مقال رأي | الانقلاب على المبادئ.. الهاشمي الحامدي نموذجاً
الجزائرالٱن _ لطالما كان التقلب ديدن الكثير من الوجوه الإعلامية التي تقتات على الإثارة، لكن ما أقدم عليه محمد الهاشمي الحامدي مؤخراً يتجاوز حدود البراغماتية السياسية ليلامس المراهقة الفكرية. إن إعلان الرجل انقلابه التام على حقوق الشعب الصحراوي، ورفضه لقيام دولته المستقلة مستنداً إلى تبرير مضحك مفاده أن “المنتخب المغربي رائع ويستحق كأس العالم”، هو سقطة أخلاقية غير مسبوقة في تاريخ السجالات المغاربية.
لحد الآن لم أستوعب إمكانية وجود علاقة بين النتائج التي حققها المنتخب المغربي في كأس العالم مع أحقية دولته في احتلال دولة أخرى، ولكن يبدو أن صاحب قناة “المستقلة”، أراد أن يركب موجة “التريند” والزخم الرياضي العالمي، حاشراً قضية شعب، يعيش عقودا من التضحيات والمعاناة، داخل “مستطيل أخضر” لكرة القدم، ومقايضاً الشرعية الدولية وحق تقرير المصير بـ “بوز” فايسبوكي عابر، باحثاً عن نقرات الإعجاب والتعليقات المهللة بعد أفول نجم قناته الفضائية.
ولم يقف الإسفاف عند هذا الحد، بل حاول الحامدي تفصيل “تحدٍّ” شعبوي على مقاس صفحته حين سأل متهكماً: “هل يستطيعون ذكر اسم كاتب واحد أو شاعر أو صحفي أو أستاذ جامعي أو سياسي من القاهرة إلى جاكرتا يؤيد موقف الجزائر الداعم للبوليساريو؟”. هذا السؤال ليس إدانة للطرف الذي يهاجمه، بل هو فضيحة معرفية تكشف غياب الحامدي التام عن الساحة الفكرية والثقافية العالمية، أو تعمده الفاضح لتجهيل متابعيه.
لو كان الحامدي يقرأ، أو يكلف نفسه عناء البحث وراء جدران منصات التواصل، لعلم أن جغرافية الفكر الإنساني تفيض بقامات دولية وازنة لم ترهن ضمائرها للبروباغندا، ووقفت علناً مع حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. فأين الحامدي من المفكر والفيلسوف الأمريكي الأشهر نعوم تشومسكي، الذي بح صوته في لجان الأمم المتحدة وهو يفضح التواطؤ الدولي ضد الصحراء الغربية؟ وأين هو من المفكر والأديب الأوروغواني الراحل إدواردو غاليانو الذي زار مخيمات اللجوء وكتب عن صمود أهلها؟ وأين هو من النجم السينمائي العالمي خافيير بارديم الذي قاد حملات دولية وأنتج وثائقي “أبناء السحاب” لكسر الحصار الإعلامي عن آخر مستعمرة في إفريقيا؟ فضلاً عن الموقف التاريخي الثابت للزعيم العالمي نيلسون مانديلا وإرثه النضالي في جنوب إفريقيا الذي يرى في القضية الصحراوية امتداداً لمعارك التحرر الإفريقي ضد الفصل والتمييز.
ولن يكون مقنعا للهاشمي الحامدي تذكيره بأسماء سياسيين وصحافيين ومثقفين جزائريين، فهم غير معنيين بتحديه الذي أطلقه أمام معارضي خرجته المشبوهة، لأننا هنا سنكون كمن يريد إقناع ملحد بوجود الله عن طريق الآيات القرآنية، أما مواقف الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم نصر الله، والروائي والجامعي المصري علاء الأسواني، والروائي والصحفي اللبناني إلياس خوري، والكاتب التونسي كارم الشريف، والشاعر الموريتاني أحمد ولد عبد القادر، والشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف اللعبي (الذي قضى سنوات في السجن بسبب مواقفه اليسارية والوحدوية المستقلة)، فهي لا تسقط على الشعب الصحراوي، لأنهم دافعوا عن “حق الشعوب في تقرير المصير”، واستتنوا الصحراويين.
إن محاولة الحامدي الخبيثة لربط مشروعية الحقوق بمدى رضا “النخب” أو اتجاه الرياح الدبلوماسية هي منطق انتهازي يشرعن لشريعة الغاب؛ حيث يصبح الحق مع القوي وصاحب النفوذ. وهنا نسوق لمن فكر في يوم أن يرأس تونس درساً بليغاً من التاريخ الجزائري الذي يبدو أنه تناساه.
فعندما اندلعت الثورة التحريرية الجزائرية العظمى عام 1954، وقفت الأغلبية الساحقة من مشاهير الفكر والأدب والسياسة في فرنسا والعالم ضد جبهة التحرير الوطني، ووصموا الثوار بـ “الإرهابيين” و”المخربين”. لقد وقف الفيلسوف والروائي الشهير ألبير كامو (الحائز على نوبل) ضد استقلال الجزائر مفضلاً “أمه على العدالة”، وعارض الثورة الكاتب والمفكر الفرنسي فرانسوا مورياك في بداياتها، والسياسي البارز فرنسوا ميتيران (الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وصرح بأن “الجزائر هي فرنسا”)، والكاتب اليميني ريمون آرون، والمفكر جاك سوستيل، فضلاً عن آلة البروباغندا الإعلامية الغربية التي كانت تعتبر الجزائر مقاطعة فرنسية أبدية.
لو احتكم الشعب الجزائري وقتها لمنطق الحامدي القائم على “عد أصوات النخب ومشاهير العصر”، لكان عليه الاستسلام لمباركة الاستعمار ونبذ الثورة. لكن عدالة القضايا وإرادة الشعوب المستضعفة هي التي فرضت نفسها في النهاية، وأجبرت أولئك المثقفين والسياسيين ـ صاغرين ـ على الاعتراف بالأمر الواقع والرضوخ لمنطق التاريخ.
إن موقف الجزائر الشامخ، شعباً وقيادة، مع القضية الصحراوية ليس موقفاً معزولاً تبحث فيه عن “دولة سادسة” كما تزعم الأسطوانة المشروخة، بل هو امتداد طبيعي لإرث ثورة أول نوفمبر التي تقف مبدئياً مع كل الشعوب المضطهدة.
أما الهاشمي الحامدي، فقد أثبت بهذا الانقلاب الرخيص أنه بلا بوصلة وبلا شخصية فكرية ثابتة؛ فبالأمس كان يتاجر بشعارات “المحبة والصلح بين الأشقاء”، واليوم يركب موجة “الانتصارات الرياضية” ليبيع الوهم ويشتري ود الجماهير. وستبقى تضحيات الشعب الصحراوي في مخيمات العزة والكرامة حقيقة ساطعة تثبتها الشرعية الدولية، بينما تذهب تدوينات الحامدي واستعراضاته الفايسبوكية إلى مزبلة التاريخ الرقمي، كشاهد على زمن تسلّعت فيه المواقف، وبُيعت فيه المبادئ من أجل “نقرة إعجاب”.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة