الأكاديمي والمحلل السياسي بن خروف لـ”الجزائر الآن”:” فوز الجزائر برئاسة البرلمان الإفريقي انتصار للقارة على بقايا الاستعمار”
الجزائرالٱن _ ليست مجرد نتيجة تصويت، ولا مناسبة للاحتفال العابر. ما جرى حين رُفعت الأيدي الإفريقية لصالح ممثل الجزائر فاتح بوطبيق رئيساً للبرلمان الإفريقي بأغلبية ساحقة، هو في جوهره رسالة قارية موجَّهة إلى العالم مفادها أن إفريقيا تعيد رسم موقعها على خريطة القرار الدولي. هكذا رأى الأكاديمي والباحث والمحلل سياسي، عضو مؤسس مركز الدراسات والتوثيق أحمد بابا مسكي بباريس، في قراءة حصرية لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية
إنجاز بطعم إفريقي خالص
يُطلّ الدكتور بن خروف على هذا الفوز من زاوية تتجاوز الحسابات الانتخابية، ليصفه بـ”انتصار للأفارقة قبل أن يكون انتصاراً للجزائر”.
ذلك أن الدول الإفريقية التي صوّتت بهذه الأغلبية الساحقة لم تكن تختار شخصاً، بل كانت تُعلن ميثاقاً. ميثاق مفاده أن القارة باتت مهيأة لرسم خريطة طريق جماعية، تجتمع فيها الرؤى حول هدف واحد وهو “الدفاع عن المصالح الإفريقية بأيدٍ إفريقية.”
وفي هذا السياق، يرى الباحث أن الطموح الحقيقي يكمن في بناء نظام إفريقي وعدالة إفريقية قادرَين على استيعاب المشاكل الداخلية للقارة وحلحلتها من الداخل، دون اللجوء إلى وصاية خارجية باتت مكشوفة النوايا في نظر كثير من الأفارقة.
قارة تنهب ثرواتها أمام أعين أبنائها
لا يتردد الدكتور بن خروف في تسمية الأشياء بمسمياتها. فإفريقيا بنظره “خزّان حقيقي” تتضمن في باطن أرضها ما يُغري به العالم، من معادن، طاقة، ذهب، ألماس، وأتربة نادرة باتت العمود الفقري للصناعة العالمية. غير أن ما يستفزّ المحلل هو أن هذه الثروات تُنهب بصورة ممنهجة في ظل صمت مريب، “حان الوقت لوضع حد لهذه المعادلة الظالمة” وفق تعبيره.
ولا يكتفي بالتشخيص، بل يدعو إلى برنامج سيادي اقتصادي واضح، بأن يتولى الأفارقة أنفسهم تسيير بلدانهم واستثمار مواردهم وتحويلها وتصديرها بكفاءاتهم الوطنية، في إطار قانون التجارة الدولية، بديلاً عن نموذج التصدير الخام الذي أفقر القارة لعقود.
الجزائر التي اختارتها إفريقيا لسبب
لماذا الجزائر تحديداً؟ يُجيب الدكتور بن خروف ببساطة، لأن التاريخ يشهد.
فمنذ الاستقلال وهي تنتهج خطاً ثابتاً في دعم قضايا التحرر وعدم الانحياز ومقاومة الهيمنة.
وجاء هذا الفوز في نظره تتويجاً لمسار طويل تُجسّده الجزائر إلى جانب جنوب إفريقيا وعدد من الدول ذات الطموح القاري المشترك، كلها ترى أن التحرر من مخلفات الاستعمار “ليس شعاراً بل استراتيجية بناء”.
وللجزائر في المخيال الإفريقي مكانة خاصة؛ فهي في عيون كثير من الدول قِبلةٌ لكل من يبحث عن نموذج للتحرر الفعلي من بقايا النفوذ الاستعماري.
ذلك النفوذ الذي يصفه المحلل بأنه ترك ندوباً عميقة في مسيرة التنمية الإفريقية لا تزال تؤلم حتى اليوم.
فلسطين والصحراء… حاضرتان دائماً
لا يمكن لمن يعرف الدكتور بن خروف أن يتفاجأ بتحليله حين يربط هذا الفوز بموقف الجزائر الراسخ من قضيتين يعتبرهما غير قابلتين للمساومة.
وهما تحرير فلسطين وتحرير الصحراء الغربية. كلتاهما ترسّخت في المرجعية القانونية الدولية، وتحديداً في قرار الأمم المتحدة 1514 الصادر عام 1960 الذي كرّس حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو مبدأ تُمسك به الجزائر كما تُمسك بهوية وجودها.
ويضيف المحلل أن مصداقية الجزائر الإفريقية تنبع أيضاً من التزامها المبدئي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ومن دورها الإيجابي في تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاعات وإيصالها إلى طاولة التفاوض.
وهو دور يُميّزها عن نماذج التدخل الخارجي المفروض الذي ينفر منه الأفارقة.
من الكرسي إلى المنظومة
في مستوى ثالث من قراءته، يدعو الدكتور بن خروف إلى ألا يتوقف الزخم عند لحظة الفوز، بل أن يتحول إلى مشروع مؤسسي متكامل.
ويتجلى ذلك عبر ثلاثة محاور متشابكة؛ تعميق التواصل بين دول الاتحاد الإفريقي وبرلمانه عبر زيارات مكوكية وشراكات قطاعية متنوعة؛ وبناء ترسانة قانونية إفريقية صارمة تُمكّن الدول من استرجاع حقوقها المنهوبة؛ والانتقال من مرحلة التبعية إلى مرحلة التفاعل الند للند مع الاقتصاد العالمي.
ويُختم المحلل طرحه بتأكيد أن كل هذه المحاور “ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية” لقارة تمتلك كل مقومات القوة ولا تنقصها سوى الإرادة التحررية الجماعية الموحدة.
فوز فاتح بوطبيق إذن ليس نقطة وصول بل نقطة انطلاق نحو إفريقيا التي يحلم بها الأفارقة؛ حرة في قرارها، سيّدة على ثرواتها، شريكة لا تابعة في معادلات العالم.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة