في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
●تعرف على وزير المالية الجديد محمد لمين لبو
الجزائر الآن – انتقل محمد لمين لبو من قيادة بنك الجزائر إلى وزارة المالية، في تحول مهني لافت جاء ضمن التعديل الوزاري الجزئي الذي أجراه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في الأول من سبتمبر 2026.
ليغادر بذلك منصب محافظ البنك المركزي بعد نحو ستة أشهر فقط من توليه مهامه.
ويدخل إلى واحدة من أكثر الحقائب الحكومية ارتباطًا بالتوازنات المالية والاقتصادية للبلاد.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد عيّن محمد لمين لبو محافظًا لبنك الجزائر بموجب مرسوم رئاسي مؤرخ في 23 فيفري 2026، قبل أن يُسند إليه حقيبة وزارة المالية في التعديل الوزاري الجديد.
في انتقال يضع تجربته المصرفية والنقدية أمام اختبار مختلف، عنوانه هذه المرة إدارة الميزانية والخزينة والجباية والجمارك وتمويل الاقتصاد.
ويأتي تعيين لبو في مرحلة تتقاطع فيها ملفات السياسة المالية مع تحديات الحفاظ على التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني.
وتعزيز الإيرادات العادية، ومواصلة الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، إلى جانب دعم المؤسسات الاقتصادية وتحسين أداء المنظومة المصرفية.
● من بنك الجزائر إلى وزارة المالية
يشكل انتقال محمد لمين لبو من البنك المركزي إلى وزارة المالية مسارًا غير اعتيادي من حيث سرعة الانتقال، لكنه يمنحه في المقابل معرفة مباشرة بأحد أهم مكونات المعادلة الاقتصادية الوطنية.
فخلال فترة توليه منصب محافظ بنك الجزائر، كان قريبًا من ملفات السيولة والتضخم والائتمان وسوق الصرف والاستقرار النقدي، وهي ملفات تتقاطع بصورة مباشرة مع السياسة المالية التي ستصبح من الآن فصاعدًا ضمن مسؤولياته الحكومية.
ويختلف نطاق المسؤولية بين المنصبين؛ إذ يتولى بنك الجزائر مهام السياسة النقدية وإصدار العملة وتنظيم سوق الصرف والرقابة المصرفية وإدارة احتياطات الصرف.
بينما تتحمل وزارة المالية مسؤولية إعداد وتنفيذ الميزانية، وإدارة الخزينة، والجباية والجمارك وأملاك الدولة والإنفاق العمومي.
ومن ثم، فإن لبو ينتقل من إدارة أدوات السياسة النقدية إلى موقع يسمح له بالتأثير في الجانب المالي من المعادلة الاقتصادية، مع بقاء التنسيق المؤسسي مع بنك الجزائر عاملًا أساسيًا في إدارة الملفات المشتركة.
● مسار مهني بين البنوك والاستثمار والصناعة
يبلغ محمد لمين لبو 47 عامًا، وقد بنى مساره المهني داخل القطاع المالي والمصرفي، قبل أن ينتقل إلى مواقع مرتبطة بالاستثمار والصناعة وإدارة المؤسسات.
وقبل وصوله إلى قيادة بنك الجزائر، تولى منصب المدير العام لـ «BEA International Bank» في فرنسا، التابعة للبنك الخارجي الجزائري، حيث اكتسب خبرة في النشاط المصرفي الدولي والعلاقات مع المؤسسات المالية الخارجية.
إضافة إلى ملفات التحويلات والامتثال والمعايير المصرفية الدولية.
وسبق له كذلك أن تولى منصب المدير العام للبنك الوطني الجزائري، أحد أكبر البنوك العمومية في البلاد، وهي تجربة وضعته في قلب تمويل المؤسسات والاستثمار والخدمات المصرفية وإدارة شبكة واسعة من الزبائن والمتعاملين الاقتصاديين.
كما شغل مسؤوليات في «Icosia Capital»، إلى جانب مناصب تنفيذية داخل مجمعات ومؤسسات وطنية، من بينها «مدار القابضة» و «إيميتال» و «سيدار»، وهو ما أضاف إلى تجربته المصرفية احتكاكًا مباشرًا بملفات الاستثمار والصناعة وتمويل المشاريع الكبرى.
وشمل مساره المهني أيضًا تجارب في «BNP Paribas الجزائر» و «Société Générale الجزائر» و «Rayan Bank» و «BAMIC»، إضافة إلى تجربة في الشركة القطرية للحديد والصلب، ما جعله يتحرك مهنيًا بين البنوك العمومية والخاصة والاستثمار والصناعة.
● تكوين أكاديمي في الاقتصاد والمالية
ولم يقتصر مسار الوزير الجديد على التجربة التنفيذية، بل تزامن مع تكوين أكاديمي في مجالات الاقتصاد والمالية.
فقد تحصل على ليسانس في علوم التسيير، تخصص مالية، من جامعة باجي مختار بعنابة، قبل أن يواصل دراسته في فرنسا، حيث نال ماجستيرًا في الاقتصاد الصناعي وشهادة الدراسات المعمقة في التحليل الاقتصادي للمؤسسات من جامعة «لوميار ليون 2».
وبعد عودته إلى الجزائر، واصل مساره الجامعي بالحصول على ماجستير في الاقتصاد، ثم دكتوراه في العلوم الاقتصادية والتأهيل الجامعي من جامعة باجي مختار، ليجمع بذلك بين التكوين النظري والخبرة التنفيذية في المؤسسات المالية والاقتصادية.
● مشروع قانون المالية 2027 أول الملفات الثقيلة
يدخل محمد لمين لبو مبنى وزارة المالية في بن عكنون في وقت بدأت فيه التحضيرات العملية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وهو الملف الذي سيكون من أول الاختبارات السياسية والتقنية للوزير الجديد.
وسيكون عليه الموازنة بين المحافظة على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وتمويل المشاريع العمومية، وضمان القدرة الشرائية، وبين التحكم في عجز الميزانية وتوسيع الإيرادات خارج المحروقات.
وتضع البرمجة المالية متوسطة المدى المعتمدة سابقًا نفقات مرخصة في حدود 17.82 ألف مليار دينار لسنة 2027.
مقابل إيرادات ميزانية تقارب 8.19 آلاف مليار دينار، وهي أرقام تبقى قابلة للمراجعة عند استكمال إعداد مشروع قانون المالية، لكنها تعكس حجم التحدي الذي ستواجهه الخزينة.
وسيكون رفع الإيرادات العادية أحد الملفات الأساسية، من خلال تحسين التحصيل الجبائي، وتوسيع الوعاء الضريبي.
ومحاربة التهرب والغش، وإدماج النشاط الاقتصادي غير الرسمي، إلى جانب تحسين مردودية أملاك الدولة ورقمنة الإدارة الجبائية والجمركية.
● الخزينة وتمويل المشاريع الكبرى
تنتظر الوزير الجديد أيضًا مهمة إدارة احتياجات الخزينة في ظل استمرار تمويل مشاريع هيكلية واسعة في قطاعات السكن والنقل والمياه والطاقة والمناجم.
وتحتاج مشاريع السكك الحديدية والمشروعات المنجمية وتحلية مياه البحر وغيرها من البرامج متعددة السنوات إلى موارد مالية منتظمة.
وهو ما يفرض على وزارة المالية تحسين برمجة الإنفاق وربط التمويل بدرجة نضج المشاريع وقدرتها على تحقيق مردود اقتصادي واجتماعي.
كما سيكون تحسين تنفيذ الميزانية تحديًا قائمًا، إذ لا ترتبط فعالية السياسة المالية بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، وإنما أيضًا بسرعة إنجاز المشاريع واحترام آجالها وتحويل الأموال العمومية إلى بنى تحتية وخدمات وفرص عمل.
● إصلاح المنظومة المصرفية وتمويل الاقتصاد
يحمل لبو معه إلى وزارة المالية تجربة مصرفية يمكن أن تكون ذات أهمية في ملف إصلاح القطاع البنكي وتمويل الاقتصاد الوطني.
وسيكون تطوير البنوك العمومية، وتحسين الحوكمة، وتحديث أنظمة المعلومات، وتوسيع الدفع الإلكتروني، وتسهيل حصول المؤسسات على التمويل، من بين الملفات المطروحة على القطاع المالي.
كما تبرز الحاجة إلى توجيه التمويل بصورة أكبر نحو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الإنتاجية والتصدير، بالتوازي مع تطوير الصيرفة الإسلامية وتحسين الخدمات البنكية وتقليص آجال دراسة ملفات التمويل.
وتزداد أهمية هذه الملفات في ظل توجه الدولة نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات، وربط التمويل المصرفي بالنشاط الإنتاجي والاستثماري بدل اقتصاره على تمويل الاستهلاك.
● الصرف والاستثمار والتعاملات المالية الخارجية
وتمنح تجربته السابقة في القطاع المصرفي الدولي أهمية خاصة للملفات المتعلقة بالتعاملات المالية الخارجية.
وسيكون أمام وزارة المالية العمل على تحسين مناخ الاستثمار، وتسهيل العمليات البنكية المرتبطة بالتجارة الخارجية، ورفع كفاءة الامتثال، وتطوير علاقات البنوك الجزائرية مع شبكات المراسلين الدوليين.
كما يبرز ملف سوق الصرف، وتطوير مكاتب الصرف، وتعزيز القنوات الرسمية لتداول العملة الأجنبية، ومواجهة السوق الموازية، ضمن الملفات التي تتطلب تنسيقًا بين وزارة المالية وبنك الجزائر ومختلف الهيئات المعنية.
وفي هذا السياق، ستكون خبرة الوزير السابق في قيادة مؤسسة مصرفية دولية وفي إدارة البنك المركزي عنصرًا مساعدًا في فهم تعقيدات هذا الملف، مع ضرورة الحفاظ على الفصل القانوني والمؤسساتي بين السياسة المالية والسياسة النقدية.
● الجباية والجمارك في واجهة الإصلاح
لن تكون الجباية والجمارك أقل أهمية في أجندة الوزير الجديد، بالنظر إلى دورهما في تعبئة الموارد المالية وتنظيم التجارة الخارجية.
وتبرز الحاجة إلى مواصلة رقمنة الإجراءات، وربط قواعد البيانات بين الجمارك والضرائب والبنوك، وتشديد الرقابة على الغش والتضخيم في الفواتير والتهرب الجبائي.
مقابل تسريع معالجة ملفات المؤسسات الملتزمة وتسهيل دخول المواد الأولية والتجهيزات الضرورية للإنتاج.
ويُنتظر أن يساهم هذا المسار في تحسين التحصيل وتقليص الاقتصاد غير الرسمي، مع توفير بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا للمتعاملين الاقتصاديين.
● تجربة نقدية تنتقل إلى اختبار مالي
ويحمل انتقال محمد لمين لبو من بنك الجزائر إلى وزارة المالية رسالة واضحة على مستوى طبيعة المرحلة المقبلة.
فالوزير الجديد لا يدخل مبنى بن عكنون بخبرة مالية تقليدية فقط، وإنما يأتي من موقع كان فيه معنيًا مباشرة بإدارة السياسة النقدية ومراقبة مؤشرات الاستقرار المالي.
ومن تجربته النقدية، تبدو الملفات التي تنتظره مترابطة أكثر مما هي منفصلة: ضبط عجز الخزينة دون خنق النشاط الاقتصادي، حماية القدرة الشرائية دون خلق ضغوط تضخمية إضافية.
تحسين الإيرادات دون إثقال المؤسسات والأسر، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو الاستثمار المنتج، بالتوازي مع إصلاح البنوك وتطوير سوق الصرف وتسريع رقمنة الجباية والجمارك.
وفي المحصلة، سيكون التحدي الأكبر أمام محمد لمين لبو هو تحويل خبرته في إدارة أدوات الاستقرار النقدي إلى سياسة مالية أكثر كفاءة. تجعل من الميزانية أداة لدعم النمو وتنويع الاقتصاد، ومن الخزينة رافعة لتمويل المشاريع، ومن الجباية مصدرًا مستدامًا للإيرادات، ومن القطاع البنكي قناة أكثر فعالية لتمويل الاستثمار والإنتاج.
فمن مكتب محافظ بنك الجزائر إلى مبنى وزارة المالية، ينتقل لبو من مراقبة المؤشرات النقدية إلى مسؤولية أوسع أمام أرقام الميزانية وحسابات الخزينة واحتياجات الاقتصاد الحقيقي.
وفي هذه المعادلة سيكون مشروع قانون المالية 2027 أول اختبار فعلي لقدرة الوافد الجديد على الجمع بين الانضباط المالي ودعم النمو والاستثمار والحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة