آخر الأخبار

من الغاز إلى الشمس… الجزائر تعيد تشكيل قوتها الكهربائية في إفريقيا

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

من الغاز إلى الشمس… الجزائر تعيد تشكيل قوتها الكهربائية في إفريقيا

الجزائرالٱن _ في عالم تتحول فيه الطاقة إلى أحد أهم أدوات النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي، تواصل الجزائر تثبيت موقعها كواحدة من أبرز القوى الكهربائية في القارة الإفريقية، مستفيدة من احتياطاتها الضخمة من الغاز الطبيعي ومن شبكة إنتاج تعد من الأكبر إقليمياً.

فوسط سباق عالمي محموم على أمن الطاقة، وارتفاع الطلب الصناعي والكهربائي داخل القارة الإفريقية، برزت الجزائر خلال السنوات الأخيرة كفاعل محوري قادر على الجمع بين وفرة الإنتاج واستقرار الإمدادات، في وقت تواجه فيه عدة دول إفريقية أزمات مزمنة في الكهرباء والبنية التحتية الطاقوية.

أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية تكشف حجم هذا التحول، بعدما حلت الجزائر في المرتبة الثالثة إفريقيا والـ38 عالمياً في إنتاج الكهرباء، بإجمالي تجاوز 95 ألف جيغاواط/ساعة، في مؤشر يعكس تنامي الثقل الطاقوي للبلاد داخل المعادلة الإقليمية.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في قدرة الجزائر على بناء منظومة كهربائية مستقرة تستند إلى موارد محلية ضخمة، مع التحرك تدريجياً نحو تنويع مصادر الطاقة استعداداً لمرحلة ما بعد الوقود الأحفوري.

الغاز الطبيعي… العمود الفقري للقوة الكهربائية الجزائرية

تعتمد الجزائر بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي في تشغيل منظومتها الكهربائية، حيث يغطي أكثر من 99 بالمائة من مزيج الطاقة الوطني.

هذا الاعتماد يمنح البلاد أفضلية استراتيجية واضحة مقارنة بعدد من الدول الإفريقية، بالنظر إلى توفر الغاز محلياً وقدرة الجزائر على تأمين احتياجاتها الكهربائية دون الارتهان الكبير للأسواق الخارجية أو تقلبات الإمدادات الدولية.

وبحسب تقرير نشره موقع “بيزنس إنسايدر أفريكا”، بلغ الإنتاج السنوي للكهرباء في الجزائر نحو 96.3 تيراواط/ساعة، منها حوالي 95 تيراواط/ساعة مصدرها الغاز الطبيعي، في حين لا تزال مساهمة الطاقة الشمسية محدودة عند حدود 0.87 تيراواط/ساعة.

هذه الأرقام تعكس بوضوح أن الغاز لا يزال يشكل القلب النابض للمنظومة الكهربائية الجزائرية، ليس فقط لتغطية الطلب المحلي، وإنما أيضاً لدعم الربط الطاقوي مع دول الجوار، خاصة تونس التي تستفيد من صادرات الكهرباء الجزائرية بصورة منتظمة.

معركة الشبكات… التحدي الأكبر خلف أرقام الإنتاج

ورغم القوة الإنتاجية الكبيرة، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجزائر اليوم لا يتعلق بالإنتاج وحده، بل بقدرة الشبكات الكهربائية على مواكبة التحولات الصناعية والديمغرافية المتسارعة.

فالطلب الداخلي على الكهرباء يشهد ارتفاعاً مستمراً، مدفوعاً بالنمو الصناعي والتوسع العمراني، إلى جانب المشاريع الاقتصادية الكبرى التي يجري إطلاقها في عدة مناطق من البلاد.

ولهذا، تتجه الدولة نحو تحديث وتوسعة شبكات نقل الكهرباء ذات الجهد العالي، باعتبارها الحلقة الحاسمة لضمان استقرار المنظومة الكهربائية على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، أطلقت الجزائر مشروعاً استراتيجياً للربط الكهربائي بين شمال البلاد وجنوبها، باستثمارات تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار، يشمل إنجاز خطوط نقل كهربائي بطول 880 كيلومتراً.

ولا يُنظر إلى هذا المشروع باعتباره مجرد توسعة تقنية للشبكة، بل كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى دمج الجنوب الجزائري بصورة أكبر داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، وضمان إيصال الطاقة إلى المناطق الصناعية والمشاريع الاستراتيجية الجديدة.

الجزائر تدخل سباق الطاقة الشمسية

ورغم استمرار هيمنة الغاز الطبيعي، تبدو الجزائر مدركة أن مستقبل الطاقة العالمي يتجه تدريجياً نحو المصادر المتجددة، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالتحول الطاقوي وتقليص الانبعاثات.

ومن هذا المنطلق، أطلقت السلطات برنامجاً لإنشاء 20 محطة للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تصل إلى 3 غيغاواط، ضمن خطة تهدف إلى تنويع مزيج الطاقة وتقليص الاعتماد التدريجي على الوقود الأحفوري.

هذا التوجه يستند إلى الإمكانات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها الجزائر في مجال الطاقة الشمسية، بالنظر إلى المساحات الصحراوية الشاسعة ومعدلات السطوع المرتفعة التي تعد من بين الأعلى عالمياً.

كما تعوّل الجزائر على هذه المشاريع ليس فقط لتغطية الطلب المحلي مستقبلاً، بل أيضاً لبناء موقع تنافسي داخل سوق الطاقة النظيفة التي تتحول تدريجياً إلى أحد أهم رهانات الاقتصاد العالمي.

سونلغاز واختبار الذروة الصيفية

تواجه المنظومة الكهربائية الجزائرية تحدياً متكرراً يتمثل في الارتفاع الحاد للاستهلاك خلال فصل الصيف، خاصة مع تزايد الاعتماد على أجهزة التبريد والتوسع العمراني المتواصل.

غير أن شركة سونلغاز تمكنت خلال صيف 2025 من تجاوز واحد من أصعب اختبارات الضغط الكهربائي، بعدما نجحت في تغطية ذروة استهلاك بلغت 20.5 ألف ميغاواط، بالتوازي مع تصدير نحو 500 ميغاواط يومياً إلى تونس.

هذا الأداء يعكس حجم التطور الذي شهدته البنية الكهربائية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، كما يكشف قدرة البلاد على التحول من مجرد منتج محلي للكهرباء إلى فاعل إقليمي في سوق الطاقة.

الجزائر تعيد تعريف نفوذها الطاقوي

في المحصلة، لا تبدو أرقام إنتاج الكهرباء في الجزائر مجرد مؤشرات تقنية مرتبطة بقطاع الطاقة، بل تعكس تحولاً أعمق في موقع البلاد داخل الخريطة الاقتصادية الإفريقية.

فالجزائر التي بنت قوتها لعقود على النفط والغاز، تتحرك اليوم نحو بناء منظومة طاقوية أكثر تنوعاً واستقراراً، تجمع بين الإنتاج التقليدي والاستثمار في الطاقات المتجددة وتوسعة البنية التحتية الكهربائية.

وفي عالم أصبحت فيه الطاقة أحد أهم مفاتيح النفوذ الجيوسياسي، تدرك الجزائر أن الحفاظ على موقعها الإقليمي لن يعتمد فقط على حجم احتياطاتها من المحروقات، بل أيضاً على قدرتها على تأمين الكهرباء، وتوسيع شبكاتها، والدخول تدريجياً إلى عصر الطاقة النظيفة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا