آخر الأخبار

خبراء لـ"الجزائر الآن": عودة العلاقات بين الجزائر ومالي تعيد رسم خريطة الأمن والتوازنات الجيوسياسية في الساحل الإفريقي

شارك
بواسطة بلقور محمد
:صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني والدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

●خبراء لـ”الجزائر الآن”: عودة العلاقات بين الجزائر ومالي تعيد رسم خريطة الأمن والتوازنات الجيوسياسية في الساحل الإفريقي

الجزائر الآن – في تحول دبلوماسي يحمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي، أعلنت الجزائر وجمهورية مالي بصورة متزامنة إنهاء أزمة دبلوماسية استمرت أكثر من أربعة عشر شهرًا.

عبر إعادة سفيري البلدين إلى منصبيهما ورفع القيود المفروضة على حركة الطيران المدني والعسكري بينهما.

في خطوة وصفها كثيرون بأنها تعكس إرادة سياسية مشتركة لإعادة العلاقات الثنائية ما بين محور الجزائر وباماكو إلى مسارها الطبيعي، واستئناف قنوات الحوار والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز أمن واستقرار منطقة الساحل الإفريقي.

ولا يُنظر إلى هذا التطور باعتباره مجرد تسوية لخلاف دبلوماسي، بل يمثل محطة مفصلية في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية داخل دول الساحل الإفريقي .

في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية متشابكة تتصدرها الجماعات الإرهابية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والهجرة غير النظامية.

إلى جانب تعقيدات المشهد الجيوسياسي الذي فرض على دول المنطقة البحث عن مقاربات أكثر واقعية تقوم على الحوار والتنسيق الإقليمي بدل منطق القطيعة والتصعيد.

مصدر الصورة

●عودة السفراء وفتح الأجواء… خطوات بناء الثقة تؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق الدبلوماسي والشراكة الاستراتيجية بين الجزائر ومالي

وفي ذات السياق فقد أعلنت الجزائر مؤخرا إعادة فتح مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مالي أو المتجهة إليها، منهية بذلك الإجراءات التي اتخذت خلال ذروة الأزمة الديبلوماسية الجزائرية-المالية في أبريل 2025.

في رسالة سياسية تعكس تمسك الجزائر بخيار الحوار، وحرصها على إعادة العلاقات الثنائية إلى منطلقاتها التاريخية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والتعاون المشترك.

مصدر الصورة

وفي ذات الخصوص فقد أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى العاصمة المالية باماكو، مع استئناف نشاط البعثة الدبلوماسية الجزائرية بصورة كاملة،

وفي المقابل من ذلك أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي إعادة سفيرها فوق العادة والمفوض إلى الجزائر لاستئناف مهامه الدبلوماسية.

كما قررت إعادة فتح المجال الجوي المالي أمام جميع الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها.

مؤكدة أن القرار يأتي في سياق استئناف علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وإحياء آليات التنسيق السياسي والأمني بما يخدم استقرار المنطقة.

ويرى متابعون للشأن الإقليمي أن هذه الخطوات تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية-المالية، إذ لا تقتصر آثارها على استعادة التمثيل الدبلوماسي.

مصدر الصورة

بل تفتح المجال أمام إعادة تنشيط التعاون الأمني، واستئناف المبادلات الاقتصادية والتجارية، وتعزيز التنسيق الحدودي بين بلدين يتقاسمان أكثر من 1300 كيلومتر من الحدود.

بما يمنح هذا التقارب بعدًا إستراتيجيًا يرتبط مباشرة بأمن الساحل ومستقبل الاستقرار في غرب إفريقيا.

●من أزمة تين زاوتين إلى استعادة قنوات الحوار

وتعود جذور الأزمة الجزائرية-المالية إلى أبريل 2025، عقب حادثة إسقاط طائرة استطلاع مسيّرة بالقرب من منطقة تين زاوتين الحدودية،

وهي الحادثة التي أدت إلى تصعيد غير مسبوق بين البلدين، تُرجم في سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية المتبادلة شملت استدعاء السفيرين، وإغلاق المجالين الجويين، وتعليق الرحلات الجوية.

الأمر الذي انعكس على مستوى التنسيق السياسي والأمني في واحدة من أكثر المناطق هشاشة على الصعيدين الأمني والجيوسياسي.

غير أن تطورات الأشهر الأخيرة أظهرت أن استمرار القطيعة لم يكن يخدم مصالح أي من الطرفين، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية واتساع رقعة نشاط التنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.

مصدر الصورة

وهو ما جعل العودة إلى الحوار خيارًا إستراتيجيًا فرضته ضرورات الأمن الإقليمي قبل الاعتبارات الدبلوماسية.

وتجمع قراءات الخبراء على أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي يمثل أكثر من مجرد إنهاء لخلاف عابر، إذ يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استقرار منطقة الساحل الإفريقي يظل رهينًا بوجود تنسيق وثيق بين دولها.

وفي مقدمتها الجزائر ومالي، باعتبارهما من أهم الفاعلين في معادلة الأمن الإقليمي، وبحكم ما يجمعهما من امتداد جغرافي وروابط تاريخية وتشابك في المصالح الأمنية والاقتصادية.

●خبراء: التقارب الجزائري-المالي يعكس إعادة تموضع إستراتيجي في معادلات الأمن الإقليمي

يرى مختصون في الشؤون السياسية والإستراتيجية أن استئناف العلاقات الجزائرية-المالية لا يمثل مجرد إنهاء لأزمة دبلوماسية استمرت أكثر من عام.

بل يعكس تحولًا في قراءة الطرفين لمجمل التحديات التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي ولاسيما خاصة في ظل تصاعد المخاطر الأمنية، وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية، واتساع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

الأمر الذي أعاد التأكيد على أن التعاون الإقليمي يظل الخيار الأكثر واقعية لضمان الاستقرار.

وفي هذا السياق، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، في تصريح خصّ به “للجزائر الآن”، أن الجزائر تمتلك من المقومات السياسية والدبلوماسية والأمنية ما يجعلها شريكًا أساسيًا في مرافقة مالي خلال هذه المرحلة، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي، وتجربتها الطويلة في مكافحة الإرهاب، ورصيدها الدبلوماسي في إدارة الأزمات الإفريقية.

وأوضح هريدي أن الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجزائر لا يقتصر على التعاون الأمني والعسكري، بل يشمل أيضًا دعم مؤسسات الدولة المالية، والحفاظ على وحدتها وسيادتها.

باعتبار أن بناء دولة قوية وقادرة على بسط سلطتها على كامل التراب الوطني يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار، وتجفيف منابع التطرف، وتهيئة الظروف الملائمة للتنمية.

واعتبر أن استعادة قنوات الحوار بين الجزائر وباماكو ستوفر أرضية أكثر فاعلية لتنسيق الجهود الأمنية والسياسية، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات المشتركة.

ويفتح المجال أمام مقاربة إقليمية أكثر انسجامًا لمعالجة أزمات الساحل، تقوم على التعاون والتنسيق بدل إدارة الأزمات بصورة منفردة.

ومن زاوية مكمّلة، يرى المختص في الشؤون السياسية والإستراتيجية الدكتور عزالدين نميري أن عودة العلاقات تعكس إدراكًا متبادلًا لطبيعة التوازنات الجديدة التي تشهدها المنطقة، وقناعة متزايدة لدى السلطات المالية بأن استقرار البلاد يظل وثيق الارتباط بوجود شراكة فعالة مع الجزائر.

بما تمتلكه من خبرة متراكمة في تسوية الأزمات، ومكافحة الإرهاب، ورعاية مسارات الحوار والمصالحة.

وأشار نميري في تصريح خص به “الجزائر الآن” إلى أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أكد في أكثر من مناسبة أن الجزائر ستبقى إلى جانب الشعب المالي.

انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن مالي يشكل امتدادًا طبيعيًا لأمن الجزائر واستقرار منطقة الساحل الإفريقي .

وهو ما يفسر حرص الدبلوماسية الجزائرية على إبقاء باب الحوار مفتوحًا رغم تعقيدات المرحلة السابقة.

وأضاف أن التطورات الأمنية التي شهدتها مالي خلال الأشهر الماضية، إلى جانب التحديات الاقتصادية والإنسانية.

دفعت بحكومة باماكو إلى إعادة تقييم أولوياتها الإقليمية، وهو ما مهّد لعودة التواصل السياسي مع الجزائر، باعتبارها شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة تستهدف إعادة الاستقرار إلى المنطقة.

وأكد أن تبادل السفراء وإعادة فتح المجال الجوي لا يمثلان نهاية أزمة دبلوماسية فحسب، بل يشكلان بداية مرحلة جديدة من بناء الثقة، تسمح بإعادة تفعيل آليات التنسيق السياسي والأمني. وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي، بما يعزز المصالح المشتركة للبلدين، ويمنح العلاقات الثنائية بعدًا إستراتيجيًا أكثر رسوخًا.

ويرى نميري أن هذا التقارب قد يهيئ الظروف لإطلاق مرحلة جديدة من الحوار بشأن مستقبل التسوية السياسية في مالي.

وفق مقاربة تراعي المتغيرات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وتجمع بين تثبيت الأمن، وتعزيز التنمية، ودعم مؤسسات الدولة، بما يرسخ الاستقرار بصورة مستدامة.

وتقود هذه المؤشرات، بحسب عدد من المتابعين، إلى خلاصة مفادها أن التقارب الجزائري-المالي يتجاوز استعادة العلاقات الدبلوماسية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الإستراتيجية.

يكون عنوانها الرئيسي تعزيز الأمن الجماعي، ودعم التنمية، وترسيخ الحوار السياسي، بما يعيد للجزائر موقعها كأحد أبرز الفاعلين في هندسة التوازنات الإقليمية داخل الفضاء الإفريقي.

●رؤية من قلب الساحل.. خبير نيجري: التقارب الجزائري-المالي انتصار للدبلوماسية الإقليمية وبداية مرحلة جديدة من التعاون

من داخل الفضاء الساحلي، يُنظر إلى استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي باعتباره تطوراً يتجاوز حدود البلدين، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على مستقبل الأمن الإقليمي ومسار التعاون بين دول الجوار.

ويرى متابعون أن إنهاء الأزمة الدبلوماسية من شأنه أن يخفف من حدة الاستقطاب الذي طبع المنطقة خلال الأشهر الماضية، وأن يفتح المجال أمام بناء مقاربة جماعية أكثر انسجاماً في مواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الجيوستراتيجي النيجري بانا إبراهيم، في تصريح خصّ به “للجزائر الآن”، أن استئناف العلاقات الدبلوماسية والإستراتيجية بين الجزائر ومالي يمثل انتصاراً لمنطق الحوار والواقعية السياسية

ومعتبراً أن هذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بوصفها مكسباً جماعياً يخدم استقرار منطقة الساحل بأكملها.

وأوضح أن دول الساحل الإفريقي ، وفي مقدمتها النيجر، تنظر بإيجابية إلى هذا التقارب، انطلاقاً من قناعتها بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الخلافات بين الدول المحورية.

مشيراً إلى أن الجزائر ومالي تمثلان ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن الإقليمي، وأن أي تقارب بينهما سينعكس بصورة مباشرة على جهود مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وتعزيز التنسيق السياسي بين دول المنطقة.

وأضاف أن النيجر، باعتبارها عضواً في كونفدرالية دول الساحل، ترتبط بعلاقات وثيقة مع مالي، وفي الوقت نفسه تحرص على المحافظة على شراكتها التاريخية مع الجزائر.

وهو ما يجعلها معنية بدعم كل المبادرات التي تسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز الثقة بين الجانبين، بعيداً عن منطق الاصطفافات الإقليمية.

وأشار بانا إبراهيم إلى أن الأشهر الماضية أثبتت أن الحوار يظل الأداة الأكثر نجاعة لمعالجة الخلافات، لافتاً إلى أن الاتصالات التي جرت بين عدد من العواصم الإقليمية.

ربما أسهمت في تهيئة المناخ المناسب لعودة العلاقات، بما يعكس تنامي الوعي بأهمية العمل الجماعي في مواجهة التحديات المشتركة.

●شراكة اقتصادية تواكب التعاون الأمني

وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى الخبير النيجري أن استعادة العلاقات الطبيعية بين الجزائر ومالي تفتح آفاقاً واعدة لتطوير المبادلات التجارية، وتنشيط حركة النقل البري والجوي.

وتعزيز مشاريع الربط الطاقوي واللوجستي، فضلاً عن تحسين التنسيق في إدارة المناطق الحدودية، بما يدعم فرص التكامل الاقتصادي داخل الفضاء الساحلي.

غير أنه شدد على أن هذا الانفتاح، على أهميته، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن الإصلاحات الداخلية التي تحتاجها مالي.

مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الدائم يظل مرتبطاً بتقوية مؤسسات الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتحسين استغلال الموارد الوطنية، وتعزيز الحوكمة، بما يسمح بتحويل الاستقرار الأمني إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن المالي بآثارها.

●نحو مقاربة جديدة لمعالجة الأزمة المالية

وفي تقييمه لمستقبل اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة الموقّع سنة 2015، اعتبر بانا إبراهيم أن التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها مالي خلال السنوات الأخيرة.

تجعل من العودة إلى الاتفاق بصيغته الأصلية أمراً غير مرجح، موضحاً أن المرحلة الحالية تستدعي إطلاق إطار جديد للحوار، يستجيب للمتغيرات الراهنة، ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابت احترام سيادة الدولة المالية ووحدة أراضيها.

وأوضح أن أي مقاربة مستقبلية ينبغي أن تنطلق من أولويات السلطات المالية، مع التركيز على بسط سلطة الدولة، وتعزيز الأمن، وإعادة دمج الراغبين في التخلي عن العمل المسلح، ودفع التنمية في المناطق الشمالية.

مؤكداً أن الجزائر، بما تمتلكه من خبرة دبلوماسية ومكانة إقليمية، تبقى مؤهلة لمرافقة هذا المسار بوصفها شريكاً موثوقاً وجاراً أساسياً، فيما تستطيع النيجر وبقية دول الساحل الإسهام في إنجاحه من خلال تنسيق إقليمي يقوم على الحوار والاحترام المتبادل.

ويخلص الخبير النيجري إلى أن نجاح التقارب الجزائري-المالي لن يقاس بإعادة السفراء أو استئناف الرحلات الجوية فحسب.

بل بقدرة البلدين على تحويل هذا التفاهم السياسي إلى شراكة عملية تُعزز الأمن، وتدفع التنمية، وتؤسس لمنظومة تعاون إقليمي أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات التي يشهدها الساحل الإفريقي.بهذا

●إعلامي ومحلل سياسي نيجري: استئناف العلاقات الجزائرية-المالية تحول استراتيجي يعزز أمن الساحل ويعيد الاعتبار للدبلوماسية الإقليمية

ومن جهته فقد كشف الإعلامي والمحلل السياسي والخبير في الجيوسياسية النيجري زكريا سيني سيدو، و ، في تصريح خصّ به “الجزائر الآن”، أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي يمثل تطوراً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة لمنطقة الساحل الإفريقي.

باعتباره يؤسس لمرحلة جديدة من الحوار والتنسيق بعد أشهر من التوتر السياسي والدبلوماسي بين البلدين.

وأوضح سيدو أن قرار الجزائر وباماكو إعادة تطبيع العلاقات يعكس إدراكاً متبادلاً بأن التحديات الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل تفرض منطق التعاون والتنسيق بدلاً من استمرار الخلافات.

لافتاً إلى أن استدعاء السفيرين خلال الفترة الماضية لم يكن سوى محطة عابرة فرضتها ظروف سياسية وأمنية معقدة، قبل أن تنتصر إرادة الحوار.

وأكد المتحدث أن الجزائر تظل فاعلاً محورياً في معادلة الأمن الإقليمي، بالنظر إلى امتداد حدودها المشتركة مع مالي.

وما تمتلكه من خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، إلى جانب إمكاناتها الاستخباراتية والدبلوماسية التي تجعلها شريكاً أساسياً في جهود استعادة الاستقرار بالساحل.

فيما تعمل مالي، في المقابل، على تنويع شراكاتها الإقليمية مع الحفاظ على سيادتها الوطنية وتعزيز تعاونها مع دول الجوار.

وأشار الخبير الجيوسياسي إلى أن استئناف العلاقات لا يعني بالضرورة تطابق مواقف البلدين بشأن مختلف الملفات.

بقدر ما يعكس إرادة سياسية مشتركة لتغليب الآليات الدبلوماسية في إدارة الخلافات، والتفرغ لمواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود التي تمثل التحدي الأكبر لدول المنطقة.

واعتبر بأن مساعي الدبلوماسية الجزائرية التي تدعو دائما إلى تغليب الحوار والمصالحة قد نجحت في إذابة الجليد الدبلوماسي مابين محور الجزائروباماكو، معتبراً بأن وجود شركاء إقليميين كالنيجر ونيجيريا باتوا يتقاسمون معها الرؤية نفسها بشأن مكافحة الإرهاب باعتباره يمثل عاملاً أساسياً لتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل.

وحول انعكاسات هذا التقارب على الوضع الأمني، أوضح المتحدث أن استعادة العلاقات من شأنها أن تساهم بصورة ملموسة في تحسين البيئة الأمنية.

غير أنها لا تمثل حلاً نهائياً للأزمة المالية، بالنظر إلى طبيعتها المركبة التي تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة شاملة ومتوازنة.

وأضاف أن استعادة الثقة بين الجزائر وباماكو ستفتح المجال أمام تعزيز التنسيق الاستخباراتي، وتشديد مراقبة الحدود المشتركة.

وتكثيف الجهود المشتركة لمكافحة التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب العابر للحدود، التي تشكل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.

ولفت سيدو إلى أن آثار هذا التقارب لن تقتصر على العلاقات الثنائية، بل قد تمتد إلى تعزيز التعاون بين الجزائر وبقية دول الساحل الإفريقي .

وفي مقدمتها النيجر وبوركينا فاسو، خاصة في ظل عودة التعاون بين الجزائر والنيجر، بما يمهد لبناء منظومة إقليمية أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة.

واختتم الإعلامي والمحلل السياسي النيجري تصريحه بالتأكيد على أن التقارب الجزائري-المالي يبعث برسالة دبلوماسية إيجابية إلى المنطقة. غير أن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرة البلدين على تحويل الإرادة السياسية إلى برامج تعاون عملية ومستدامة، ترتكز على التنسيق الأمني، وتعزيز التنمية، وترسيخ السلام والاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي.

●نجاح التقارب مرهون بتحويل الانفراج الدبلوماسي إلى شراكة أمنية وتنموية مستدامة

ويجمع عدد من الباحثين في العلاقات الدولية على أن استئناف العلاقات الجزائرية-المالية يمثل فرصة لإعادة صياغة مقاربة أكثر شمولاً لمعالجة أزمات الساحل.

تقوم على الربط بين الأمن والتنمية والحوار السياسي، بعيداً عن المقاربات التي اختزلت الأزمة في بعدها العسكري، ولم تنجح في تحقيق استقرار دائم.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور رابح لعروسي، في تصريح خصّ به “الجزائر الآن”، أن استعادة الثقة بين الجزائر ومالي تعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الفاعلين في المنطقة.

بأن أمن الساحل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعاون إقليمي متوازن، يراعي المصالح المشتركة ويحترم سيادة الدول، ويعتمد الحوار أساساً لتسوية الخلافات.

وأوضح لعروسي أن الجزائر راكمت، على امتداد عقود، خبرة معتبرة في إدارة الأزمات الإقليمية ورعاية مسارات الوساطة.

وهو ما يمنحها رصيداً سياسياً ودبلوماسياً يؤهلها لمواصلة أداء دورها في مرافقة الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في مالي، دون التدخل في خياراتها السيادية، بل عبر تشجيع الحلول السياسية التوافقية ودعم مؤسسات الدولة.

وأضاف أن التحديات التي تواجه مالي اليوم لم تعد أمنية فقط، وإنما أصبحت ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية.

وهو ما يستوجب اعتماد رؤية متكاملة تعالج جذور الأزمة، من خلال تحسين الحوكمة، وتوسيع فرص التنمية، وتعزيز حضور الدولة في مختلف المناطق، بالتوازي مع مواصلة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

●اتفاق الجزائر… مرجعية قابلة للتطوير لا للتجاوز

وحول مستقبل اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، يرى لعروسي أن المتغيرات التي شهدتها مالي منذ توقيع الاتفاق سنة 2015 تفرض مراجعة بعض آليات تنفيذه بما يتلاءم مع الواقع الجديد.

من دون التفريط في المبادئ التي قام عليها، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الدولة المالية، واحترام سيادتها، واعتماد الحوار سبيلاً لتسوية الخلافات.

وأشار إلى أن أي مسار سياسي جديد سيكون أكثر قابلية للنجاح إذا انطلق من الإرادة الوطنية المالية، واستفاد في الوقت نفسه من الخبرة التي راكمتها الجزائر في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.

مع توفير دعم إقليمي ينسجم مع أولويات دول المنطقة ويعزز قدرتها على معالجة تحدياتها بأدوات إفريقية.

●الجزائر تعزز تموضعها في عمقها الإفريقي

ويؤكد مراقبون أن أهمية هذا التقارب لا تكمن فقط في إنهاء أزمة دبلوماسية، بل في ما يحمله من رسائل سياسية تعكس عودة مناخ الثقة بين بلدين يشكلان ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل.

ومن هذا المنطلق، تبدو الجزائر أمام فرصة لتعزيز تموضعها في عمقها الإفريقي، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على الحوار، واحترام سيادة الدول. ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، بما يعزز دورها في مرافقة المبادرات الإقليمية الرامية إلى معالجة الأزمات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.

ولا يقتصر أثر هذا المسار على الجانبين الأمني والسياسي، بل يمتد إلى آفاق أوسع تشمل تنشيط المبادلات التجارية، وتشجيع الاستثمار، وتطوير مشاريع الربط الطرقي والطاقوي واللوجستي.

بما يرسخ التكامل الاقتصادي بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ويفتح المجال أمام شراكات تنموية أكثر استدامة.

●عودة العلاقات الجزائرية المالية تؤسس لمرحلة جديدة في ظل التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل

تكشف عودة العلاقات الجزائرية-المالية أن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل أعادت الاعتبار لمنطق الحوار بوصفه الخيار الأكثر واقعية لمعالجة الأزمات.

بعدما أثبتت التجارب أن المقاربات القائمة على القطيعة أو الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لإرساء استقرار دائم.

كما تعكس هذه الخطوة إدراكاً متبادلاً بأن التحديات العابرة للحدود، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الهجرة غير النظامية والهشاشة الاقتصادية، تفرض بناء شراكات إقليمية أكثر تماسكاً، يكون التعاون السياسي والأمني والاقتصادي أحد أعمدتها الرئيسية.

وبالنسبة للجزائر، فإن هذا التقارب يؤكد استمرار حضورها كفاعل محوري في الفضاء الإفريقي، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، وإنما أيضاً بفضل دبلوماسيتها القائمة على الوساطة والحوار، وسعيها إلى إرساء مقاربة متوازنة تربط بين الأمن والتنمية واحترام سيادة الدول.

أما بالنسبة لمالي، فإنه يفتح نافذة جديدة لإعادة بناء شراكاتها الإقليمية بما يخدم أولوياتها الوطنية، ويمنح منطقة الساحل فرصة لاستعادة ديناميكية التعاون في مواجهة التحديات المشتركة.

وبذلك، لا تمثل عودة السفراء وإعادة فتح المجالين الجويين نهاية أزمة دبلوماسية فحسب، بل تشكل بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية في الساحل الإفريقي. إذا ما تُرجمت الإرادة السياسية القائمة إلى برامج عملية، وشراكات مستدامة، وتنسيق دائم يعزز الأمن الجماعي ويدفع بعجلة التنمية في واحدة من أكثر مناطق القارة الإفريقية حساسية من الناحية الجيوسياسية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا