●الدغمة”.. قصة سلالة ملكية تُبعث من جديد في الهضاب العليا بالجزائر
الجزائر الآن – مع حلول الأيام المباركة لعيد الأضحى، تشهد الأسواق الأسبوعية ونقاط البيع عبر مختلف ربوع الوطن حركية استثنائية للمستهلك الجزائري المقيد برحلة البحث السنوية عن أضحية العيد.
وفي وقت تتصدر فيه سلالات شهيرة مثل “أولاد جلال”، “عرب سيدي نايل”، و”حميان” المشهد، يسلط وثائقي حديث بثته قناة الجزائر الدولية (AL24news) تحت عنوان الدغمة.. دمغة جزائرية، الضوء على موروث جيني وتاريخي فريد يمثل إحدى أعرق وأجود سلالات الأغنام في الجزائر وشمال إفريقيا: سلالة “الدغمة” أو السلالة الحمراء.
الشريط الوثائقي يغوص في عمق تاريخ هذه السلالة، مستعرضاً خصائصها البيولوجية الفريدة، ومحطات الاستنزاف التي واجهتها، وصولاً إلى الجهود العلمية والميدانية الحثيثة لإنقاذها من شبح الانقراض.
● المهد التاريخي.. عشرة قرون من التجذر في بادية النعامة
وفي ذات السياق يرى آهل الإختصاص بأن مناطق الهضاب العليا، ولا سيما ولاية النعامة (المشرية وعين الصفراء)، إلى جانب ولايات البيض، سعيدة، وجنوب تلمسان، وسيدي بلعباس، وبشار، تعتبر الموطن التاريخي الحقيقي لسلالة “الدغمة” منذ أكثر من 10 قرون.
وقد شكل “سوق عين الصفراء” التاريخي، الذي تأسس عام 1828، مركزاً عالمياً وقبلة للموالين والقبائل لتبادل هذه الماشية الفريدة.
ولم تكن “الدغمة” مجرد ثروة حيوانية بل ارتبطت بالهوية والثقافة الشعبية؛ حيث تغنى بها الشعراء في قصائدهم، واستُخدم صوفها في صناعة “الهدم” (غطاء الخيام)، الزرابي، والجلباب الوبرائي الأصيل.
● من موائد باريس إلى خطوط التهريب.. فصول من الاستنزاف
وقد تعرضت سلالة الدغمة عبر التاريخ لمحطات قاسية من الاستنزاف؛ فخلال فترة الاحتلال الفرنسي، أولت السلطات الاستعمارية عناية فائقة لهذه الماشية نظراً لجودة لحومها المستمدة من مرعاها على نباتات الشيح والشوك.
وتوثق الأرشيفات السينمائية لعام 1949 كيف تم نقل ملايين الرؤوس عبر السكك الحديدية نحو ميناء وهران ومنه إلى مسالخ ومطاعم مارسيليا وباريس الفاخرة، حيث كانت تُعرف باسم “لو بوتي أوراني” (Le petit oranais).
ولم يتوقف الاستنزاف عند هذا الحد، بل شهدت فترة أواخر الثمانينيات والتسعينيات موجات تهريب واسعة عابرة للحدود الغربية استغلت الظروف الأمنية آنذاك.
مما أدى إلى تراجع أعدادها في موطنها الأصلي إلى بضعة آلاف (أقل من عتبة الـ 50 ألف رأس التي تحددها منظمة “الفاو” لخطر الانقراض)، في مقابل تكاثرها في البلد الجار.
●هندسة حيوية فريدة.. سلالة “ولودة” وصديقة للبيئة
وتتميز سلالة “الدغمة” بمواصفات مورفولوجية واقتصادية تجعلها تتفوق على العديد من السلالات البيضاء:
● المظهر واللون: شاة قصيرة القامة، ممتلئة الجسم، رأس وقوائم بنية إلى حمراء داكنة مع صوف أبيض، وقرون حلزونية لولبية.
● إنتاجية عالية للحوم: تمتلك هيكلاً عظمياً رقيقاً وخفيفاً جداً وفخذاً مستديراً، مما يرفع نسبة اللحم الصافي في الذبيحة مقارنة بالعظم.
●صديقة للبيئة ومقاومة للجفاف: تتمتع بقدرة فائقة على تحمل الجوع والعطش ومقاومة الأمراض. وهي “صديقة للبيئة” لأنها أثناء الرعي لا تقلع جذور النباتات بل تكتفي بقضم الأجزاء العلوية، مما يتيح للغطاء النباتي التجدد.
●خصوبة مرتفعة: يصل معدل التكاثر عند النعجة الحمراء إلى 100%، مع قدرة مثبتة ميدانياً على الولادة مرتين في السنة في حال توفر العناية اللازمة.
● استنفار رسمي وعلمي.. وسام التقييس والحظيرة الذكية
وأمام خطر اندثار هذا الموروث الجيني، تحركت الدولة الجزائرية عبر معاهدها وجامعاتها لإعادة إحياء وتثمين السلالة، وهي التي حظيت تاريخياً برمزية وطنية عندما صك الرئيس الراحل هواري بومدين صورتها على العملة النقدية (20 سنتيماً) في السبعينيات.
وفي العصر الحالي، تسارعت الخطوات القانونية والتكنولوجية لحمايتها:
1. التقييس والوسم: تم تسجيل معيار السلالة رسمياً لدى المعهد الجزائري للتقييس (IANOR) عام 2007، وتجري المساعي حالياً مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة “الفاو” لمنح لحم الدغمة “علامة الجودة الفلاحية” وحماية منشئها الجغرافي.
2. المحطة الجهوية بالحنجير: تعمل المحطة المتواجدة بعين الصفراء منذ 2016 على برامج التلقيح الاصطناعي واختيار الفحول لتصفية الأجيال، ونجحت في رفع تعداد السلالة المسجلة رقمياً إلى أزيد من 1500 رأس.
3. التكنولوجيا الذكية في خدمة الفلاحة: انخرط قطاع التعليم العالي عبر المدرسة العليا للفلاحة بالتعاون مع مؤسسة ناشئة في تطوير “حظيرة ذكية للأغنام”، تعتمد على زرع شرائح إلكترونية تعريفية في أذن خروف الدغمة لتتبع مساره الصحي، الغذائي، الجيني، وحمايته من السرقة وضبط تموقعه الجغرافي بدقة.
ويبقى تحدي الحفاظ على سلالة “الدغمة” رهاناً اقتصادياً وبيئياً كبيراً يعيد للاقتصاد السهبي الجزائري بريقه، ويضمن استدامة ثروة حيوانية ضاربة في عمق التاريخ.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة