حققت الجزائر إنجازا جديدا على صعيد تعزيز مصداقية منظومتها المالية والاقتصادية، بعد أن نجحت في الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (GAFI)، في خطوة تعكس فعالية الإصلاحات التي باشرتها السلطات العليا في البلاد خلال السنوات الأخيرة، وتؤكد التزامها بتكريس معايير الشفافية ومكافحة الجرائم المالية وفق أرقى المعايير الدولية.
وأقرت مجموعة العمل المالي، خلال اجتماعها العام المنعقد بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) بالعاصمة الفرنسية باريس، رفع اسم الجزائر من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المعززة، وذلك بعد نحو عشرين شهراً من إدراجها ضمن هذه القائمة في أكتوبر 2024.
وشارك في أشغال الاجتماع وفد جزائري رفيع المستوى، ترأسه وزير المالية عبد الكريم بو الزرد، وضم محافظ بنك الجزائر محمد لمين لبو، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها السلطات الجزائرية لملف مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وأكد بنك الجزائر، في بيان له، أن الوفود المشاركة في الاجتماع أشادت بالنتائج التي حققتها الجزائر، معتبرة أنها تشكل دليلاً ملموساً على الإرادة السياسية للدولة ونجاعة الإصلاحات المنجزة والتزام البلاد بالامتثال للمعايير الدولية الأكثر صرامة في مجال الأمن المالي والشفافية الاقتصادية.
ويعد هذا القرار تتويجاً لمسار إصلاحي واسع أطلقته الجزائر منذ إدراجها في القائمة الرمادية، حيث عمدت إلى تحديث ترسانتها القانونية من خلال القانون رقم 23-01 الصادر في فيفري 2023، والمعدل للنص المؤسس لسنة 2005، قبل أن يتم استكماله سنة 2025 بالقانون رقم 25-048.
كما واكب بنك الجزائر هذه الإصلاحات بإصدار تنظيمين جديدين خلال سنتي 2024 و2025، تضمنا تشديد إجراءات الرقابة المتعلقة بمعرفة هوية الزبائن، فيما أصدر محافظ البنك في أفريل 2026 التعليمة رقم 04-2026 التي وحدت لأول مرة إجراءات “اعرف عميلك” بين البنوك والمؤسسات المالية والخدمات المالية لبريد الجزائر.
وامتدت الإصلاحات إلى قطاعات أخرى مصنفة ضمن مجالات المخاطر، على غرار قطاع العقار، حيث تم الشروع تدريجياً في منع الدفع نقداً في معاملات بيع السكنات والمركبات الجديدة، فضلاً عن انخراط مهنة محافظي الحسابات في مواءمة ممارسات التدقيق مع معايير التقييم المعتمدة من قبل مجموعة العمل المالي.
وتضم القائمة الرمادية للـGAFI الدول التي تعاني من نقائص في أنظمتها المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو تصنيف لا يترتب عنه فرض عقوبات مباشرة، لكنه ينعكس سلباً على سمعة الدول مالياً، من خلال تشديد إجراءات الامتثال من قبل البنوك الدولية، وارتفاع تكاليف المعاملات المالية وإطالة آجالها.
وبالنسبة للجزائر، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية خارج قطاع المحروقات، فإن الخروج من هذه القائمة يمثل رسالة ثقة قوية موجهة إلى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، ويسهم في تسهيل التعاملات البنكية العابرة للحدود وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال.
وكان إدراج الجزائر على القائمة الرمادية قد ترتبت عنه تداعيات عملية بالنسبة للبنوك الجزائرية في تعاملاتها الدولية، كما قامت المفوضية الأوروبية في جوان 2025 بمواءمة تصنيفها مع تصنيف مجموعة العمل المالي .
ويرى متابعون أن هذا المكسب المالي والدبلوماسي يفتح أمام الجزائر آفاقاً أوسع لتعزيز شراكاتها الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات في قطاعات الصناعة والمناجم والاقتصاد الرقمي، مع التأكيد على ضرورة مواصلة الجهود لضمان استدامة الإصلاحات والحفاظ على الامتثال الدائم للمعايير الدولية في مجال مكافحة الجريمة المالية.
المصدر:
الإخبارية