاقيات إيفيان واستعادة السيادة الوطنية والاستقلال.

وهكذا تبقى ذكرى 19 سبتمبر 1958 أكثر من محطة في الذاكرة الوطنية؛ فهي صفحة من صفحات الثورة التي التقى فيها السلاح بالدبلوماسية، والتضحيات بالتنظيم، والداخل بالخارج، في مسار طويل انتهى بعودة الجزائر دولة مستقلة سيدة على أرضها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا