تعميم تدريس مادتي تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة: استثمار في الوعي الوطني وصناعة المستقبل
الجزائرالٱن _ يُعدّ القرار الذي أصدره وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور كمال بداري ،القاضي بتعميم تدريس مادتي” تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة” ضمن البرامج البيداغوجية لجميع الطلبة ابتداءً من الدخول الجامعي المقبل.
خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، تعكس وعي الدولة الجزائرية بأن بناء الأوطان لا يقوم على التنمية المادية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى بناء الإنسان الواعي بجذوره، المعتزّ بهويته، والمدرك لمسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه.
فالتاريخ ليس مجرد سردٍ لأحداث مضت، بل هو مدرسة للأجيال، ومرآة للأمم، وذاكرة تحفظ التجارب والانتصارات والآلام، ومنها تستمد الشعوب قوتها في الحاضر ورؤيتها للمستقبل.
إن تدريس تاريخ الجزائر داخل الجامعة، وبمختلف التخصصات، يحمل دلالات عميقة؛ إذ يجعل الطالب، سواء كان في العلوم الدقيقة أو الإنسانية أو التكنولوجية، على صلة مباشرة بالمسار التاريخي لوطنه، من الحضارات القديمة، إلى المقاومة الشعبية، إلى الحركة الوطنية، ثم ثورة التحرير المجيدة، وصولًا إلى بناء الدولة الوطنية الحديثة.
وقد كنت شخصيا من أوائل أساتذة المادة الذين طالبوا ولا زالوا يطالبون بضرورة تدريس مادة التاريخ في جميع الأطوار التعليمية ومختلف التخصصات ،فالشاب الذي يعرف تاريخ بلاده.
ويقف على تضحيات الشهداء والمجاهدين، ويدرك حجم المعاناة التي عاشها الشعب الجزائري تحت نير الاستعمار، يكون أكثر قدرة على تقدير نعمة الاستقلال، وأكثر استعدادًا للدفاع عن وطنه وصيانة مكاسبه.
كما أن مادة الوطنية والمواطنة تكتسي أهمية لا تقل شأنًا، لأنها تُرسّخ لدى الطلبة قيم الالتزام بالقانون، واحترام المؤسسات، وروح المسؤولية، والتعايش، وخدمة الصالح العام، والمشاركة الإيجابية في التنمية.
فالوطنية الحقة ليست مجرد شعارات تُرفع، وإنما سلوك يومي يتجسد في الإخلاص في العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الآخر، والوعي بالحقوق والواجبات.
وفي عالم يشهد تحديات فكرية وثقافية متسارعة، وتناميًا لمحاولات طمس الهويات وتشويه الذاكرة، يصبح تدريس التاريخ ضرورة حضارية، لأنه يحصّن الأجيال من الاغتراب والانسلاخ، ويمنحها مناعة فكرية أمام التضليل والتزييف.
إن أمةً تنسى تاريخها، يسهل اقتلاعها من جذورها، أما الأمة التي تحفظ ذاكرتها، فإنها تبني حاضرها بثقة، وتتجه نحو مستقبلها بثبات.
ويأتي هذا القرار منسجمًا تمامًا مع ما ورد في رسالة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون بمناسبة اليوم الوطني للذاكرة المصادف الثامن ماي 2026.
حيث أكد أن الذاكرة الوطنية تظل ركيزة أساسية في بناء الجزائر الجديدة، وأن تضحيات الشعب الجزائري خلال مراحل المقاومة والتحرير تمثل مصدر فخر وإلهام للأجيال الصاعدة.
كما شدد رئيس الجمهورية على ضرورة صون الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الشباب، حتى تبقى المآثر الوطنية حاضرة في الوجدان الجماعي، ويظل الوفاء للشهداء والمجاهدين سلوكًا عمليًا يُترجم في خدمة الوطن والدفاع عن سيادته ووحدته.
إن الربط بين هذا القرار الجامعي ورسالة رئيس الجمهورية يُظهر بوضوح أن الدولة الجزائرية تسير وفق رؤية متكاملة، تجعل من الذاكرة الوطنية والتربية المواطنة ركيزتين أساسيتين في مشروع النهضة الوطنية.
فالجامعة ليست فضاءً لتلقين المعارف التقنية فقط، بل هي مؤسسة لصناعة المواطن الواعي، القادر على الجمع بين الكفاءة العلمية والانتماء الوطني.
ومن المنتظر أن يسهم هذا التوجه في إعادة الاعتبار لمكانة التاريخ داخل المنظومة التعليمية، وأن يفتح المجال أمام مقاربات جديدة لتدريسه، تقوم على البحث العلمي، والتحليل النقدي، واستثمار الوثائق والأرشيف، وربط الماضي بالحاضر.
كما سيساعد الطلبة على فهم التحولات التي عرفتها الجزائر، وإدراك التحديات الراهنة في ضوء التجارب التاريخية السابقة.
إن الأمم المتقدمة لم تبلغ ما بلغته إلا حين جعلت من تاريخها مصدر قوة، ومن ذاكرتها الجماعية أساسًا لوحدتها الوطنية. والجزائر، بما تملكه من رصيد نضالي وحضاري عظيم، أحوج ما تكون اليوم إلى ترسيخ هذا الوعي لدى شبابها، حتى يواصلوا مسيرة البناء بنفس الروح التي صنع بها الأسلاف أمجاد الاستقلال.
وفي الختام، فإن تعميم تدريس مادتي تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة ليس مجرد إجراء بيداغوجي عابر بل هو مشروع وطني عميق، يستهدف بناء جيل يعرف وطنه، يعتزّ بماضيه، يلتزم بحاضره، ويؤمن بمستقبله.
وهي خطوة تستحق الإشادة والدعم، لأنها تستثمر في أثمن ما تملكه الأمم: الإنسان الواعي بجذوره ورسالة وطنه.
رحم الله شهداء الجزائر الأبرار
تحيا الجزائر حرة قوية.
يحيا الشعب الجزائري الأبي.
الجزائر
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة