●الجزائر تجدد دعمها لوحدة السودان من الأمم المتحدة.. تحرك دبلوماسي لإفشال التدخلات الخارجية ودفع الحل السياسي..خبير تونسي وآخر جزائري يشرحان
الجزائر الآن – في وقت تتشابك فيه الأزمات الإقليمية مع رهانات التنافس الدولي على النفوذ والموارد، لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد نزاع داخلي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة القارة الإفريقية على حماية سيادة دولها والحفاظ على استقرارها بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وفي خضم هذه التحولات، تواصل الجزائر التمسك بخط دبلوماسي ثابت يقوم على احترام سيادة الدول، ورفض منطق الاصطفافات، والدفع نحو حلول سياسية نابعة من الإرادة الإفريقية.
انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن السودان واستقراره يمثلان جزءًا لا يتجزأ من الأمن الجماعي للقارة الإفريقية.
وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية يشكل الضمانة الأساسية لمنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
ولا تنظر الجزائر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أزمة إنسانية فحسب، بل تراها أيضًا انعكاسًا لصراع جيوسياسي يتجاوز حدود السودان.
حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع نفوذها في منطقة تعد من أكثر المناطق أهمية من الناحية الاستراتيجية، بفضل موقعها الرابط بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي وإفريقيا الوسطى.
فضلًا عن ثرواتها الطبيعية الكبيرة. ومن هذا المنظور، تعتبر الجزائر أن أي تسوية لا تعالج جذور التدخلات الخارجية ستظل معرضة للانهيار مهما بلغت الجهود الدبلوماسية المبذولة.
●إدريس لطرش أمام مجلس الأمن: السودان يواجه ثلاثة مؤشرات مقلقة
وفي مداخلة أمام مجلس الأمن الدولي، حذر السفير والممثل الدائم للجزائر لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف، إدريس لطرش، من خطورة تطورات الوضع في السودان، مؤكدًا أن الأزمة باتت محكومة بثلاثة مؤشرات رئيسية تستدعي تعبئة إفريقية ودولية عاجلة.
وأوضح أن السودان أصبح مسرحًا لواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل التدهور المتواصل للأوضاع المعيشية واتساع دائرة المعاناة الإنسانية التي تطال ملايين المدنيين.
وأشار كذلك إلى أن السودان تحول إلى إحدى أبرز بؤر التدخلات الخارجية، حيث ساهمت تلك التدخلات في تغذية النزاع عبر الدعم العسكري والسياسي لأطراف الصراع، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية السلمية.
أما المؤشر الثالث، فيتمثل في استمرار غياب أفق سياسي واضح رغم مختلف المبادرات والجهود الأممية والإفريقية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى حل شامل ومستدام أكثر صعوبة في المرحلة الراهنة.
●الجزائر تحذر من تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي
وأكدت الجزائر أن استمرار التدخلات الأجنبية يمثل أحد أبرز العوامل التي تعرقل جهود السلام، محذرة من مخاطر تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على حساب أمنه ووحدته واستقرار شعبه.
وترى الدبلوماسية الجزائرية أن أي مقاربة ناجحة لمعالجة الأزمة ينبغي أن تنطلق من احترام السيادة السودانية ورفض كل أشكال الوصاية الخارجية، بما يضمن للسودانيين حقهم في تقرير مستقبلهم بعيدًا عن الضغوط والتجاذبات الخارجية.
ويعكس هذا الموقف امتدادًا لعقيدة دبلوماسية جزائرية راسخة منذ الاستقلال، قوامها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض تغيير الأنظمة أو فرض حلول من خارج الحدود.
وهو النهج الذي جعل الجزائر تحافظ على خطاب سياسي ثابت في مختلف الأزمات الإفريقية، مؤمنًا بأن استقرار الدول لا يتحقق إلا عبر مؤسساتها الشرعية وحوار وطني شامل تقوده شعوبها.
●الرئيس تبون: استقرار السودان ركيزة للأمن الجماعي في إفريقيا
وسبق أن عبر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في مختلف المحافل الإفريقية والدولية، عن ضرورة وقف الحرب فورًا والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الشرعية.
وجدد الرئيس تبون، في كلمة ألقاها نيابة عنه الوزير الأول خلال أشغال القمة الإفريقية بأديس أبابا، دعوته إلى تكثيف الجهود الإفريقية والدولية لإنهاء النزاع، مؤكدًا أن استقرار السودان يشكل ركيزة أساسية للأمن الجماعي في منطقة القرن الإفريقي والقارة الإفريقية عمومًا.
●الجزائر تتمسك بالحل السياسي وترفض الإملاءات الخارجية
وتؤكد الجزائر باستمرار رفضها للإملاءات والتدخلات الخارجية في الشأن السوداني، معتبرة أن معالجة الأزمات الإفريقية يجب أن تتم من خلال حلول نابعة من إرادة شعوب القارة ودولها بعيدًا عن الضغوط والمصالح الأجنبية.
كما تدين تقديم الدعم العسكري لأطراف النزاع، لما يمثله ذلك من عامل يساهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات تسويتها، وتؤكد أن الشعب السوداني وحده يملك حق تقرير مصيره واختيار مستقبله السياسي.
وفي إطار موقفها الداعم لاستقرار السودان، تواصل الجزائر مساندتها للمؤسسات الرسمية للدولة السودانية وجهودها الرامية إلى الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق الأمن والاستقرار وإنجاح أي مسار سياسي مستقبلي.
ولا يقتصر التحرك الجزائري على الدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل يتجاوز ذلك نحو رؤية متكاملة لإعادة بناء الاستقرار، تقوم على الحفاظ على مؤسسات الدولة، ودعم جهود المصالحة الوطنية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والتنمية.
فالخبرة الإفريقية أثبتت أن إنهاء الحروب لا يتحقق بمجرد إسكات صوت السلاح، وإنما بإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بين مكوناتها، وهو ما يفسر استعداد الجزائر للمساهمة في جهود إعادة إعمار السودان.
●الجزائر تبدي استعدادها لمرافقة السودان في مرحلة إعادة الإعمار
وعلى الصعيد الثنائي، أكدت الجزائر خلال مراسم تسليم أوراق اعتماد السفير السوداني الجديد في جوان 2026 وقوفها إلى جانب السودان في مواجهة التحديات الراهنة ومحاولات التدخل الخارجي.
كما أبدت استعدادها لمرافقة السودان في مرحلة إعادة الإعمار من خلال فتح المجال أمام الشركات الجزائرية للمساهمة في المشاريع التنموية وإعادة بناء البنية التحتية، بما يعزز العلاقات الثنائية ويدعم جهود التعافي والاستقرار.
●فيصل شريف: الجزائر تدافع عن وحدة السودان وتحافظ على مؤسسات الدولة
وفي ذات الخصوص فقد المحلل الاستراتيجي والسياسي التونسي الدكتور فيصل الشريف استاذ التاريخ العسكري والجغرافيا السياسية بالجامعة التونسية بأن موقف الجزائر من الأزمة السودانية يستند إلى ثوابت دبلوماسية راسخة تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والحفاظ على مؤسساتها الشرعية.
وأوضح في تصريح لـ “الجزائر الآن” أن السياسة الخارجية الجزائرية ظلت وفية لمبادئها القائمة على احترام الأنظمة الشرعية ورفض أي محاولات لفرض واقع موازٍ لمؤسسات الدولة.
مؤكدًا أن الجزائر تدعو باستمرار إلى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية.
وأشار إلى أن السودان أصبح ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية مرتبطة بثرواته الطبيعية وموقعه الجيوسياسي.
معتبرًا أن استمرار النزاع يخدم أطرافًا تسعى إلى الاستفادة من حالة عدم الاستقرار واستغلال الموارد الاقتصادية للبلاد.
كما حذر من التداعيات الإنسانية والأمنية المتزايدة للأزمة السودانية على دول المنطقة، مؤكدًا أن استقرار السودان يمثل مصلحة استراتيجية مشتركة لدول الجوار، وأن الحوار السياسي الشامل يبقى السبيل الأكثر واقعية لإنهاء الصراع.
●عز الدين نميري: الجزائر تدفع نحو مقاربة إفريقية لحل الأزمة السودانية
من جانبه، أكد الدكتور عز الدين نميري، في تصريحه لصحيفة “الجزائر الآن”، أن الموقف الجزائري من الأزمة السودانية يستند إلى رؤية ثابتة تقوم على احترام سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية.
مع التشديد على ضرورة إيجاد تسوية سياسية عبر مقاربة إفريقية تراعي خصوصيات السودان وتحدياته الداخلية.
وأوضح أن الجزائر تدافع باستمرار عن مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، باعتباره الإطار الأكثر قدرة على معالجة الأزمات داخل القارة بعيدًا عن التدخلات الأجنبية التي غالبًا ما تؤدي إلى تعقيد الأوضاع وإطالة أمد النزاعات.
وحذر المتحدث من التداعيات الأمنية لاستمرار الصراع على منطقة الساحل والقرن الإفريقي، مشيرًا إلى مخاطر تنامي تجارة السلاح غير الشرعية وتوسع نشاط الجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
كما دعا الاتحاد الإفريقي إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في حماية وحدة السودان والتصدي للتدخلات الخارجية، عبر تكثيف جهود الوساطة ودعم مسارات الحوار بين الأطراف السودانية.
ويؤكد هذا الطرح أن استقرار السودان لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في معادلة الأمن الإفريقي برمتها.
في ظل الترابط المتزايد بين أزمات الساحل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يجعل نجاح أي تسوية سياسية في السودان مكسبًا استراتيجيًا للقارة بأكملها.
●رؤية جزائرية متكاملة لتعزيز السلم والاستقرار في إفريقيا
وتندرج التحركات الجزائرية تجاه السودان ضمن رؤية أوسع تنتهجها الجزائر في معالجة الأزمات الإفريقية، تقوم على دعم الحلول السياسية السلمية وتعزيز دور المؤسسات القارية في إدارة النزاعات والحفاظ على سيادة الدول ووحدتها.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة، تواصل الجزائر ترسيخ مكانتها كفاعل دبلوماسي محوري ومؤثر في إفريقيا.
من خلال الدفع نحو تسويات سياسية مستدامة، وتعزيز دور الاتحاد الإفريقي في الوقاية من النزاعات وتسويتها، والدفاع عن مقاربة تقوم على احترام السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية.
الخاتمة
وفي ظل استمرار تعقيدات المشهد السوداني، تؤكد الجزائر من جديد أنها تراهن على الدبلوماسية والحوار السياسي باعتبارهما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب وصون وحدة السودان.
كما تعكس تحركاتها داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي رؤية استراتيجية ترى أن مستقبل القارة لا يُبنى بالتدخلات الخارجية، وإنما بإرادة دولها وشعوبها.
ومن هذا المنطلق، يكتسب الموقف الجزائري بعدًا يتجاوز إدارة الأزمة الراهنة، ليعبر عن مشروع دبلوماسي يسعى إلى تكريس دولة وطنية قوية، وحلول سياسية مستدامة، وشراكات إفريقية قائمة على احترام السيادة والتكامل الإقليمي.
وبينما تستمر الحرب في استنزاف السودان، تواصل الجزائر الدفاع عن خيار السلام العادل، باعتباره الضمانة الوحيدة لحماية وحدة السودان، وتعزيز الأمن الجماعي في إفريقيا، وترسيخ الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الخريطة الجيوسياسية العالمية
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة