الصعود الاقتصادي للجزائر يُعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة
الجزائر الآن – تشهد المؤشرات الاقتصادية للجزائر طفرة نوعية تضعها في قلب التحولات المالية الدولية، فوفقاً لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي، تتجه الجزائر لقيادة قاطرة النمو في إفريقيا بناتج محلي إجمالي اسمي يُتوقع أن يتجاوز 317.17 مليار دولار بحلول عام 2026.
هذا الرقم لا يكرس فقط صدارة الجزائر لاقتصادات المغرب العربي بفارق مريح، بل يضعها في المرتبة الرابعة عربياً، مما يفتح باب النقاش حول دلالات هذا الصعود وكيفية تحويله إلى استدامة هيكلية.
ويعكس هذا الصعود بحسب المتابعين مساراً تراكمياً للإصلاحات الاقتصادية التي بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس، حيث لم تعد الأرقام مجرد توقعات نظرية، بل امتداداً لاتجاه تصاعدي تؤكده المؤشرات المالية والنقدية خلال السنوات الأخيرة.
قفزة رقمية بوزن جيوسياسي
وفيهذا الخصوص وفي قراءة تحليلية لهذه التوقعات ، تؤكد الدكتورة أم الخير البرود، الأستاذة المحاضرة في السياسات النقدية والمالية في تصريح لصحيفة “ الجزائر الآن” الالكترونية ، بأن هذه التقديرات تعكس “تحولاً جوهرياً” يمنح الجزائر ثقلاً جيوسياسياً كمركز طاقوي حيوي وقوة استقرار اقتصادي في شمال أفريقيا.
وهو بحسب ذات المتابعين ما يجعل من الجزائر فاعلاً محورياً في معادلات الأمن الطاقوي الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الطاقة، الأمر الذي يعزز من مصداقية هذه التقديرات ويمنحها بعداً استراتيجياً يتجاوز الأرقام المجردة.
هذا الطرح يتقاطعه معها الخبير الإقتصادي و الأستاذ الجامعي في الإقتصاد بجامعة الجزائر الدكتور هواري تيغرسي في تصريح “للجزائر الآن” الإلكترونية والذي يرى من جانبه بأن هذه القفزة النوعية من شأنها بأن تمنح للجزائر قدرة تفاوضية عالية في التكتلات الإقليمية، لكنه يدعو في الوقت ذاته إلى ضرورة القراءة المعمقة لما وراء الأرقام لفهم التحديات البنيوية الكامنة.
غير أن غالبية المختصين يرون أن هذه التحديات لا تُلغي حقيقة أن الاقتصاد الجزائري استطاع تحقيق قفزة نوعية في ظرف دولي معقد، ما يعكس قدرة على التكيّف وإدارة الموارد بكفاءة أعلى مقارنة بمراحل سابق
محركات النمو الإقتصادي الجزائري من “الريع” إلى الإنتاج
كما يتفق الخبيران على أن المحرك الأساسي لهذا الأداء يرتكز على مزيج من العوامل الظرفية والإصلاحات العميقة أهمها :
ديناميكية قطاع الطاقة: حيث ساهم ارتفاع الطلب العالمي على الغاز في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما وصفه د. تيغرسي بالدفع القوي الذي يحتاج لترجمة فعلية في شكل “ديناميكية داخلية”.
وهي ديناميكية بدأت ملامحها تظهر فعلياً من خلال تحسن المؤشرات الكلية وارتفاع مستويات الاستثمار، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الظرفية إلى اقتصاد يبني أسس نموه الذاتي.
توطين الصناعة والفلاحة: كما تشير د. البرود إلى أن “توطين الصناعة الميكانيكية” ودخول شركات عالمية، إلى جانب طفرة الفلاحة الصحراوية، هي مؤشرات حقيقية على انتقال الاقتصاد من مرحلة الاعتماد الكلي على الموارد إلى مرحلة “الاستثمار المنتج”.
و ما يؤكد أن التحول الاقتصادي في الجزائر لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح واقعاً تدعمه مشاريع ميدانية واستثمارات حقيقية بدأت تعيد تشكيل البنية الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
الإصلاحات التشريعية: لقد ساهمت الترسانة القانونية المكرسة لتطوير دواليب الاستثمار في الجزائر ولاسيما خاصة قانون الاستثمار الجديد وتحسن الأداء المالي في رفع معدل النمو المتوقع إلى 3.8% ، مع وصول الناتج المحلي وفق تعادل القوة الشرائية PPP إلى حاجز 914 مليار دولار.
وهو رقم بحسب المختصين دائما يعكس القوة الشرائية الحقيقية للاقتصاد الوطني، ويضع الجزائر ضمن الاقتصادات الصاعدة التي تمتلك قاعدة داخلية صلبة قادرة على دعم النمو واستيعاب التحولات الاقتصادية الكبرى.
تحدي التحول الهيكلي
ورغم التفاؤل الذي تشير به الأرقام الدولية يضع المحللان خارطة طريق لضمان عدم بقاء هذا النمو رهيناً لتقلبات أسعار النفط.
حيث يشدد الدكتور تيغرسي على أن “القوة الاقتصادية الحقيقية” تُقاس بمدى الصمود أمام الصدمات الخارجية وخلق ثروة حقيقية قابلة للتصدير.
وهو مسار بدأت الجزائر تخطو فيه خطوات متقدمة، خاصة مع تنامي الصادرات خارج قطاع المحروقات، ما يعزز من تنوع الاقتصاد ويقلل تدريجياً من حساسيته تجاه تقلبات الأسواق العالمية.
ومن أجل تحقيق ذلك، تقترح الدكتورة البرود والبروفيسور تيغرسي جملة من الإصلاحات الضرورية وعلى رأسها :
تطوير المنظومة المالية: عبر عصرنة بورصة الجزائر وتحرير القطاع المصرفي لاستقطاب الاستثمارات.
2. الربط اللوجستي والرقمنة: استغلال موقع الجزائر كبوابة لأفريقيا عبر ربط المناطق الصناعية بالموانئ وتسريع وتيرة الرقمنة لتقليص البيروقراطية.
وقد ساهمت الإجراءات الرقمية والإصلاحات الإدارية الأخيرة في تحسين مناخ الأعمال، وهو ما انعكس إيجاباً على جاذبية الاستثمار وسرعة إنجاز المشاريع الاقتصادية.
3.تثبيت الإيرادات: التوجه نحو الطاقات المتجددة وإنشاء صناديق سيادية تضمن استقرار المداخيل بعيداً عن تذبذب الأسواق العالمية.
وهو توجه من شـأنه حسب غالبية آراء خبراء الاقتصاد أن يعكس وعياً استراتيجياً بضرورة تأمين الاستقرار المالي على المدى الطويل، وتحويل الفوائض المالية إلى أدوات استثمار تضمن استمرارية النمو.
ما وراء الرقم 317 دولار
ويرى المراقبين للمشهد الاستراتيجي والإقتصادي الجديد بأن استشراف آفاق عام 2026 يضع الاقتصاد الجزائري أمام اختبار “النوعية لا الكمية”
بينما يمنح الناتج المحلي المتجاوز لـ 317 مليار دولار الجزائر تفوقاً إقليمياً ملموساً، يبقى الرهان الحقيقي في قدرة صُناع القرار الاقتصادي على تحويل هذا الزخم المالي إلى تحول هيكلي شامل.
خاصة وأن المعطيات الحالية تشير إلى أن جزءاً مهماً من هذا التحول قد انطلق فعلياً، مدفوعاً بإرادة سياسية واضحة وإصلاحات اقتصادية بدأت تعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطني.
إن الانتقال من “اقتصاد كبير” بحكم الموارد إلى “اقتصاد قوي” بحكم الإنتاجية هو المسار الوحيد لضمان انعكاس هذه الأرقام على القدرة الشرائية للمواطن، وتحويل الجزائر من مجرد مصدر للطاقة إلى فاعل استراتيجي في سلاسل القيمة العالمية.
ومع هذه المؤشرات، تبدو الجزائر أقرب من أي وقت مضى إلى ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية إقليمية صاعدة، مستندة إلى أرقام حقيقية تعكس تحولاً تدريجياً لكنه ثابت في بنية الاقتصاد.
وستبقى سنة 2026 محطة فارقة، فإما تكريس الريادة المستدامة أو البقاء في دائرة النمو المرتبط بالظروف؛ والمعطيات الحالية تشير إلى أن قطار الإصلاح قد وضع الجزائر بالفعل على السكة الصحيحة
وبقدر ما تمثل توقعات بلوغ 317 مليار دولار إنجازاً رقمياً مهماً، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في الدلالة السياسية والاقتصادية التي تحملها؛ فالجزائر تدخل تدريجياً مرحلة إعادة التموضع كقوة اقتصادية إقليمية صاعدة، مستفيدة من الاستقرار الداخلي، ووفرة الموارد، وإرادة الإصلاح التي بدأت تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد الوطني بثقة أكبر في المستقبل.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة