ماكرون في نيروبي.. هل تنهار “فرنسا الإفريقية” تحت وقع سقوط النفوذ؟
الجزائرالٱن _ في نيروبي، حاول الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن يرسم صورة مختلفة لبلاده أمام القادة الأفارقة. تحدث عن الاستثمار، وعن المستقبل.
وعن ضرورة بناء “شراكة متوازنة” مع القارة السمراء، معلنًا عن مشاريع بمليارات اليوروهات، ومقدمًا فرنسا باعتبارها شريكًا يريد مرافقة إفريقيا في تحولات القرن الجديد.
لكن خلف هذا الخطاب المليء بالمفردات الدبلوماسية اللامعة، كان هناك واقع يصعب على باريس تجاوزه، وهو أن فرنسا لم تعد تحظى بالمكانة نفسها داخل إفريقيا، وصورتها التقليدية باعتبارها الحليف الطبيعي للقارة تعرضت لتصدع عميق خلال السنوات الأخيرة.
فالزيارة التي حاولت باريس تقديمها باعتبارها انطلاقة جديدة، بدت بالنسبة لكثير من المراقبين محاولة لإيقاف نزيف النفوذ الفرنسي داخل القارة.
خصوصًا بعد موجة الرفض الشعبي والسياسي التي واجهتها فرنسا في عدد من الدول الإفريقية، من مالي والنيجر إلى بوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى.
ولهذا لم يكن خطاب ماكرون في نيروبي مجرد حديث عن التعاون الاقتصادي، بل كان في جوهره محاولة لإعادة تسويق الدور الفرنسي داخل قارة بدأت تتحرر تدريجيًا من النفوذ التقليدي لباريس.
فرنسا وإفريقيا: تاريخ من المصالح أكثر منه شراكة
منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، حافظت فرنسا على حضور واسع داخل إفريقيا، لكن هذا الحضور لم يُبنَ يومًا على فكرة تطوير الاقتصادات الإفريقية بقدر ما ارتبط بحماية المصالح الفرنسية السياسية والاقتصادية.
فعبر شبكات النفوذ السياسي، والاتفاقيات الأمنية، والامتيازات الاقتصادية، استطاعت باريس لعقود طويلة الحفاظ على موقع متميز داخل مستعمراتها السابقة، خصوصًا في غرب ووسط إفريقيا.
غير أن الإشكال الحقيقي في العلاقة الفرنسية الإفريقية لم يكن في وجود التعاون بحد ذاته، بل في طبيعة هذا التعاون.
ففرنسا ظلت حريصة على إبقاء العديد من الاقتصادات الإفريقية مرتبطة بها كمصدر للمواد الخام أو كسوق استهلاكية للمنتجات الفرنسية، دون أن تذهب بعيدًا في بناء شراكات تسمح لهذه الدول بامتلاك استقلال صناعي أو تكنولوجي حقيقي.
ولذلك، وعلى الرغم من عقود طويلة من العلاقات السياسية والاقتصادية، لم تتحول أغلب الدول الإفريقية المرتبطة تاريخيًا بفرنسا إلى قوى صناعية أو اقتصادات منتجة قادرة على التحرر من التبعية الخارجية.
الجزائر نموذجًا: السوق المفتوحة بدل نقل التكنولوجيا
تُظهر التجربة الجزائرية بوضوح حدود الخطاب الفرنسي حول “الشراكة الاقتصادية”.
فعلى الرغم من الحضور الكبير لشركات فرنسية، خاصة في مجال السيارات مثل “بيجو” و”رونو” داخل السوق الجزائرية، فإن التعاون الصناعي لم يصل يومًا إلى مستوى نقل التكنولوجيا الحقيقية أو بناء صناعة سيارات وطنية متكاملة.
لقد ظلت العلاقة الاقتصادية في هذا القطاع قائمة على منطق البيع والتسويق أكثر من منطق التصنيع والتطوير.
فالشركات الفرنسية استفادت من السوق الجزائرية الضخمة، لكنها لم تُظهر استعدادًا فعليًا لنقل المعرفة الصناعية أو خلق منظومة إنتاج متكاملة تسمح للجزائر بالتحول إلى قطب صناعي إقليمي. وهذا النموذج لا يقتصر على الجزائر وحدها، بل يعكس نمطًا أوسع في السياسة الاقتصادية الفرنسية داخل إفريقيا، حيث يُنظر إلى القارة غالبًا كسوق ومجال نفوذ، لا كشريك صناعي متكافئ.
لماذا تتحرك باريس الآن؟
ما يدفع فرنسا اليوم إلى تكثيف خطابها تجاه إفريقيا ليس فقط الرغبة في تعزيز التعاون، بل أيضًا القلق المتزايد من خسارة النفوذ. ففي السنوات الأخيرة، تعرضت باريس لانتكاسات متتالية داخل القارة، حيث تصاعدت الاحتجاجات ضد الوجود الفرنسي، وانسحبت القوات الفرنسية من عدة دول كانت تُعتبر تاريخيًا جزءًا من المجال الحيوي الفرنسي.
في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لم يعد الوجود الفرنسي يُنظر إليه باعتباره عامل استقرار، بل أصبح يُقدَّم في الخطاب الشعبي والسياسي كرمز لاستمرار الهيمنة الخارجية.
كما أن توسع الحضور الروسي والصيني والتركي داخل إفريقيا زاد من صعوبة الحفاظ على الامتيازات التقليدية التي تمتعت بها باريس لعقود.
ولهذا جاء خطاب ماكرون خلال قمة “إفريقيا إلى الأمام” بنيروبي الكينية في إطار محاولة واضحة لإعادة التموضع داخل شرق إفريقيا، بعد تراجع النفوذ الفرنسي في الغرب الإفريقي.
فباريس تدرك أن صورتها القديمة اهتزت بقوة، وتحاول اليوم استبدال الخطاب الأمني والعسكري بخطاب اقتصادي وثقافي أكثر نعومة. لكن المشكلة أن كثيرًا من الأفارقة باتوا ينظرون إلى هذه التحولات باعتبارها تغييرًا في الأسلوب لا في الجوهر.
الرسالة الكينية: إفريقيا لا تريد الخطب بل المصالح المتبادلة
وسط اللغة الفرنسية المليئة بالوعود، جاء خطاب الرئيس الكيني ليعكس التحول العميق في المزاج السياسي الإفريقي، حين أكد أن إفريقيا “لا تريد الصدقة بل تريد شراكة متكاملة”.
لم يكن هذا التصريح مجرد تعليق عابر، بل رسالة مباشرة إلى القوى الغربية عمومًا، وفرنسا خصوصًا، بأن القارة لم تعد مستعدة لقبول العلاقات غير المتوازنة التي سادت لعقود طويلة.
فالدول الإفريقية اليوم لا تبحث فقط عن القروض أو المساعدات أو المؤتمرات الدبلوماسية، بل عن نقل للتكنولوجيا، وبناء للمصانع، وتمويل للبنية التحتية، وخلق لفرص العمل، أي عن شراكات تنتج قيمة حقيقية داخل الاقتصادات المحلية.
ولهذا السبب تحديدًا تواجه فرنسا أزمة ثقة متفاقمة داخل القارة، لأن الخطاب الفرنسي ظل لسنوات طويلة أكبر بكثير من النتائج الفعلية على الأرض.
أزمة فرنسا الحقيقية: سقوط الخطاب التقليدي
المشكلة التي تواجه باريس اليوم لا تتعلق فقط بتراجع النفوذ السياسي أو العسكري، بل بانهيار النموذج الخطابي الذي اعتمدت عليه لعقود.
فإفريقيا الجديدة لم تعد إفريقيا التي يمكن إقناعها بالشعارات الدبلوماسية وحدها، كما أن الأجيال السياسية والشعبية الصاعدة داخل القارة أصبحت أكثر حساسية تجاه قضايا السيادة الاقتصادية والاستقلال السياسي.
لقد انكشف التناقض بين الحديث الفرنسي عن “الشراكة” وبين واقع اقتصادي لم يسمح، في أغلب الحالات، ببناء تنمية مستقلة داخل الدول الإفريقية.
ولهذا، لم تعد الوعود الفرنسية تُستقبل بالحماس نفسه الذي كانت تحظى به سابقًا، بل باتت تواجه بقدر كبير من الشك والريبة، خصوصًا مع استمرار الفقر والتبعية الاقتصادية في عدد من الدول التي ظلت لعقود ضمن دائرة النفوذ الفرنسي.
هل تدرك باريس أن إفريقيا تغيّرت؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت فرنسا قادرة على إطلاق وعود جديدة، بل ما إذا كانت لا تزال تعتقد أن الأفارقة سيواصلون تصديق هذه الوعود.
فهل تعتقد باريس فعلًا أن ركض ماكرون في شوارع نيروبي، وخطاباته المليئة بالكلمات البراقة أمام القادة الأفارقة، يمكن أن تمحو عقودًا طويلة من السياسات التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها سببًا في استمرار التبعية الاقتصادية للقارة؟
وهل ما تزال فرنسا تتصرف على أساس أن إفريقيا القديمة ما زالت قائمة، وأن معسول الكلام يكفي لاستعادة النفوذ الذي خسرته؟ أم أن باريس لم تدرك بعد أن القارة تغيّرت، وأن الشعوب الإفريقية أصبحت أكثر وعيًا بمصالحها، وأكثر قدرة على التمييز بين الشراكة الحقيقية والخطابات المصممة لإنقاذ نفوذ يتراجع عامًا بعد عام؟
ربما تكمن أزمة فرنسا الحقيقية في أنها لم تفهم بعد أن ما خسرته في إفريقيا لم يكن مجرد قواعد عسكرية أو عقود اقتصادية، بل ثقة قارة كاملة بدأت تبحث عن شركاء يعاملونها كقوة صاعدة، لا كساحة نفوذ قديمة يمكن استعادتها ببضعة خطابات دبلوماسية وكلمات منمقة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة