برزت الجزائر كشريك موثوق ومحور رئيسي لعبور الغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية، مدعومة بمشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يُتوقع أن يعيد رسم خريطة الطاقة بين إفريقيا وأوروبا ويعزز الدور الجيوسياسي للجزائر في أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
وتتجه أوروبا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وأزمات الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في الممرات البحرية العالمية، حسب تقرير لموقع “إنديا غازيت”، إلى إعادة رسم خريطة أمنها الطاقوي عبر تعزيز الاعتماد على الإمدادات البرية القادمة من شمال إفريقيا. وفي هذا السياق، يبرز مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (TSGP) باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي قد تعيد تشكيل سوق الغاز بين إفريقيا وأوروبا خلال العقود المقبلة.
وبدأت الجزائر خلال جوان 2026 أشغال إنجاز الجزء الخاص بها من المشروع، الذي يربط حقول الغاز النيجيرية بأوروبا عبر النيجر والجزائر، في خطوة تعكس تسارع تنفيذ المشروع بعد سنوات طويلة من التأجيل بسبب تحديات أمنية وسياسية وتمويلية.
ويبلغ طول الخط نحو 4128 كيلومتراً، بطاقة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً، حيث سيتصل بالشبكة الوطنية الجزائرية للغاز عند منطقة أولف، قبل أن يتجه نحو موانئ التصدير وخطوط الأنابيب التي تربط الجزائر مباشرة بإيطاليا وإسبانيا.
وتتمتع الجزائر بموقع محوري في معادلة الطاقة الأوروبية، إذ تعد من أكبر موردي الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي، مستفيدة من بنية تحتية متطورة تشمل خطي ترانس ميد نحو إيطاليا وميدغاز نحو إسبانيا، إضافة إلى منشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال. كما عززت الجزائر خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في تطوير الحقول الغازية وتوسيع قدراتها الإنتاجية لمواكبة الطلب الأوروبي المتزايد.
ويمنح المشروع الجزائر فرصة لترسيخ مكانتها ليس فقط كمصدر رئيسي للغاز، وإنما أيضاً كمحور عبور استراتيجي يربط احتياطيات غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية. وفي المقابل، يوفر لنيجيريا منفذاً برياً مستقراً لتصدير غازها الضخم، بينما تستفيد النيجر من عائدات العبور والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية.
ويشارك في تطوير المشروع كل من سوناطراك والمؤسسة الوطنية النيجيرية للبترول (NNPC) وسونيديب النيجرية، على أن يتم تنفيذ الأشغال على مراحل، حيث انطلقت الجزائر فعلياً في بناء جزء جديد بطول 1210 كيلومترات، فيما تستعد النيجر لبدء الأشغال مطلع عام 2027، بينما لا يزال الجزء النيجيري في مرحلة الدراسات والتحضير.
ويرى مراقبون أن المشروع يتجاوز كونه مجرد خط لنقل الغاز، ليشكل ورقة جيوسياسية تعزز التقارب بين أوروبا والدول الإفريقية المنتجة للطاقة، في وقت تبحث فيه القارة الأوروبية عن مصادر أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر المرتبطة بالشحن البحري والمضائق الاستراتيجية.
ومع امتلاك الجزائر أكبر إنتاج للغاز الطبيعي في إفريقيا، واحتفاظ نيجيريا بأضخم احتياطات غاز غير مستغلة في القارة، فإن اكتمال هذا المشروع سيضع البلدين في قلب معادلة الطاقة العالمية، ويمنح أوروبا خياراً استراتيجياً جديداً لتنويع مصادر إمداداتها، بينما يعزز مكانة الجزائر بوصفها البوابة الرئيسية للغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية.
المصدر:
الإخبارية