تكشف أحدث الدراسات الديموغرافية، في تحول تاريخي غير مسبوق، أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة ستتراجع فيها وتيرة النمو السكاني بعد عقود طويلة من الارتفاع المتواصل.
وتشير التوقعات إلى أن عدد سكان العالم سيبلغ ذروته خلال ثمانينيات القرن الحالي، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجيًا حتى نهاية القرن، في ظل تراجع معدلات الإنجاب وارتفاع متوسط العمر في العديد من الدول. وتستند هذه المعطيات إلى دراسة نشرتها مجلة Pour la Science اعتمادًا على بيانات الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، توضح الباحثة آن غوجون، مديرة برنامج “السكان والمجتمعات العادلة” في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في النمسا، أن التغيرات الديموغرافية لا تسير بالوتيرة نفسها في جميع أنحاء العالم. فبينما لا تزال دول، مثل النيجر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تتمتع بمجتمعات شابة ونمو سكاني سريع، تعاني دول متقدمة، مثل اليابان وإيطاليا، من الشيخوخة السكانية وتراجع أعداد السكان.
ومن جهة أخرى، تؤكد الدراسة أن النمو السكاني يرتبط أساسًا بمعدلات الخصوبة والوفيات، وهما عاملان يختلفان باختلاف مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمع تحسن الرعاية الصحية والتعليم وتغير أنماط الحياة، تنخفض معدلات الإنجاب تدريجيًا، وهو ما يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تباطؤ النمو السكاني وازدياد نسبة كبار السن داخل المجتمع.
وفي المقابل، لا تقتصر هذه التحولات على المقارنة بين الدول فقط، بل تظهر أيضًا داخل الدولة الواحدة، إذ تختلف التركيبة العمرية بين المدن والمناطق الريفية وشبه الحضرية، ما يفرض تحديات جديدة أمام الحكومات في مجالات التخطيط العمراني، والتعليم، والصحة، وسوق العمل، والخدمات الاجتماعية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى خبراء الديموغرافيا أن فهم اتجاهات السكان الحالية يعد أمرًا ضروريًا لصناع القرار، لأن كثيرًا من التغيرات المنتظرة خلال العقود المقبلة أصبحت بالفعل قيد التنفيذ، ولا يمكن تغييرها بشكل سريع. لذلك يركز الباحثون على دراسة تأثير الخصوبة، والصحة، والتعليم، والهجرة، من أجل مساعدة الحكومات على وضع سياسات طويلة المدى تتكيف مع الواقع السكاني الجديد.
أما في أوروبا، فتبرز الشيخوخة السكانية وتراجع عدد السكان كأحد أكبر التحديات المستقبلية، إذ ستواجه العديد من الدول صعوبةً في تمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية مع ارتفاع نسبة كبار السن مقابل انخفاض عدد الأشخاص في سن العمل، وهو ما يستدعي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب بيانات المجلة، واستنادًا إلى تقرير World Population Prospects 2024 الصادر عن الأمم المتحدة، فإن العالم يقف اليوم أمام منعطف ديموغرافي سيغير شكل المجتمعات والاقتصادات خلال العقود المقبلة، ما يجعل الاستعداد المبكر لهذه التحولات ضرورةً لضمان التنمية والاستقرار في المستقبل.
المصدر:
الإخبارية