في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ديبلوماسي جزائري يكشف خلفيات البيان الاماراتي المعسول
الجزائر الآن – انتقد السفير الجزائري السابق عمار بلاني، الأمين العام السابق لوزارة الشؤون الخارجية وسفير الجزائر سابقًا لدى بروكسل وتركيا، مضمون البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإماراتية، معتبرًا أن اللغة المستخدمة فيه تعكس، حسب قراءته، محاولة لتجنب جوهر الخلاف مع الجزائر.
ويأتي تعليق بلاني في سياق دبلوماسي حساس أعقب قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وهو القرار الذي وصفه السفير السابق في مواقف أخرى بأنه نتيجة تراكم من الخلافات والممارسات التي تعاملت معها الجزائر لفترة طويلة بضبط النفس.
بيان يركز على اللغة ويتجنب جوهر الخلاف
كتب بلاني في منشوره تحت عنوان «البيان الناعم من وزارة الخارجية الإماراتية: فن التهرب الدبلوماسي»:
«هذا الوقوف على حدة، والتظاهر، والقصد من لعب دور “الطالب الجيد” في الدبلوماسية، يتوافق مع السخرية من سياسة الخارجية الإماراتية.
بلد يحمل سلاحًا، ويحمل مرتزقة، ويشارك في الدماء، بينما يدّعي أن لديه يد فيما يحدث في السودان، على سبيل المثال، على الرغم من التهم والنتائج المكتوبة من قبل هيئات الأمم المتحدة.
ثم يأتي ليتحدث معنا عن “الروابط الأخوية”، “النقاش”، و”المصالح المشتركة”.»
ويضع هذا الطرح النقاش في نقطة محددة: هل تكفي اللغة الدبلوماسية الناعمة عندما تكون الخلافات قد انتقلت إلى مستوى الاتهامات السياسية والأمنية؟
في العلاقات بين الدول، يمكن للبيانات أن تخفف حدة الخطاب، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الملفات التي دفعت إلى الأزمة.
لذلك تصبح الأسئلة التي لا يجيب عنها البيان أكثر أهمية من العبارات التي يتضمنها.
وهنا تحديدًا يركز بلاني على الفجوة بين اللغة المستخدمة في البيان الإماراتي وبين طبيعة الخلاف الذي تتحدث عنه الجزائر.
ويضيف السفير السابق:
«هذا الوضع لا يخدع أحدًا. إنه في الغالب يهدف إلى تجنب الأسئلة المزعجة.»
الجزائر اختارت الهدوء قبل التصعيد
اللافت في إدارة الجزائر للأزمة أن القرار جاء بعد مرحلة طويلة من ضبط النفس، وفق القراءة التي قدمها بلاني في تصريحاته الأخيرة.
هذه النقطة تحمل دلالة سياسية مهمة. فالدبلوماسية الهادئة لا تعني غياب الحزم، كما أن تجنب السجال الإعلامي لا يعني غياب أدوات الضغط السياسي
في الملفات التي ترتبط بالأمن القومي، تستطيع الدولة أن تختار توقيت الرد، وطبيعة الرسالة، ومستوى التصعيد الذي تريده.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الموقف الجزائري باعتباره انتقالًا من إدارة الخلاف داخل القنوات الدبلوماسية إلى اتخاذ قرار سياسي واضح، بعد أن رأت السلطات الجزائرية أن هامش المعالجة السابقة لم يعد كافيًا.
هذه المقاربة تفسر أيضًا لماذا لا تحتاج الجزائر إلى الدخول في حرب تصريحات يومية.
القرار السياسي نفسه هو الرسالة الأساسية، وما يأتي بعده يحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحول الخلاف إلى صراع مفتوح على المستوى الإعلامي.
غياب الرد على الاتهامات
ويركز بلاني في منشوره على نقطة أخرى تتعلق مباشرة بمضمون البيان الإماراتي، إذ يقول:
«ليس هناك كلمة عن التهم الموجهة من الجزائر.
لا رد على المزايا.
لا سؤال صغير.
بل، أبوظبي يدعو إلى “الروابط الأخوية” ويتوقع أن الفجوة سيكون “مؤقتة”.»
هذه الفقرة هي الأكثر أهمية في قراءة بلاني للبيان، لأنها تنقل النقاش من مستوى اللغة إلى مستوى المضمون.
فإذا كانت الخلافات بين دولتين تتعلق بملفات محددة، فإن الحديث عن العلاقات الأخوية والمصالح المشتركة يظل ناقصًا ما لم يترافق مع رد واضح على جوهر الاتهامات التي أدت إلى الأزمة.
ومن هنا تبدو المسألة بالنسبة إلى الجزائر مرتبطة بمبدأ أوسع: العلاقات الثنائية لا تُقاس فقط بحجم المصالح الاقتصادية أو بطبيعة الخطاب الدبلوماسي، وإنما أيضًا بمدى احترام المصالح السيادية والأمنية لكل دولة.
السودان في قلب قراءة بلاني
ويستند بلاني في منشوره إلى الملف السوداني باعتباره مثالًا على ما يعتبره تناقضًا بين السلوك الإقليمي الإماراتي والخطاب الدبلوماسي الصادر عن أبوظبي.
وقد سبق أن ربط بلاني في مواقف حديثة الدور الإماراتي بملفات إقليمية متعددة، كما تناول بشكل خاص ما يعتبره تدخلاً إماراتيًا في الساحل وفي أزمات المنطقة.
لكن أهمية السودان في هذا السياق تتجاوز الخلاف الجزائري الإماراتي نفسه.
فالسودان أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدًا من الملفات التي تختبر قدرة القوى الإقليمية على التوفيق بين تحركاتها الخارجية وبين الخطاب الذي تقدمه عن نفسها في الساحة الدبلوماسية.
وهذا هو السياق الذي يجعل بلاني يربط بين لغة البيان الإماراتي وبين الأسئلة التي يرى أنها بقيت دون إجابات.
«الدبلوماسية المخفية»
ويختتم بلاني منشوره بعبارة شديدة اللهجة، يقول فيها:
«هذا الدبلوماسية المخفية تتكون من اللعب على الوقوف على حقيبة الطفل عندما تصبح الحقائق محرجة، ثم الهروب وراء النصائح المتراكمة.
الوقوف على حقيبة الطفل لا يزيل المسؤوليات أو التهم.
إنه فقط يلغيها.»
العبارة تلخص جوهر انتقاده: اللغة الدبلوماسية لا تستطيع إلغاء الملفات التي صنعت الأزمة.
ومن زاوية أوسع بحسب المتابعين، فإن الموقف الجزائري يضع أمام الدبلوماسية الإماراتية اختبارًا مختلفًا عن البيانات التقليدية التي تركز على العلاقات الأخوية والمصالح المشتركة.
فالجزائر اتخذت قرارًا سياسيًا واضحًا، وتركز الآن على إدارة تداعياته بعيدًا عن الانفعال.
وهذه النقطة تحديدًا تمنح الهدوء الجزائري قيمة سياسية إضافية.
فالدولة التي تدخل في أزمة مع دولة أخرى ليست مضطرة إلى رفع مستوى الخطاب في كل مناسبة.
أحيانًا تكون قوة الموقف في القدرة على تثبيته، وتحديد حدوده، ثم ترك الطرف الآخر يشرح مواقفه.
في هذا السياق، يأتي منشور عمار بلاني ليقدم قراءة دبلوماسية حادة للبيان الإماراتي، بينما تكشف طريقة إدارة الجزائر للأزمة عن خيار آخر: الحزم في القرار، والهدوء في الخطاب، وترك الملفات محل الخلاف تتقدم على لغة المجاملات الدبلوماسية
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة