●المخطوط الجزائري في قلب الاستراتيجية الوطنية.. الجزائر تراهن على الرقمنة واسترجاع الذاكرة لحماية تراثها الحضاري
الجزائر الآن – اختُتمت بالجزائر العاصمة فعاليات الطبعة الأولى من الملتقى الدولي للمخطوط الموسوم بـ “طرق الحبر في الجزائر: حضارة وتراث”، بعد يومين من النقاشات العلمية واللقاءات الفكرية.
التي جمعت نخبة من الباحثين والخبراء وأصحاب الخزائن التراثية من داخل الجزائر وخارجها،
في تظاهرة كرّست مكانة المخطوط الجزائري باعتباره أحد أهم روافد الذاكرة الوطنية وشاهداً على العمق الحضاري والعلمي للبلاد عبر العصور.
وشكّل الملتقى، المنظم تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ،محطة علمية وثقافية بارزة ناقشت واقع المخطوط الجزائري.
وسبل حمايته وترميمه ورقمنته، وآفاق توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمته، إلى جانب استشراف مستقبل هذا التراث في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
●وزيرة الثقافة: استرجاع المخطوط الجزائري التزام سيادي لاستكمال استقلال الذاكرة
وفي كلمتها الختامية، أكدت وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة بأن استرجاع المخطوط الجزائري الموجود خارج الوطن.
يمثل التزاماً سيادياً ثابتاً يندرج ضمن مسار استكمال استقلال الذاكرة الوطنية وصون مكوناتها الحضارية.
وأوضحت أن ترسيم هذا الملتقى وتحويله إلى موعد علمي دوري من شأنه تعزيز الجهود الرامية إلى الاهتمام بالمخطوط الجزائري والعربي أينما وجد.
والعمل على حفظه وترميمه ورقمنته، مع توفير الإمكانيات اللازمة للمؤسسات المختصة، وفي مقدمتها المكتبة الوطنية والمركز الوطني للمخطوطات.
وأشارت الوزيرة إلى أن الملتقى امتد رمزياً بين سنتين هجريتين، من 1447 إلى 1448 هجرياً، معتبرة ذلك دلالة على مرحلة انتقالية مهمة تأمل أن تشكل نقطة تحول جوهرية في مستقبل المخطوط بالجزائر والعالم العربي.
وأضافت أن المداخلات العلمية أتاحت للمشاركين فرصة السفر عبر “طرق الحبر” ومسالكها التاريخية القديمة والحديثة، شمالاً وجنوباً وصولاً إلى أعماق إفريقيا.
وامتداداً نحو العالم العربي والإسلامي وأوروبا، كما كشفت عن آفاق واسعة للبحث العلمي في ظل التطورات الرقمية المتلاحقة .
كما ثمّنت جهود أصحاب الخزائن والعائلات المالكة للمخطوطات.
مشيدة بدورهم في مرافقة مشاريع الوزارة المتعلقة بحماية هذه الذخائر الثمينة وترميمها ورقمنتها وإدراجها ضمن الخارطة الوطنية للمخطوطات.
وفي ختام كلمتها، جددت الوزيرة شكرها لرئيس الجمهورية على دعمه واهتمامه بالمبادرات الرامية إلى حماية التراث المخطوط والحفاظ على الهوية الوطنية،و معلنة الاختتام الرسمي لأشغال الطبعة الأولى من الملتقى.
●توصيات تدعو إلى ترسيم الملتقى واستحداث يوم وطني للمخطوط
وأعلنت لجنة التوصيات في ختام الأشغال جملة من المقترحات العملية التي تهدف إلى تعزيز حماية التراث المخطوط وتثمينه.
وفي مقدمتها ترسيم الملتقى الدولي للمخطوط وتحويله إلى موعد علمي سنوي يضمن استمرارية البحث وتبادل الخبرات.
كما أوصى المشاركون باستحداث يوم وطني للمخطوط لتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة هذا التراث الحضاري.
وإطلاق جوائز تشجيعية للتميز في مجالي حفظ المخطوطات وتحقيقها.
وشددت التوصيات على ضرورة إعداد إطار قانوني خاص بالمخطوطات يحدد آليات حمايتها وتنظيم التعامل معها.
مع إدماجها ضمن مشاريع الصناعات الثقافية ومسارات السياحة الثقافية والدينية والروحية.
●رقمنة الخزائن الخاصة وإنشاء شبكة وطنية موحدة
وأكد المشاركون أهمية حماية المخطوطات الموجودة في الخزائن العائلية والخاصة من خلال توفير الدعم التقني والتجهيزات الضرورية للحفظ والصيانة وفق المعايير الحديثة.
كما دعوا إلى إنشاء شبكة رقمية وطنية موحدة تضم مختلف خزائن المخطوطات الجزائرية، بما يضمن الحفاظ عليها من التلف والضياع، ويُيسر استفادة الباحثين والجامعات ومراكز البحث من محتوياتها.
وكشفت المعطيات المقدمة خلال الملتقى عن إحصاء ما يقارب 34 ألف مخطوط عبر مختلف مناطق الوطن، فيما بلغ عدد المخطوطات والوثائق التي خضعت لعمليات الرقمنة نحو 12 ألف مخطوط ووثيقة.
مع مشاركة ممثلين عن 113 خزانة مخطوطات من مختلف الولايات.
●الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة لخدمة التراث المكتوب
واستأثرت الرقمنة والذكاء الاصطناعي بجزء مهم من النقاشات العلمية، حيث أكد الخبراء أن التحول الرقمي أصبح خياراً استراتيجياً لضمان استدامة التراث المكتوب وتوسيع دائرة الاستفادة منه.
وناقش الباحثون إمكانات توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قراءة النصوص القديمة والتعرف الآلي على الخطوط العربية، وتحليل الوثائق التاريخية.
والاستفادة من تقنيات التعرف الضوئي على الحروف في معالجة المخطوطات وترتيب نسخها المختلفة والكشف عن حالات التزوير والتحريف.
كما تم استعراض أحدث التقنيات العالمية في مجالات الترميم والحفظ الوقائي، بما في ذلك التصوير المتقدم والأشعة تحت الحمراء وتقنيات النانو المستخدمة في حماية الوثائق التاريخية وإطالة عمرها الافتراضي.
●خبراء ومختصون: المخطوط الجزائري سجل حضاري متكامل
وفي تصريحات على هامش الملتقى، أكد الدكتور عبد العزيز، الإطار السابق بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، في تصريح “لصحيفة الجزائر الآن” بأن الجزائر تمتلك رصيداً حضارياً عريقاً في مجال الكتابة والمخطوطات يعود إلى آلاف السنين. ومشيراً وفي ذات الخصوص إلى أن المخطوط الجزائري لا يقتصر على العلوم الشرعية فحسب، بل يشمل مختلف المعارف الإنسانية من علوم دقيقة وآداب وفنون وثقافات.
وأوضح أن المخطوطات الجزائرية المنتشرة عبر مختلف مناطق الوطن تمثل عصارة تراكم علمي وثقافي كبير.
ورغم ما تعرض له الكثير منها من ضياع وإتلاف خلال الحقبة الاستعمارية وأحداث الإرهاب، فإن الرصيد المتبقي ما يزال قادراً على تقديم صورة دقيقة عن الثراء الحضاري للجزائر.
وشدد على أن الرقمنة تمثل اليوم الوسيلة الأنجع للحفاظ على هذا التراث.
داعياً إلى تحديث آليات التعامل مع المخطوطات والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لضمان استمراريتها وإتاحتها للأجيال القادمة.
●تكريم شخصيات ومؤسسات ساهمت في حفظ الذاكرة الوطنية
وشهدت الجلسة الختامية تكريم عدد من الشخصيات والمؤسسات والعائلات التي أسهمت في حفظ التراث المخطوط وصيانته.
ومن بين المكرمين الباحث وادفال مولود من ولاية قسنطينة تقديراً لمساهماته في حماية الموروث الثقافي الوطني.
إلى جانب السيدة فروخي زوليخة من مدينة مليانة، أرملة المرحوم فضيل أحمد شوقي فضيل، التي أهدت مجموعة من المخطوطات النادرة لمتحف الأمير عبد القادر بمليانة، تعود إلى حقب تاريخية متعددة.
كما تم تكريم جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم إطفيرش لخدمة التراث بولاية غرداية، نظير جهودها في استدراك وحفظ آلاف المخطوطات، وتسلم التكريم رئيس مصلحة المخطوطات بالجمعية الأستاذ قصرت داود.
●احتفاء بالتراث مع مطلع العام الهجري الجديد
وتزامنت فعاليات الاختتام مع حلول السنة الهجرية الجديدة، في أجواء طبعتها الروحانية والاحتفاء بالذاكرة الوطنية.
حيث أكد المتدخلون أن المخطوطات تمثل أمانة حضارية ينبغي الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة باعتبارها جزءاً أصيلاً من هوية الجزائر وتاريخها العلمي والثقافي.
كما نوه المشاركون بالدعم الذي توليه الدولة الجزائرية لبرامج حفظ التراث، وبالدور الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والعلمية وأصحاب الخزائن الخاصة في حماية هذا الإرث الوطني.
●نحو استراتيجية وطنية متكاملة لصون الذاكرة المعرفية
ويؤكد النجاح الذي حققته الطبعة الأولى من ملتقى “طرق الحبر في الجزائر: حضارة وتراث” أن ملف المخطوطات أصبح يحظى بمكانة متقدمة ضمن الرؤية الوطنية لحماية التراث وتعزيز السيادة الثقافية والمعرفية.
فبين رهانات الرقمنة، وتحديات الحفظ والترميم، ومساعي استرجاع المخطوطات الجزائرية المنتشرة عبر العالم.
تتجه الجزائر نحو بناء استراتيجية شاملة تجعل من التراث المكتوب رافعة للبحث العلمي والتعاون الثقافي الدولي.
وفي ظل الاهتمام الرسمي المتزايد، والديناميكية التي أفرزها هذا الملتقى، تبدو المرحلة المقبلة واعدة بمشاريع جديدة تعزز حضور الجزائر في المشهد الثقافي العربي والإفريقي والدولي.
وترسخ مكانتها كأحد المراكز التاريخية الكبرى لإنتاج المعرفة وحفظ الذاكرة الإنسانية، بما يضمن انتقال هذا الإرث الحضاري الثمين إلى الأجيال القادمة في أفضل الظروف العلمية والتقنية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة