●بحر الصحراء” يجمع العواصم الثلاث: اتفاق تاريخي لاستغلال “الذهب الأزرق” وتأمين مستقبل الأجيال
الجزائر الآن – تعد قضية الأمن المائي في منطقة المغرب العربي حجر الزاوية في استقرار المنطقة وتنميتها المستدامة، وفي خطوة وُصفت بأنها “طوق نجاة” لمستقبل التنمية في شمال أفريقيا.
وفي ذات الخصوص فقد وضعت كل من ليبيا والجزائر وتونس حجر الأساس لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، بتوقيع “إعلان طرابلس” لإنشاء آلية تشاور دائمة حول المياه الجوفية المشتركة.
هذا الاتفاق لا يستهدف مجرد تقاسم الموارد، بل يمهد الطريق لإدارة أضخم خزان مائي جوفي في العالم، المعروف بـ “الذهب الأزرق”، وسط تحديات مناخية وجودية تلوح في الأفق.
●قسوم نصر الدين: نحن أمام “بحر جوفي” بقدرات هائلة
وفي قراءة تقنية لهذه الثروة، كشف المهندس قسوم نصر الدين، الخبير والمكلف السابق بشركة سوناطراك حاسي مسعود في تصريح لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية ،عن أبعاد مذهلة لهذا الخزان.
وأوضح بأن ما يسمى بـ “المياه الألبية” (Albienne) ليس مجرد طبقة مائية عابرة، بل هو بمثابة “بحر جوفي” يمتد على مساحات شاسعة بعمق يصل إلى 2400 متر تحت سطح الأرض.
●السيادة المائية العابرة للحدود: 40 ألف مليار متر مكعب تضع الجزائر وليبيا وتونس على خارطة القوة الاقتصادية القادمة”
وفي ذات الخصوص يشير المهندس إلى أن هذه المياه التي تخرج بدرجات حرارة تصل إلى 70 مئوية، تحمل مخزوناً يقدر بـ 40 ألف مليار متر مكعب، تتوزع بنسب سيادية (62% للجزائر، 30% لليبيا، و8% لتونس).
ويشدد على أن الاستغلال الأمثل يتطلب “نماذج رياضية” دقيقة لتقسيم الحصص عبر الآبار، لضمان استدامة الإنتاج دون الإضرار بالتوازن الجيولوجي للخزان.
●المعالجة والذكاء الاصطناعي.. تحديات الجودة والاستدامة
ولم يكتفِ المتحدث بتوصيف الكميات، بل ركز على جودة “الذهب الأزرق”. فبالرغم من ملوحتها المتوسطة وغناها بالمعادن، إلا أنها تتطلب معالجة دقيقة للقضاء على بكتيريا (Sulfato-réductrices).
ومن هنا، يطرح قسوم رؤية مستقبلية تدمج الذكاء الاصطناعي في إدارة هذا المورد المائي الضخم.
سواء من حيث مراقبة جودة المياه بعد المعالجة أو في ضمان التوزيع العادل والمؤتمت للحصص بين الدول الثلاث، مما يحول المنطقة إلى مركز عالمي لإدارة الموارد المائية الصحراوية.
●رؤية اقتصادية: المياه كقاطرة للاستثمار العابر للحدود
ومن منظور اقتصادي، يرى خبراء أن هذا الاتفاق يمثل “شهادة ميلاد” لمنطقة تكامل اقتصادي جديدة.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن توفير المياه المستدامة في قلب الصحراء سيحولها من منطقة طاردة للسكان إلى “قطب استثماري” زراعي وصناعي.
ويرى الخبراء أن استغلال 40 ألف مليار متر مكعب يعني القدرة على إنشاء مشاريع عملاقة في الصناعات الغذائية والطاقة، مما يقلل فاتورة الاستيراد للدول الثلاث.
كما أن الربط بين توفر المياه (الذهب الأزرق) والطاقة الشمسية المتوفرة في الصحراء سيخلق “اقتصاداً أخضر” عابراً للحدود، يعزز من قيمة العملات المحلية ويخلق فرص عمل لملايين الشباب في المناطق الجنوبية.
● من الصراع على الموارد إلى التكامل الوجودي
ويرى المراقبين للشأن الاستراتيجي والدبلوماسي بأن “إعلان طرابلس” الأسبوع الماضي ،وتصريحات الخبراء مثل المهندس قسوم نصر الدين، تؤكد أن منطقة شمال الصحراء بصدد إعادة صياغة مفهوم “الأمن القومي”.
فلم تعد الحدود السياسية هي العائق، بل أصبح “الحوض المائي المشترك” هو المحرك الفعلي للسياسة الخارجية.
كون أن التحليل الاستراتيجي لهذا المشروع يشير إلى أن نجاح الدول الثلاث في تحويل هذه الثروة من مجرد “خزان مائي” إلى “مشروع تنموي ذكي” مدعوم بالذكاء الاصطناعي والتعاون الفني.
مما سيعيد تموضع المنطقة كلاعب أساسي في سوق الغذاء والطاقة العالمي.
إنها معركة “الذهب الأزرق” التي اختارت فيها الجزائر وتونس وليبيا طريق التعاون بدلاً من التنافس، مما يجعل من هذا البحر الجوفي ضمانة للاستقرار الجيوسياسي لقرون قادمة، في منطقة تدرك جيداً أن قطرة الماء هي أغلى ما تملكه في رمالها الذهبية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة