●مشروع الفوسفات العملاق.. الجزائر تدخل عصر القوة المنجمية
الجزائر الآن – في عمق الشرق الجزائري، حيث تمتد الهضاب الصخرية على تخوم تبسة وسوق أهراس وعنابة، لا يجري الحديث اليوم عن مشروع منجمي عادي، بل عن إعادة صياغة كاملة للعقيدة الاقتصادية للدولة الجزائرية.
هناك، في بلاد الحدبة، يتشكل أحد أكبر المشاريع الجيو-اقتصادية في إفريقيا، مشروع لا يهدف فقط إلى استخراج الفوسفات.
وإنما إلى نقل الجزائر من اقتصاد قائم على تقلبات النفط إلى قوة صناعية ومعدنية تتحكم في مفاصل الأمن الغذائي العالمي.
ولأول مرة منذ عقود، يبدو أن الجزائر لا تتحرك بمنطق “تصدير الثروة”، بل بمنطق “توطين القوة”.
فمشروع الفوسفات المدمج لا يُقرأ باعتباره استثماراً قطاعياً محدوداً، وإنما باعتباره إعلاناً سيادياً عن دخول البلاد مرحلة “الجيومناجم”، حيث تصبح الموارد المعدنية أداة نفوذ استراتيجي لا تقل أهمية عن الغاز والنفط.
ويأتي هذا التحول في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث تعيد القوى الكبرى رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وفق معادلات الغذاء والطاقة والمعادن الاستراتيجية.
وفي عالم تهتز فيه سلاسل الإمداد الزراعي تحت ضغط الأزمات الجيوسياسية، برز الفوسفات باعتباره أحد أكثر الموارد حساسية في الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة والأمن الغذائي الدولي.
ضمن هذا المشهد، تتحرك الجزائر لإعادة تموقعها داخل سوق عالمية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات، مستندة إلى احتياطات ضخمة تقارب 2.2 مليار طن، ما يضعها ضمن الدول الخمس الكبرى عالمياً في احتياطات الفوسفات.
●مناجم الشرق.. المشروع الذي يعيد تشكيل الاقتصاد الجزائري
وفي الحسابات الاقتصادية التقليدية، تُقاس المشاريع الكبرى بحجم العائدات المالية.
أما في المشاريع السيادية، فإن معيار النجاح الحقيقي يكمن في قدرتها على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وهذا ما يبدو واضحاً في مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة، الذي لا يقتصر على استخراج المادة الخام من تبسة.
بل يقوم على سلسلة صناعية ولوجستية متكاملة تمتد نحو وحدات التحويل الكيميائي في سوق أهراس، وصولاً إلى ميناء عنابة الذي سيكون بوابة التصدير الرئيسية نحو الأسواق العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن المشروع سيوفر ما يقارب 24 ألف منصب شغل، منها 6 آلاف منصب مباشر و18 ألف وظيفة غير مباشرة، في واحدة من أكبر الديناميكيات التشغيلية التي عرفها الشرق الجزائري خلال العقود الأخيرة.
في تبسة، ستنشأ منظومة تشغيل واسعة مرتبطة بالتعدين والميكانيك الثقيلة والصيانة.
وفي سوق أهراس، ستظهر أقطاب للصناعات الكيميائية وتحويل الفوسفات إلى أسمدة.
أما عنابة، فستتحول إلى مركز لوجستي استراتيجي مرتبط بالنقل البحري والتخزين والتصدير الدولي.
ولكن خلف هذه الأرقام، تبدو الدولة الجزائرية وكأنها تعيد رسم الخارطة التنموية للشرق الجزائري بالكامل، عبر خلق شريان اقتصادي جديد يربط المناجم بالمصانع والموانئ والأسواق العالمية.
وفي قراءة لهذا التحول، يؤكد الأكاديمي من جامعة البليدة2، البروفيسور عبد الحكيم بوحرب أن التوجه الحالي للدولة الجزائرية نحو تثمين الموارد المنجمية يمثل تحولاً جذرياً في بنية الاقتصاد الوطني.
وموضحاً بأن المناجم الجزائرية لا تُطرح اليوم كبديل للمحروقات، بل كمورد تكميلي حيوي يهدف إلى حماية البلاد من تذبذبات الأسواق الدولية للطاقة، وتعزيز الثقل الاستراتيجي للجزائر في مجالات الطاقة والمناجم والصناعة.
هذا الطرح يعكس تحولاً أعمق داخل الرؤية الاقتصادية الجزائرية، حيث لم تعد الدولة تنظر إلى المحروقات باعتبارها المصدر الوحيد للقوة المالية.
وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع تقوم على تنويع الموارد وتوزيع مصادر النفوذ الاقتصادي.
●من تصدير الخام إلى معركة الهيمنة الصناعية
ثم إن التحول الأهم في المشروع يكمن في طبيعة الرؤية الصناعية الجديدة للدولة الجزائرية. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول بحجم ما تملكه من مواد خام فقط، بل بقدرتها على التحكم في سلاسل التحويل والإنتاج.
ولهذا، لا تراهن الجزائر على تصدير الفوسفات الخام، بل على تحويله محلياً إلى حمض فوسفوري وأسمدة ومنتجات كيميائية عالية القيمة.
فالهدف المعلن ببلوغ إنتاج يقارب 10 ملايين طن سنوياً بحلول 2027 لا يمثل مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس محاولة لبناء موطئ قدم جزائري داخل واحدة من أكثر الصناعات حساسية في العالم.
وفي هذا السياق، يصف عبد الحكيم بوحرب قطاع الفوسفات بأنه “المكمل البنيوي” للحلقة الغذائية، نظراً لكونه المادة الأساسية في صناعة الأسمدة.
ومشيراً إلى أن الجزائر تستهدف قدرة إنتاجية تقارب 10 ملايين طن، منها حوالي 6 ملايين طن موجهة لصناعة الأسمدة سنوياً.
ويؤكد بوحرب أن القيمة المضافة لهذا المشروع الاستراتيجي تتجاوز دعم احتياطات العملة الصعبة، لتصل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسمدة الفوسفاتية، وتقليص فاتورة الاستيراد، بالتوازي مع تعزيز تموقع الجزائر ضمن سلاسل القيمة الغذائية الدولية.
هذا التحول لا يحمل بعداً اقتصادياً فقط، بل يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً بأن الأسمدة أصبحت جزءاً من معادلات النفوذ الجيوسياسي.
بعد أن كشفت الأزمات الدولية هشاشة سلاسل التموين العالمية واعتماد كثير من الدول على عدد محدود من المنتجين.
●“الثورة اللوجستية”.. السكك الحديدية كأداة نفوذ اقتصادي
غير أن بناء قوة منجمية بهذا الحجم لا يمكن أن يتحقق دون بنية لوجستية قادرة على نقل ملايين الأطنان سنوياً من المناجم إلى وحدات التحويل ثم إلى الموانئ.
ولهذا، ترافق مشروع الفوسفات عملية توسعة وعصرنة واسعة لشبكة السكك الحديدية، عبر خط منجمي استراتيجي يربط تبسة بعنابة مروراً بمناطق الإنتاج والتحويل.
هذا الخط لن يكون مجرد وسيلة لنقل الفوسفات، بل محوراً اقتصادياً جديداً يعيد بعث النشاط التجاري والخدماتي على امتداد مساره، ويحوّل المناطق الداخلية والحدودية إلى فضاءات جذب استثماري وتنموي.
وفي هذا الإطار، يشدد عبد الحكيم بوحرب على أن “الثورة المنجمية” التي تشهدها البلاد تسير جنباً إلى جنب مع “ثورة لوجستية” كبرى، موضحاً أن ربط المشاريع المنجمية بشبكة السكك الحديدية يعد شرطاً أساسياً لنجاحها.
ويشير بوحرب إلى أن عمليات عصرنة السكك الحديدية الممتدة عبر الشرق والغرب والوسط وربط الشمال بالجنوب تهدف إلى تحقيق “التوازن الإقليمي”.
موضحاً أن الدولة تراعي البعد الجغرافي لضمان توزيع عادل للمشاريع الاستراتيجية بما يضمن تنمية شاملة لكافة الأقاليم الجزائرية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المستدام.
●ما بعد النفط.. الجزائر تعيد تعريف قوتها الاقتصادية
في الخلفية، يبدو أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود مشروع الفوسفات نفسه. فالأمر يتعلق بتحول أعمق داخل رؤية الدولة الجزائرية منذ عام 2020.
حيث انتقلت السلطة من منطق إدارة الأزمات الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
فالإصلاحات المرتبطة بالمناجم والاستثمار والبنية التحتية والصناعة لم تعد تُقدَّم باعتبارها مشاريع قطاعية منفصلة.
بل كجزء من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الاقتصاد الجزائري خارج دائرة الارتهان الأحادي للمحروقات.
وفي هذا السياق، يرى المحلل الإقتصادي بأن تنويع مصادر الدخل يمثل “الصمام الوحيد” القادر على حماية الاقتصاد الجزائري من الصدمات الخارجية، خاصة وأن سوق الطاقة يتسم بحساسية مفرطة تجاه التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
ويضيف أن الجزائر تسعى إلى بناء “توليفة” متنوعة من الموارد تضمن استقرار الإيرادات، بعيداً عن النظرة الإحلالية التقليدية، وبما يدعم ركائز القوة الاقتصادية للدولة.
وفي المحصلة، لا يمكن اختزال مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة في مجرد أرقام لمناصب الشغل أو أطنان من المواد المصدرة، لأن ما يجري في الشرق الجزائري يبدو أقرب إلى إعادة هندسة شاملة لموقع الجزائر داخل الاقتصاد الإقليمي والدولي.
إنها محاولة لبناء قوة اقتصادية جديدة تنطلق من باطن الأرض، لكن هدفها الحقيقي يتمثل في فرض موقع الجزائر داخل معادلات الأمن الغذائي والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي عالم يعاد تشكيله اقتصادياً وجيوسياسياً، تدرك الجزائر أن السيادة الحقيقية لم تعد تُبنى فقط بحجم الثروات الطبيعية، بل بالقدرة على تحويل تلك الثروات إلى نفوذ دائم وقوة استراتيجية طويلة المدى.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة