في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
السفير عمر أبو عيش يكتب لـ«الجزائر الآن»: “الاستقلال الاستراتيجي المصري في ظل التحولات الإقليمية، بين منطق الأحلاف ومنطق الدولة”
الجزائرالٱن _ تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تتداخل الأزمات العسكرية مع التنافس الجيوسياسي.
وتتقاطع المصالح الإقليمية مع حسابات القوى الدولية بصورة تجعل من كل تحالف جديد مشروعاً لإعادة رسم الخريطة الأمنية للمنطقة.
في خضم هذه التحولات، برزت تساؤلات متكررة حول موقع مصر من الترتيبات الأمنية الناشئة، وإمكانية انضمامها إلى تحالفات عسكرية إقليمية.
لا سيما تلك التي ظهرت على خلفية التصعيد بين إيران وإسرائيل وتزايد المخاوف بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر.
غير أن قراءة السياسة المصرية من زاوية ردود الفعل الآنية قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.
إذ إن الموقف المصري لا تحكمه اعتبارات الظرف السياسي وحده، وإنما يستند إلى فلسفة استراتيجية أكثر عمقاً، يمكن وصفها بمفهوم “الاستقلال الاستراتيجي المصري”.
هو مفهوم يقوم على الحفاظ على حرية القرار الوطني، ورفض الارتهان لمحاور أو أحلاف قد تقيد قدرة الدولة على إدارة مصالحها وفقاً لأولوياتها الوطنية.
إن جوهر هذا المفهوم لا يتمثل في الحياد السلبي أو الانعزال، بل في امتلاك الدولة القدرة على اختيار توقيت وشكل وحدود انخراطها في الأزمات الإقليمية.
بما يحقق مصالحها المباشرة ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار الإقليم.
من هذا المنطلق، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الحروب التي تخوضها، ولا بعدد التحالفات التي تنضم إليها
إنما بقدرتها على توظيف عناصر قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة تحقق أهدافها الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.
السفير عمر أبو عيش يكتب لـ«الجزائر الآن»: “الاستقلال الاستراتيجي المصري في ظل التحولات الإقليمية، بين منطق الأحلاف ومنطق الدولة”
فالحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بنتائج المعارك وحدها، بل أصبحت تقاس أيضاً بقدرة الدول على تحمل تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
لذلك، فإن أحد أهم مرتكزات الاستقلال الاستراتيجي يتمثل في إدراك أن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب استراتيجية إذا ترتب عليه استنزاف اقتصادي طويل الأمد.
فالحرب الحديثة تستنزف الموارد المالية، وتؤثر في معدلات الاستثمار، والسياحة، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وقيمة العملة الوطنية، وقد تعطل برامج التنمية لسنوات.
من ثم، فإن إدارة القوة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من إدارة الاقتصاد الوطني، وأصبح الحفاظ على القدرة الاقتصادية أحد أهم مكونات الردع الشامل.
في هذا الإطار، يبرز التمييز الذي تتبناه العقيدة الاستراتيجية المصرية بين الدفاع عن الدولة والانخراط في الحروب خارج حدودها.
فالدولة المصرية تنظر إلى حماية أراضيها وسيادتها باعتبارها التزاماً مطلقاً لا يقبل التردد أو المساومة
بينما تخضع المشاركة العسكرية خارج الحدود لحسابات دقيقة تتعلق بطبيعة التهديد، ومدى ارتباطه المباشر بالأمن القومي، والنتائج المتوقعة للمشاركة العسكرية، وتوازن المكاسب والتكاليف.
لا يعني ذلك غياب الدور المصري في دعم الأشقاء أو حماية الاستقرار الإقليمي، بل يعني أن هذا الدعم يمكن أن يأخذ صوراً متعددة.
تشمل التعاون العسكري، والتدريب، وتبادل المعلومات، والدعم اللوجستي، وتعزيز القدرات الدفاعية.
دون أن يقتضي بالضرورة الانخراط في عمليات هجومية أو الارتباط بتحالفات دائمة قد تحد من حرية القرار الوطني.
من هنا يكتسب مفهوم الاستقلال الاستراتيجي بعداً أوسع من مجرد رفض الانضمام إلى تحالف معين؛ فهو يمثل فلسفة لإدارة القوة.
تقوم على أن القرار العسكري يجب أن يكون تعبيراً عن المصلحة الوطنية المباشرة، لا استجابة لضغوط اللحظة أو لاستقطابات البيئة الإقليمية.
كما يرتبط هذا المفهوم بدور مصر التاريخي كقوة توازن إقليمي.
فالدولة التي تتحول إلى طرف في الصراع تفقد بالضرورة جزءاً من قدرتها على الوساطة، بينما تتيح لها المحافظة على مسافة سياسية مدروسة أن تقوم بأدوار التهدئة وإدارة الأزمات وصياغة التسويات.
السفير عمر أبو عيش يكتب لـ«الجزائر الآن»: “الاستقلال الاستراتيجي المصري في ظل التحولات الإقليمية، بين منطق الأحلاف ومنطق الدولة”
عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى حدود الاستنزاف. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن معظم الصراعات الإقليمية لا تُحسم عسكرياً بقدر ما تنتهي عبر ترتيبات سياسية تحتاج إلى أطراف تتمتع بقدر من المصداقية والثقة لدى مختلف الفاعلين.
لا ينفصل هذا النهج عن الخبرة التاريخية للسياسة الخارجية المصرية.
فمنذ منتصف القرن العشرين، اتسم السلوك المصري بالحذر إزاء الانخراط في الأحلاف العسكرية التي قد تحد من استقلال القرار الوطني.
وقد شكل رفض الانضمام إلى حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي نموذجاً مبكراً لهذا التوجه، ثم تكرر بدرجات مختلفة في التعامل مع مبادرات وتحالفات إقليمية لاحقة.
حيث فضلت القاهرة الاحتفاظ بحرية الحركة الاستراتيجية، مع استمرارها في تطوير شراكاتها العسكرية مع مختلف القوى دون الارتهان لأي محور.
انطلاقا من مبدأ الاستقلال الاستراتيجي المصري ومرتكزاته الستة المتمثلة فى استقلال القرار الوطنى، والردع الدفاعي، والأمن الاقتصادي، والتوازن الإقليمي، والدبلوماسية الوقائية، و المرونة الاستراتيجية.
فإن عدم انضمام مصر إلى أي تحالف عسكري هجومي لا ينبغي تفسيره باعتباره عزوفاً عن تحمل المسؤولية أو تراجعاً عن دعم الأشقاء.
بل باعتباره تعبيراً عن رؤية استراتيجية تعتبر أن حماية الأمن القومي تبدأ بالحفاظ على الدولة ذاتها، وعلى قدرتها الاقتصادية والعسكرية، وعلى استقلال قرارها السياسي.
في الوقت ذاته، فإن هذا المفهوم لا يستبعد التعاون الدفاعي أو التنسيق العسكري أو بناء شراكات أمنية، بل يضع لها إطاراً واضحاً يتمثل في خدمة المصالح الوطنية المصرية.
وعدم تحويل الدولة إلى طرف في صراعات تتجاوز حدود تلك المصالح.
في ضوء ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، يبدو أن الاستقلال الاستراتيجي لم يعد مجرد خيار سياسي.
بل أصبح أحد أهم مقومات الأمن القومي للدول متوسطة القوة، التي تسعى إلى الحفاظ على توازن علاقاتها الدولية وتجنب الانجرار إلى صراعات مفتوحة تستنزف مواردها وتحد من قدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.
وعليه، فإن قراءة الموقف المصري ينبغي ألا تقتصر على سؤال يطرحه البعضعن سبب عدم انضمام مصر إلى هذا التحالف أو ذاك.
بل يجب أن تنطلق من سؤال أكثر عمقاً حول كيفية قيام الدولة بتوظيف قوتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية بما يحافظ على استقلال قرارها، ويعزز أمنها القومي.
ويتيح لها في الوقت ذاته الإسهام في استقرار الإقليم.
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تشكل جوهر مفهوم الاستقلال الاستراتيجي المصري، بوصفه إطاراً فكرياً وعملياً لإدارة السياسة الخارجية في بيئة إقليمية تتسم بتعدد الأزمات.
وتغير التحالفات، وتزايد الضغوط على الدول للحسم بين المحاور المتنافسة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة